برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء السابع

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة السابعة – الجزء السابع

د. العباس بن حسين الحازمي

أبرز موضوعات الجزء السابع

الجزء السابع يتكون من جزئين في سورتين، المائدة سورة مدنية والأنعام سورة مكية، والسورتين ناقشتا موضوعات متشابهة ولكن كل واحدة منهما ناقشتها بالظرف الذي نزلت فيه. فسورة المائدة فيها كثير من أحكام المطعومات، ولكنها ناقشتها من ناحية الحلّ والحُرمة وهذا أحد أنواع العلاقة ما بين اسم السورة "المائدة" وبين أحكام كثير من المطعومات التي وردت فيها، كالخمر، والصيد وغيره... 

سورة الأنعام ناقشت الكثير من المطعومات ولكنها من ناحية عقدية لأنها سورة مكية تناقش قضايا العقيدة والإيمان، وناقشت هذه المطعومات وكيف أن أولئك المشركين نسبوها لغير الله، حرفوها عن موضوعها حرفوها عقدياً، لكنها مطعومات وهذه اسمها الأنعام وهذه اسمها المائدة .

*أبرز الموضوعات:

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً)[المائدة:82] بين الله عز وجلّ في هذه السورة الموالون للمسلمين الموادّون لهم، والمعادون لهم حتى يأخذ المسلم الحيطة والحذر وحتى يعرف عدوه من صديقه، وهذا مبدأ مهم في حياة الإنسان وعندما يأتيك هذا المبدأ وتأتيك هذه المعلومة ويأتيك هذا اليقين من الله عز وجلّ فعليك أن تأخذ بها ولا تفرط فيها وهذا الذي أخبرنا الله عز وجلّ به وذكره في هذه الآية تجد كثير من الناس في زماننا يغطون أعينهم عنه ويتغافلون عنه ويعمون أعينهم عنه مع أن الله عز وجلّ بيّن لنا هذا الأمر بياناً شافياً وهذه حقائق من الله من الخالق سبحانه وتعالى، بيّن من هم الذين أقرب ومن هم الذين أشد، وذكر سبب ذلك، سبب كون الذين هم أقرب إلينا النصارى هو :

(وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)[المائدة:83]، وهذا تعبير دقيق في كلمة تفيض ليست مجرد دمع بكاء وإنما إفاضة من شدة التأثر، وسبب هذا التأثر الذي أشارت إليه الآية: أنهم آمنوا واعترفوا بأن هذا الكلام من عند الله عز وجلّ، وهذا الأمر ينقص كثيراً من المنتسبين لتلك الأديان اليوم ولهذا لا نجد عندهم هذه المودة التي نسبها الله عز وجلّ إليهم هذه المودة مشروطة بأنهم يتأثرون بهذا الكلام هؤلاء لا يعترفون بأن هذا كلام الله عز وجلّ، (وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ)[المائدة:84] أي آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهذا سر من أسرار قربهم منا.

*من موضوعات سورة المائدة:

الحديث عن الخمر والميسر وأثرهما في الصد عن ذكر الله عز وجلّ ، جاء الكلام عن الخمر والميسر ضمن الحديث عن مجموعة من أحكام المطعومات وبُدأت بقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ)[المائدة:87] وهذه قاعدة عامة في التعامل مع المطعومات والمشروبات، قاعدة رئيسية من قواعد الشريعة ثم ذكر الله عز وجلّ بعد ذلك ما يصنف ضمن الحرام وما يصنف ضمن الحلال، حتى أنه ذكر بعض المطعومات التي هي في الأصل حلال ولكنها تحرم لمدة معينة كما حرم الصيد على المحرِم وقبل هذا ذكر الكلام عن الخمر والميسر وهذه الآية التي جاءت في هذه السورة هي آخر الآيات نزولاً فيما يتعلق بالخمر والميسر وفي الخمر خاصة، وفي هذا تدرُج في تحريم الخمر وقد جاءت عدة آيات وهذه الآية قد جاءت بالتحريم القاطع :( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)[المائدة:91]، قال بعدها الإمام انتهينا انتهينا، وهنا استجابة فالصحابة حينما جاءهم الأمر فهل أنتم منتهون وقد ورد في بعض آثار السيَر أنه سالت أزقة المدينة  بجرار الخمر استجابة لأمر الله عز وجلّ، نحن في الحقيقة بحاجة  إلى إحياء مثل هذا المفهوم ونحن نقرأ هذه الآية في قضية الإستجابة لله عز وجلّ لأن الله يسألنا ويقول:(فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)[المائدة:91] فقال الصحابة:انتهينا انتهينا، وكثير من الأوامر والنواهي نحن بحاجة أن نتعامل معها بهذه الاستجابة وبهذا القدر العالي من الاستجابة إذا أيقنا أنها من الله عز وجلّ والذي يمنع كثير من الناس من الاستجابة لهذه الأوامر والانتهاء عن هذه النواهي أنهم يغفلون ولو للحظات يسيرة أنها من الله عز وجلّ، ولهذا كان السلف كما قال بعضهم كانوا رأوا في القرآن رسائل من ربهم فعكفوا عليها بالليل يقرأون وبالنهار يعملون، يطبقونها في حياتهم العملية.

قصة عيسى عليه السلام التي وردت في آخر السورة المباركةوالنعم التي أنعم الله عز وجلّ بها من معجزات عظيمة ثم قصته مع الحواريين بدءاً من قوله سبحانه وتعالى:( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ)[المائدة:110]، هذه معجزة، (وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ)[المائدة:110]، المعجزة الثانية:(إذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي)[المائدة:110] ونلاحط هنا كلمة "بإذني" تكررت عدة مرات (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)[المائدة:110]، كل هذه المعجزات التي كانت على يد عيسى عليه السلام ووردت في هذه السورة مختومة بكلمة (بإذني) تأكيد على أن هذا الأمر إنما هو من الله عز وجلّ وأن الذي مكّنه منه هو الله عز وجلّ حتى لا يقعوا في الغلو، وهو الذي وقعوا فيه! لأنهم لم يعقلوا هذا الأمر ولم يفقهوا هذا الأمر. وقصة الحوار العظيم بين عيسى عليه السلام وبين الله عز وجلّ في هذه السورة جاء بدءاً بالحوار في الآخرة ثم جاء بعده الحوار في الدنيا في قضية المائدة التي هي سبب تسمية هذه السورة بها ثم جاء الحوار في آخرها في الآخرة مرة أخرى، وسُبق هذ الحوار وافتُتح هذا الحوار بإخبار الله عز وجلّ بأنه يجمع الرسل:(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)[المائدة:109] وهذه آية عظيمة جداً حينما يتصور الإنسان منا أن الله يسأل الرسل قبل فكيف بنا نحن؟! (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) [المائدة:109]

هذا السؤال للرسل نستفيد منه أن نعرف تفاصيل قصصهم لأن الله عز وجلّ وصف هذه الأمة قال (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[البقرة: 143] ويدعو الله عز وجلّ كل رسول في الآخرة ويسأله ماذا صنعت؟ ماذا قلت لقومك؟ ويدعو الأقوام فبعض الأمم تجحد تقول ما رأيناه! ما بلّغنا يا رب! فيقول له الله عز وجلّ لكل نبي: هل معك من يشهد؟ فيقول نعم يارب معي أمة أخي محمد صلى الله عليه وسلم هذا معنى الشهادة على الناس، ولا يتصدى لتلك الشهادة إلا من عرف تفاصيل أخبار الأنبياء والرسل التي وردت في القرآن، لأن الله عز وجل يسألهم يسأل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: وهل شهدتم؟ فيقولون لا يا رب ولكنك أرسلت إلينا رسولاً وأنزلت عليه كتاباً وأخبرتنا فيه أنه قال لقومه_أي نوح_ كذا وأنهم قالوا له كذا، فهل نستعد لهذه الشهادة؟ لهذا نرجو ونتمنى من إخواننا أئمة المساجد أنهم يفصلون في قراءة قصص الأنبياء في صلواتهم في رمضان وفي غير رمضان حتى يتعلم الناس ويتفقه الناس ويعرفون ماذا قال هود لقومه وماذا قال صالح لقومه وماذا قال شعيب لقومه لأنهم سوف يسألون عن هذا الأمر يوم القيامة، سوف يُدعون لهذه المنزلة العظيمة.

ثم بدأ الحوار بين الحواريّين وهؤلاء الحواريّون هم أنصار الله الذين جاء في سورة الصف ( قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ)[الصف:14] فهؤلاء المؤمنين به فجاء هذا الحوار بين عيسى عليه السلام وبين المؤمنين به في قضية المائدة التي سميت هذه السورة باسمها: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) المائدة) هم طلبوا معجزة من الله عز وجلّ لتزيدهم إيمانًا سواء من كان منهم مؤمنًا حقًا ومن كان خلاف ذلك ولهذا هم انقسموا جراء نزول هذه المعجزة لأن هذه المائدة نزلت عليهم ولكن بعضهم آمن بها وبعضهم كفر، فتحقق ما توعدهم الله عز وجل به فهم أشروا في البداية إلى الهدف فقالوا (قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ(114)المائدة) مثل ما قال إبراهيم عليه السلام: ليطمئن قلبي أي ليس سؤال إنكار، لكن النتيجة بعد ذلك جاءت : (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا)[المائدة:114] هذه معجزة، (أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ)[المائدة:114] شاهدة (وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [المائدة:114]، الله عز وجلّ ذكر أنه سينزلها لكنها ستكون حدا فاصلا، وهذا الوعيد من الله عز وجلّ يدل على أن هناك من سينكرها وسوف يكفر بعد نزولها عليهم ولهذا قال: ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ)[المائدة:115]ز هنا آخر حوار بين الله عز وجل وبين عيسى عليه السلام ولننظر إلى الأدب العالي في حوار عيسى عليه السلام مع الله عز وجل حينما يسأله ربه: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ)[116المائدة:] يسأله سبحانه وهو أعلم لكنه العدل الإلهي لإقامة الحجة في ذلك الموقف العظيم ولهذا ابتدأ عيسى بالتسبيح لله: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)[المائدة:116]، وهذا تمجيد لله عز وجل من عيسى عليه السلام  كل هذه الجمل التي قالها عيسى في ذلك الموقف العظيم هي محل اقتداء من المؤمنين ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بالجملة الآخيرة التي ختمت بها الآية كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة يقرأ آية: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)[المائدة:118] هذا من تمام ومن كمال الحوار، من كمال حوار عيسى عليه السلام مع ربه عز وجلّ، فالنبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بأخيه عيسى عليه السلام في حواره مع الله عز وجلّ بهذه الأية وقام بها ليلة كاملة، وهذه آية عظيمة فيها تسليم لله وفيها لجأ إلى الله عز وجلّ (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)المائدة)، حتى مع المغفرة هذا من عزة الله ومن حكمته سبحانه وتعالى ولهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم استحضر هذه المعاني العظيمة في هذه الآية: أنه أنت الملك أنت الذي بيدك كل شيء ولهذا كما أشرنا أنه بات ليلة كاملة يرددها.

*ثم جاءت آخر آيتين:

(قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)[المائدة:119] هذه تزكية من الله عز وجلّ وثناء على عيسى عليه السلام، لأنه ثبت صدقه في ذلك الموقف فهذه الآية هي من تمام القصة وهي ختام لآيات هذه السورة العظيمة: ثناء من الله عز وجل وتزكية لعيسى عليه السلام.

*سورة الأنعام

هذه السورة العظيمة سورة مكية، ويقول كل من يتحدث عنها أنها سورة العقيدة، سورة تأسيس توحيد الألوهية سورة تأسيس توحيد الربوبية، تأسيس العقيدة في إيمان المؤمنين، وهذه السورة العظيمة وورد في بعض الأثر وإن كان فيه ضعف أنه نزل معها سبعون ألف ملك يشيّعها.

هذه السورة العظيمة جاءت في بداية الربع الثاني من أرباع القرآن الكريم، والمتأمل في كتاب الله عز وجلّ يجد أن كل ربع من القرآن أُبتدئ بالحمد، فالربع الأول بالفاتحة، والربع الثاني بسورة الأنعام، والربع الثالث بسورة الكهف، والربع الرابع بسورتي سبأ وفاطر. وكل حمد في كل سورة يختلف محتواه عن الآخر، فحمد الله نفسه في سورة الفاتحة حمداً عاماً وحمد نفسه هنا في سورة الأنعام ليُعلم عباده أن يحمدوه أن خلقهم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ(1) الأنعام) وهكذا الحمد في سورة الكهف على موضوع إنزال الكتاب وهكذا ...

فبدء هذه السورة بالحمد ليدلنا على أنها مشتملة على كثير من النعم العظيمة التي امتن الله عز وجلّ بها على عباده وهي نعم في غالبها معنوية تدلهم على وصولهم إلى هذا الدين، ولهذا يقول بعض المفسرين المعاصرين أن هذه السورة فيها أدلة عملية للدعاة إلى الله عز وجلّ كيف يتحاورون مع الآخرين، كيف يدعون الناس إلى هذا الدين؟ كيف يغرسون في نفوس الناس التوحيد؟ ووُضع لها مثلا عمليا وهو قصة إبراهيم عليه السلام وحواره مع قومه ليكون خاتمة هذه المواقف العظيمة في السورة.

أدلة التوحيد التي وردت من تعظيم الله وبيان لقدرته سبحانه وتعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ)[الأنعام:3]،( وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)[الأنعام:13]، (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)الأنعام)، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)[الأنعام:18] كلها آيات تبين عظمة الله وقدرته الباهرة وأنه الذي بيده كل شيء سبحانه وتعالى وهذا يورث اليقين بأن الذي يتوجه إليه الإنسان هو الله (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ)[الأنعام:17]، فمثلاً لو نزل بأحدنا لا قدّر الله في أقاربنا بأحبابنا بعض الأمراض المزمنة والخبيثة من الذي يستطيع أن يكشف هذا الضر؟ هو الله سبحانه وتعالى، قد تستعصي كل العلاجات الطبية وقد تقف كل الحيل البشرية إن صح التعبير، ويبقى هذ الأمر معلق بالله (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18) الأنعام) 

الحديث عن هذه الآيات وبعض ما حملته من تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة. في هذه السورة وفي غيرها من السور القرآنية التي تذكر فيها قصص الأنبياء يذكر عن التفسير هذا التعبير"التسلية والتسرية"، ما معنى التسلية والتسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ المراد به: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس منك أي تقصير، لا يوجد فيك أي تقصير في ابلاغ هذا الدين والدعوة، وليس كما يفهمه بعض الناس أن الله يسلّي ويسرّي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخبره بأن قوم نوح كفروا وكذبوا، وأن قوم هود كفروا وكذبوا، ليس هذا الأمر، ليس في معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأن قوم نوح كفروا وكذبوا تسلية له! ولا يفرح أحد ولا يتسلى بأن قوم هود كفروا وكذبوا! ولا يتسلى أحد بأن قوم صالح كذبوا، المراد هو أنه إذا كذب قومك فإن هذا ليس ناتجا عن تقصير منك لأن إخوانك من الأنبياء من قبلك بذلوا مثل ما بذلت وقد كذبهم أقوامهم فتكذيب هؤلاء الأقوام ليست نتيجته أنك قصرت ولكن هذه طبيعة البشر هذا هو معنى التسلية الذي نجده متكرراً في كتب أهل التفسير.

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ)[الأنعام:34] ولهذا في ختام الآية الله عز وجل يسرّي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يجد من قومه ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بالطبيعة البشرية في قضية التأثر النفسي فهو يدعوهم إلى النجاة من النار وهم يكفرون به ويأذونه، ولهذا يقول الله عز وجل: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ(35) الأنعام).

وفي ثنايا هذه السورة عندما تذكرالآيات الشرعية أو الكونية يذكر الله عز وجلّ بعدها مواقف المكذبين والمشركين (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) الأنعام) ثم يعود بعد ذلك السياق ليذكر نوعاً آخر من الآيات وهذا أيضاً فيه تعليم أن الداعي إلى الله عز وجلّ لا ييأس ولا يقنط وإنما يكرر دعوته لهولاء الناس يعيد عليهم الموعظة المرة تلو المرة حتى يهديهم الله عز وجلّّ.

الحديث عن موقف الأقوام من الرسل وقضية العذاب: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(43) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ )[الأنعام:44]

وقضية :( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ )[الأنعام:43]   

بعدما يذكر الله عز وجلّ الآيات والدلائل وموقف هؤلاء يذكر العقوبات التي نزلت على هؤلاء وهذا المعنى تكرر كثيراً في هذه السورة وفيه إشارة إلى أن عقوبة الله عز وجلّ قريبة ممن يكذب، وهذه من المواعظ التي تؤثر في الناس إذا رأوا هذا الموقف الذي حصل في هؤلاء فإنهم لا شك يعودون عن هذا التكذيب الذي هم فيه.

من أعظم الايات في وصف قدرة الله تعالى (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)[الأنعام:59] تصور عظمة الله سبحانه وتعالى في هذه الآية في كل كلمة منها (مَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا)[الأنعام:59]، تأكيد لكلمة يعلمها مره أخرى، (وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59] هذا التفصيل الدقيق لعلم الله عز وجلّ بهذه الدقائق من الأمور يفيد الإنسان أولاً في ذاته في نفسه هو أن يوقن بعلم الله عز وجلّ واطلاعه على خفايا نفسه هو، وأيضاً على معرفته بخفايا الناس فقرآءة الإنسان لهذه الآية وتكراره لها وإيمانه بها يورثه خوفاً من الله عز وجلّ وخشية له ومراقبة له ويقينا بعلم الله عز وجلّ الواسع الشامل .

وهذه الآيات: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)[الأنعام:63] كلها فيها ربط للإنسان بالله سبحانه وتعالى، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًاً)[الأنعام:65]، كل هذه الآيات يفهم منها بكل وضوح التوجه إلى الله سبحانه وتعالى واللجأ إليه والتصديق والإيمان به سبحانه وتعالى وأن نتوجه إليه في كل أعمالنا. أيضاً قوله سبحانه وتعالى:(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ)[الأنعام:73] كل هذه الآيات تصب في هذا المقام .

ذُكر مهمات الرسل مع أقوامهم وذكر عليها نموذج عملي وهو قصة ابراهيم عليه السلام ومن المهم أن يقرأها الإنسان ويتأملها ويتدبر فيها .

سؤال الحلقة: ما السور الأخرى المفتتحة بالحمد لله في القرآن الكريم ؟

 

https://t.co/AvPKNmlsrq



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل