تفسير سورة الأحزاب - 4 - د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحزاب - 4

د.محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

لا زال الحديث موصولاً حول سورة الأحزاب وما فيها من أمر ونهي وذكرنا فيما ذكرنا قبل أن هذه السورة بتعبير مختصر نقول هي ما كان في أولها ما على الرسول وفي ثلثيها الأخيرة ما للرسول e وما تخلل في هذه السورة من قصص وما كان فيها من شأن جملة من التشريعات ومن أهمها أحكام التبني. ولعلنا يتصل الحديث بما انقطع منه، وقد توقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وهذه الآية لها علاقة بالسابق ولها علاقة باللاحق. وجاء في سبب نزولها ما ورد في قصة أو في تزويج النبي e واختيار النبي e لزينب بنت عمته، زينب بنت جحش بنت أميمة، عندما اختار لها النبي e الزواج من زيد، قيل هذا في سبب نزولها، وقيل في قصة جليبيب، وقيل في قصة أيضا تزويج زيد بن حارثة لأم كلثوم بنت أبي عقبة ولعل هذا من أصحّها لأن النبي e اختار زيدًا لأم كلثوم وقد وهبت نفسها للنبي e فجاء في نفسها كيف أنها وهبت للنبي صلى الله عليه وسلم نفسها ثم اختارها لزيد وتدّعي أن زيداً مولى، فنزلت هذه الآية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). وهذه الآية تُرشِد بمعناها العام في هذه السورة وفي غيرها وخاصة أن هذه السورة هناك جملة من الأوامر التي قد تخالف المألوف والمعتاد في المجتمع المدني، فقال الله U لأهل الإيمان للمؤمنين والمؤمنات (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) والله U يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة من أمرهم، وينبغي للمؤمن أن يسير مع خيرية الله في أمره ونهيه وفي قضائه وحكمه وأن يكون الخير كل الخير عند هذ المؤمن فيما يختار الله U له (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216))[البقرة]، (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[النور:11]. فإذاً الخير فيما يختاره الله ولذلك يقول النبي e كما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم صحيحه أن النبي e قال: «ما يقضى الله لمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له» فنوقن بهذه الخيرية وإن كان في الظاهر القليل قد يبدو لنا خلاف ذلك لكن في العاجل بل في الآجل وكذا في العاجل الخير كل الخير في اختيار الله U وفي قضائه وفي أمره. ولذلك قال الله عز وجل أيضا شاهد لهذه الآية (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65))[النساء] وقال u: «والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم - لاحظوا - لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». إذاً الآية في خصوصها وعمومها وكما ذكرت أن الآية تتعلق بما ذكرناه سابقاً وبما يأتي كذلك في اللاحق من أمر التبني وغيرها من الأمور فقال الله U (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ) وقد يصدق على المؤمنة أم كلثوم أو زينب في بعض الروايات. (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ثم قال I (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بأن يجعل ما يمليه عقله خير مما يقضي الله ومن يعص الله ورسوله في ذلك فقد ضلّ ثم قال الله I في هذا الضلال أنه (ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)) ضلّ ضلالًا مبينًا الذي يتبع غير منهج الله ويختار غير اختيار الله ولذلك نسير مع اختيار الله ومع أمر الله بكل رضى وسرور ونعلم أن في هذا الاختيار الخير ولذلك يقول الشيخ السعدي: إذا علِم العبد في الاختيار أن الذي اختار له من صفاته ثلاث صفات نتأملها الذي يختار لك هو العليم وهذه أكثر صفة جاءت بعد صفة الألوهية والربوبية جاءت في القرآن صفة العليم أكثر الصفات. فإذا علمت يا أيها العبد أن الذي اختار لك عليم وأن الذي اختار لك أيضاً حكيم واختار لك رحيم فإذا علمت أنه عليم وأنه رحيم وأنه حكيم هذه الصفات ما الذي يجعلك تقدم اختيارك ورغبتك ومحبوبك على اختيار الله عز وجل؟ فليكن عندك كل الرضى وكل الاطمئنان بأنك توقن أن الرحمن أرحم الراحمين الحكيم هو الذي اختار لك هذا.

ثم يقول الله U في الآية التالية (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) بدأ تفصيل القصة التي جاءت في أول السورة ولعلنا نذكر أن هذه السورة بدأت بالأمر من الله U وأمر النبي فقال الله U في أولها (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)) هذه مقدمة وذكرنا أيضاً مما ذكرناه من الفوائد أن سور القرآن لو تتبعناها نجد أن كل سورة تفتتح بافتتاح يكون هذا الافتتاح في آيتين أو ثلاث هو مختصر وإجمال لما يأتي من تفصيل ويتكرر هذا كثيراً في السورة ونجد مثلاً أن لفظ النبوة قد جاء في القرآن في ثمان وعشرين موضعًا لكن اختصت هذه السورة بما يقارب النصف في اثني عشر موضع جاء للنبي وجاء نداء النبي e أيضاً في هذه السورة أكثر من غيرها والسورة التي تليها سورة التحريم لأنها أيضاً افتتحت بـ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) وهذه فائدة أرجو أن نلتفت إليها ونعنيها الانتباه. والله U أيضاً ذكر في مقدمة هذه السورة أنه ما جعل لرجلين من قلبين في جوفه ثم قال I (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) ثم جاء التفصيل هنا في هذه الآية في الآية السابعة والثلاثين (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) إذاً هذه الآية بدأت في تفصيل هذه القصة التي أُجمِلت إجمالاً وجاءت الآيات لهدم جملة من المعتقدات ومنها كذلك مسألة الظهار وإن كانت مسألة الظهار قد وردت في المجادلة لكن ذكرت عرضاً لكن الذكر الأصلي كان لهذا الأمر الذي كان في التبني. ولعلنا أيضاً نشير إلى ما سبقت الإشارة إليه في مسألة أو في قصة زيد بن حارثة t لأن النبي e تبناه وزيد هذا كما سبق أن ذكرنا أنه أُخذ أو اشتراه حكيم بن حزام من سوق حُبَاشة هذا السوق في مكة اشتراه وهو لا زال طفلاً وأهداه إلى عمته خديجة وبقي عند خديجة تربيه ثم لما تزوج النبي e بخديجة أهدت أو وهبت زيدًا للنبي e وبقي عند النبي e وجاء وفد -لأنه أُخِذَ في غارة - فجاء بعض أقاربه ورأوه وأخبروا والده وعمه فجاءوا إلى مكة ووجدوه عند النبي e وجاءوا بفداء جاءوا بفداء لهذا الوليد فقال النبي e وعرضوا على النبي الفداء فقال: لا، بدون فداء اسألوا زيداً فإن اختاركم فذاك فسألوه فقال والله لا أختار عليك يا رسول الله. فبقي مع الرسول e ثم نادى النبي e بعد هذا الاختيار من زيد أنه زيد بن محمد وكان هذا من عادة العرب في الجاهلية هذا التبني وأن هذا المتبنى يكون يتبع أو يصبح كأنه الابن الحقيقي وجاء الإسلام بهدم هذه العادة وأن هذا ليس بصحيح. وزيد أيضاً تتمة لذلك زوّجه النبي e بأميمة أمة عند النبي e فولدت له أسامة ثم طلّقها ثم زوّجه النبي e بزينب بنت عمته أميمة ثم بقي معها سنذكر هذه القصة تفصيلاً ثم أيضاً طلّقها ثم تزوج بأم كلثوم ثم بعد ذلك ولم يرزق من زينب بأبناء، بقي معها طويلاً لكن لم يرزق منها بشيء ثم تزوج بأم كلثوم ورزق منها بزيد بن زيد ورقية ثم طلّق أيضاً زيد طلّقها ثم تزوج ببنت أبي لهب ثم طلّقها ثم تزوج بهند بنت الزبير. الشاهد من ذلك أن هذه القصة ولعلنا ننظر في الآيات ونتأمل في الآيات كما قلت لكم أن هذه من الأمور المعتادة عندهم في الجاهلية أنهم هذا التبني وأنه يلحق بالابن الأصلي ولذلك قال الله U في آيات المحرّمات (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) [النساء:23]. إذاً نرجع ونتأمل في الآية (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ) ولاحظوا (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) وأنعم الله عليه بالإسلام وببراءته وبخلوصه من الشرك وبهذا الرِّق الذي كان في ظاهره شرّ وفيه الخير وكل الخير. ثم قال (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) أي الرسول e أنه أنعم عليه بالعِتق وبهذه الخصوصية والمحبة منه e. (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ) قلنا هذه القصة كان زيد لمّا تزوج بزينب وكانت زينب تعتبر نفسها ابنة عمة النبي e وتعتبر نفسها شريفة وتعتبره أنه ليس بذاك فكانت تتطاول عليه وكان فيها شيء من الشِدّة عليه وكان يأتي يستشير النبي e مراراً وتكراراً يستشيره u في طلاقها فقال الله U (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ). ولاحظوا من وصية النبي e عندما قال (أَمْسِكْ) يعني عندما قال (أَمْسِكْ) والإمساك هو القبض بِحِرْص على الشيء (أَمْسِكْ) وقال أيضاً جاء بحرف "على" (عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) أي اتق الله في حسن عشرتها والصبر على أذاها.

وقال الله عز وجل (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) والمُخفَى من النبي e أنه عَلِمَ إلهاماً أو وحياً أن زيد سيطلقها وأنه صلى الله عليه وسلم سيتزوجها. وقبل الحديث في زواجها أحب أن أنبّه إلى أن زينب كان عمرها لما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لأنها توفيت وعمرها خمس وخمسين أو ثلاث وخمسين توفيت وتوفيت في السنة العشرين من الهجرة وكان عمرها لما تزوجها النبي e قريباً من الأربعين يعني ثمانية وثلاثين وأشهر إذاً كانت كبيرة رضي الله عنها وأرضاها. نعود إلى الآيات ونتأمل فيها عندما قال (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) وقلنا أن إخفاء النبي e المُخفى في النفس إنما كان منه e إخفاءً لما أُخبِر به ولم يؤمَر بتبليغه أخفى في نفسه أمراً لا يترتب عليه (كلمة غير واضحة) لم يؤمر أنه يبلغ بذلك، لم يؤمر ببلاغ ذلك ولا يترتب على إخفائه إخفاء شيء من أمور الشرع. وقال الله U (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) وهنا الخشية يعني جاءت الآية كما قال بعض المفسرين قالوا لأنك أنت كنت معظّماً للناس أن يقولوا كيف سيتزوج محمد e كيف سيتزوج بزوجة ابنه زيد بن محمد هذا الابن المتبنى؟! فكان عظيماً وكان النبي يجد كلفة في ذلك فيخشى كانت خشيته في ذلك عليه الصلاة والسلام وجاءت الآية لتحقّر شأن هؤلاء ولتقول اِمض فيما أنت فيه والخشية هنا قيل بمعنى الحياء أنه استحيا عليه الصلاة والسلام (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ). ولذلك انظروا حتى في تتمة الآية قال الله عز وجل (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ) صرّح بزيد حتى لا يلتبس الأمر، حتى لا يقال أنه غير زيد أو إنه، الآية صريحة وهذا من فضل زيد حيث أنه لم يرد في القرآن مسمّى باسم صريح إلا زيد وهذا من فضله وأصبح اسمه يقرأ ويُتعبَّد بتلاوة هذه الآية وهذا من فضله t وأرضاه. (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا) قضى أيضاً تأملوا في الآية أن الله U بيّن أن زيد انتهى وانتهت نِهمته وذهب ما في نفسه من حب وبقاء مع زينب. (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) ولاحظوا فرق بين التزويج والزواج النبي لم يتزوج زُوِّج، النبي e بظاهر هذه الآية (زَوَّجْنَاكَهَا) ولذلك كانت أيضاً زينب تفخر على زوجات النبي e وتقول: كلكن زوجكن آباؤكن وأنا زوّجني ربي من فوق سبع سماوات. إذاً فرق بين التزويج والزواج (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) يعني ليُرفَع هذا الحرج رفع بالقول ورُفِع أشدّ بالفعل وأشد من ذلك أن يفعله الإمام والقدوة عليه الصلاة والسلام لأنه عندما قال (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) قد يأتي الحرج في بعض الأحيان أن الناس يقولون وإن كان جائزاً نترفّع عنه. إذا كان النبي e وهو القدوة أُمِرَ بذلك وفعل ذلك حتى لا يبقى في النفوس حرج وحتى لا يدخل في النفوس أن هذا الابن المتبنى مثل الابن الحقيقي، لا، ليس هذا كهذا (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) هذا زيد بن حارثة وليس زيد بن محمد ولذلك أصبح يسمى بعد ذلك حِبُّ الرسول e وأسامة حِبُّه وابن حِبِّه. فإذاً هذه العادة الثالثة استؤصلت وكان التعليم الفعلي أبلغ من التعليم القولي وخاصة أنه اقترن بفعل النبي e وكان هذا الفعل من الكبير عليه الصلاة والسلام فكان هذا التزويج. ولذلك يقول أهل العلم عند هذه الآية عندما جاءه يستشيره زيد يستشير النبي e فيقول له (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) هذا يدل على نُصحه e وصدقه في هذه النصيحة وإن كان في نفسه شيء عليه الصلاة والسلام وإن كان يعلم أنه مأمور لكنه صدق وأخلص في نصحه ولذلك كما قال النبي e «المستشار مؤتَمن» يعني يُشير لما هو أصلح للمستشير ولو كان له في نفسه حظّ. فتقديم مصلحة المستشير أهم من تقديم مصلحة المستشار وهذا ينبغي أن ينتبه له إخواننا الذين يُستشارون في أمور خاصة أو في أمور عامة ومنها أنه إذا كانت أيضاً ذات زوج لا يجوز نكاحها حتى يقضي منها ذلك الزوج الوطر. نعود إلى الآية (زَوَّجْنَاكَهَا) قلنا (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) برفع الحرج بالكُلية رفع الحرج بالقول ثم رفع الحرج بالفعل ورفع الحرج أيضاً بفعل القدوة e. أيضاً ليس على النبي حرج، قد يقول قائل ولمَ فعل النبي e ذلك؟ قلنا لأن هذه عادة متأصلة التبني فلا بد أن يفعلها أن يقال ثم يفعلها ويفعلها مثل النبي e ولذلك قال (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) ولاحظوا أن قال (لَهُ) أن الله فرض هذا للنبي e. (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ) هذا أمر من الله U حتى الرسول وإن كان لا يريده لكنه أمر من الله وقدرٌ مقدور لا محيد عنه.

ثم جاءت الآية بأمر عام في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل التي تعرِض للأنبياء ولمن سار مسيرهم من الدعاة فقال الله U (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا) سواه يعني قد يكون بعض الأحيان يكون عند المبلِّغ حاجز أو الداعي أو المُرسَل حاجز من العادات المتأصلة في الناس يمكن أن يجد حرجاً في منعها أو فعل ما يُضادها فقال الله عز وجل مبلّغاً في هذه وأمثالها حتى لو كانت بهذا الحجم من القوة قال (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)) الله هو المحاسِب ليس أولئك القوم الذي سيحاسبونك فسِرْ على منهج الله وما أمر الله عز وجل والخير كل الخير فيما يختاره الله.

ثم أيضاً أكّدت هذه الآية أيضاً حتى تزيل اللبس الواقع في هذه المسألة (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) يعني العلاقة بينكم وبين محمد ليست أبوّة وبنوّة إنما علاقة رسالة وتصديق بهذه الرسالة وهو الأهم والأنفع. ثم هو ما كان (أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) ولاحظوا أيضاً ما كان محمد عليه الصلاة والسلام (أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) وهذا يفيد أنه كان أباً لبنات، النبي عنده بنات عليه الصلاة والسلام فالاحتراز في رجالكم. وقد يقول قائل كان عنده أولاد لكن لم يبلغوا نقول عنده أولاد صلى الله عليه وسلم لكنهم توفوا أطفالاً صغاراً فليسوا من الرجال فالتعبير دقيق (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ) وفي قراءة (وَخَاتِمَ)، (النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)) فالله U العليم الحكيم في تقدير هذه الأمور.

ثم تأتي آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)) ونلاحظ أن آيات الذكر وخاصة لما يؤمر بالإكثار من الذكر يكون فيها سبب ونجد لو تأملنا في الأمر في آيات الذكر أن الله عز وجل جاءت في تسع آيات جاء الأمر ليس بالذكر فقط الذكر كثير لكن الأمر بالإكثار من الذكر جاءت في آل عمران عندما قال الله عز وجل عندما استغرب زكريا (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) ثم قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا)[آل عمران:41] وأيضاً جاءت في الأنفال (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً) إذاً في الشدة، الشدة على زكريا كانت من باب الناس يتحدثون من أين جاء هذا؟ فأشير إلى أنه يذكر الله ويكثر من ذكره لأن ذكر الله يمتلئ قلبك وعقلك من ذكر الله فلا تتذكر ماذا يقولون وماذا سيقولون. وأيضاً بالنسبة لالتحام المعركة (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)[الأنفال:45] لأن الالتقاء هنا قد يورث عندك شيء من تذكر قوتهم وعظمتهم ولذلك اذكر الله وأكثر من ذكر الله عز وجل. وأيضاً جاءت في آخر الشعراء أن الشعراء (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)) ثم مدح الله U بصنف وبيّن صنفاً لأولئك الذين قد يقع منهم شيء من التجاوز في مسألة الشعر والشعراء فقال (وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) يعني الشاعر لأنه قد يقع في لسانه ذكر غير الله ويبالغ في هذا الذكر فقال الله استثنى منهم الذين يذكرون الله أكثر من ذكرهم للناس. وأيضاً جاءت في الأحزاب العجيب في الأحزاب كما قلت لكم جاء الذكر والإكثار منه في تسع مواضع جاء ثلاث منها في سورة الأحزاب ولذلك جاء معنا فيما مضى في الآيات (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) وجاء أيضاً في قوله (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) وجاء في هذه الآية التي معنا. وأيضاً في سورة الجمعة قال الله عز وجل (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)). إذاً هذه المواضع في مسألة الذكر ولاحظوا أيضاً في مسألة عندما قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)) أن الذكر يعني العبادات عموم العبادات حُدّت بِحَدّ كما يقول ابن عباس كل العبادات حدت بحد ولم يؤمر في الإكثار إلا بالذكر. بل يقول ابن عباس: أُمرت بأنها لا حدّ لها أي الذكر ولم يُعفى فيها حتى عن العاجز يعني اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم فهذه من العبادات هي عبادة سهلة وشرع الله عز وجل فيها الإكثار. ولذلك لما جاء رجل إلى النبي e وقد رق ّعظمه وقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثُرَت عليّ فأخبرني بعمل أتشبث به ولا تُكثر علي. يعني ما أستطيع رقّ عظمي فقال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». إذاً الذكر أُمرنا به حتى جاء في بعض الروايات وإن كان في سنده درّاج عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذكروا الله حتى يقال مجنون» حتى يقول الناس مجنون من كثرت ذكرك لله سبحانه وتعالى ويقول ابن عباس أيضاً: "اذكروا الله ذكراً كثيراً حتى يقول المنافقون تُراؤون" يقول ابن عباس اذكروا الله يرفعه للنبي e اذكروا الله ذكراً كثيراً حتى يقول المنافقون تراؤون. وكما قلت أن الله عز وجل لم يعذر الذكر وهذا يدلكم على مسألة أهمية ذكر الله عز وجل وتسبيحه. ولاحظوا أن الله عز وجل قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)) ولاحظوا في مناسبة ذكر الله عز وجل في السورة هنا وتسبيحه لأن المنافقين يخوضون في أمر زواج النبي e يخوضون في أمر زواجه من زينب التي هي كما يدّعون أنها زوجة ابنه المتبنّى حتى لا تلتفتوا لهم ولا تدخلوا في نقاش معهم أكثروا من ذكر الله وسبّحوا الله ونزّهوا الله عز وجل أن يأمر رسوله بأمر عندما توهّم هؤلاء أن هذا كحكم الابن الحقيقي. إذاً يقول الله I (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)) فأمر بالتسبيح هنا وكما قلت هذا إقبال يعني مناسبة ذكر الله عز وجل والأمر بالإكثار من ذكره وتسبيحه أنه مناسبة إقبال على المؤمنين بأن يشتغلوا بالذكر والتسبيح ويمسكوا عن مماراة المنافقين أو سبّهم فيما يرجفون به من قضية تزوج النبي e بزينب. ولذلك حتى قال (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)[البقرة:200] لأنهم كانوا يذكرون المفاخر فأمرهم الله U بعد انتهاء هذه العبادة أن يذكروا الله U وهذا أيضاً لمز للمنافقين أنهم إذا سمعوا هذه الآيات تتلى لمزوا. أمر الله بالإكثار من ذكره وأمر بتسبيحه فكأن أولئك المنافقين فيهم من الانحراف ما يجعلنا نسبح الله U وننزهه عن مثل ما يقولون.

ثم قال I (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43))، (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) الله عز وجل هنا تقديم المُسنَد على الخبر عندما قال (هُوَ الَّذِي) ما قال يصلي عليكم الله عز وجل إنما قال (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) تحقيق ذلك وإخراجه وأنه يصلي وصلاة الله عز وجل علينا والملائكة ليخرجهم من الظلمات والمراد هنا يعني المقصود من الظلمات أنه يخرجهم من ظلمات الجهل ومن ظلمات الانحراف ومن ظلمات عدم الامتثال إلى نور الطاعة والامتثال وأيضاً هذه مثل قوله سبحانه وتعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)) يعني نحن مهتدون فكيف نُهدى؟ معناها أيضاً أنه يديم علينا إذا أخرجنا من الظلمات إلى النور يديم علينا بقاءنا في هذا النور. (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ولاحظوا (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (كان) تقتضي أو يقتضي من معناها ثبوت ذلك وأنه من شأنه سبحانه وتعالى تلك العناية وكان شدة عنايته I بالمؤمنين (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)) ورحمته سبحانه وتعالى أعمّ من الصلاة يعني هو الذي يُصلي ويُخرِج ويَرحم I ورحمته أعمّ من الصلاة لأنها تشمل إسداء النفع لهم بالأقوال والأفعال والألطاف منه I.

 ثم قال ليس ذلك فحسب (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) يا أيها الممتثلون لأمر الله المسلِّمون بما جاء من عند الله عز وجل قال الله عز وجل إكراماً لهم (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) التحية إنما هي وصف للكلام الكلام الذي يقابل به عند بداية اللقاء إعراباً عن هذه المقابلة بالفرح والسرور. (تحية) من الحياة مثل ما يقول: أحياك الله، أبقاك الله وهكذا، لاحظوا قال (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) فهنا أيضاً وهذه لأن الحياة إن وجدت بلا سلام فلا قيمة لهذه الحياة ولذلك أول ما يقابلونهم في تحيتهم يعني الله سبحانه وتعالى قال (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) هذا في الدنيا ثم في الآخرة (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ) ولاحظوا كلمة (أعدّ) وأرجو أن نلتفت لذلك تكررت في القرآن كثيراً (وَأَعَدَّ) أن هذا النعيم مُعدّ لا يُعَدّ فرق بين يعد وأعدّ فهو مُعدّ وجاهز لأهل الإيمان (وَأَعَدَّ لَهُمْ) وكأنه خاص بهم أعد سابقاً لهم (وَأَعَدَّ لَهُمْ) سبحانه وتعالى (أَجْرًا كَرِيمًا (44)) وأعد الله عز وجل أجراً كريماً وكما قال في الآية الأخرى (وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31))[الأحزاب] يعني عندما تعدّى الكرم أعدّ لهم قال (رِزْقًا كَرِيمًا) وصف الرزق بأنه كريم يعني تقدّم أن الكلام على الرزق أو أن هذا الكرم سار من الرازق سبحانه إلى الرزق فأصبح هذا الرزق بحدّ ذاته كريماً لأن طبعاً الرزق في الدنيا قد يكون منه الحسن لكن رزق الآخرة فيه من الكرم وفيه من الحُسن ما جعله كأن هذا الرزق يأتيك يعني الدنيا يأتيك الرزق بحركة وبعمل وبجهد لكن رزق الآخرة "كريم" كريمٌ في نوعه كريمٌ في مؤدّاه فهو يأتيك وأنت لا تأتيه تتمناه تطلبه يأتي هذا الرزق بلا جهد ولا كلفة منك. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل