وقفات وتأملات في (الرحمن الرحيم)

وقفات وتأملات في الآية (الرحمن الرحيم) - 2

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 (الرحمن الرحيم) سبحانه ما أعظم هذا التعريف! اختار سبحانه صفتي الرحمن والرحيم دون سائر الأسماء والصفات التي نعلمها والتي لا نعلمها وليس هذا عبثًا! وإنما لحكمة بالغة وهي أنك أيها العبد المستعيذ بالله والمستعين به والحامد الشاكر لله العظيم قد تصيبك الرهبة والإجلال من هذا الاسم العظيم (الله) لما فيه من معاني الجبروت والقهر فيقع في قلبك المهابة والخوف من جلالة هذا الاسم الذي ليس إلا له سبحانه وتعالى فلطف بك وجاء بوصف الرحمة فقال (الرحمن الرحيم) ليقوى إيمانك أيها العبد ورجاؤك برب العالمين ولتعلم أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، ألا نتأمل كيف جاءت آية (الحمد لله رب العالمين) بين البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وبين (الرحمن الرحيم) رحمته سبحانه وتعالى العامة والخاصة محيطة بكل قضائه وبكل إنعامه فالحمد لله على صفة الرحمة التي يرحم الله عز وجلّ الخلق جميعًا...

(الرحمن الرحيم) ذكر هاتين الصفتين تحديدًا بعد (رب العالمين) ليبيّن أن تربية الله تعالى لخلقه بصفته رب العالمين ليست عن حاجة لهم كما يربي الوالدان أبناءهم ففضلًا عن محبتهم لهم وواجبهم نحوهم فهما يعتنيان بأولادهم رجاء رعايتهم لهم عند كبر سنّهم وضعفهم، أما رب العالمين فهو سبحانه ينعم على عباده بشتى أنواع الإنعام لرحمته بهم وهو الغني عنهم سبحانه. والرحمن الرحيم بعد ذكر (رب العالمين) لأن من مقتضيات الربوبية للعالمين رحمتهم بتيسير أمور حياتهم ورزقهم والإنعام عليهم بكثير من نعم الدنيا وأعظمها نعمة إرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجة على الخلق.

(الرحمن الرحيم) ذكر الرحيم بعد الرحمن فيه تخصيص للعبد المؤمن أن الله سبحانه وتعالى رب العالمين الرحمن الرحيم خصّّ عباده المؤمنين برحمة ليست إلا لهم فاستشعر أيها المؤمن خصوصية هذا الرحمة الربانية وأنت تردد يوميًا (الرحمن الرحيم) ويكفيك شرفًا وتشريفًا وأُنسًا بالله تعالى الرحمن أن خصّك برحمة فيها من الأنوار والهدايات ما يجعلك تدخل في قوافل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين إلى دار النعيم...رحمة الرحيم بك أيها المؤمن هي نعمة توفيقك لكل خير والتي منها نعمة هداية الدلالة إلى صراطه المستقيم..

(الرحمن الرحيم) كلمتان تظلّانك أيها المؤمن بظلال الرحمة العامة والخاصة التي تحتاجها وأنت الفقير إلى رحمة ربك ونعمه عليك، فقير لأن يديم الرحمن الرحيم عليك النعم ويوفقك لشكرها ويقيك شر المنقلب ويحفظك ويرزقك ويكلؤك بعين رعايته وهذه كلها أثر من آثار كون الله تعالى رب العالمين: الرحمن الرحيم.

(الرحمن الرحيم) دعاءُ منك أيها العبد بعدما أثنيت على ربك (الحمد لله رب العالمين) أنت تدعوه بصفات الرحمة كلها..

(الرحمن الرحيم) تفكّر وأنت ترددها واستمع لجواب ربك سبحانه وتعالى: إذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي. أنت تثني على الله عز وجلّ بصفات الرحمة التي تتودد بها إليه وتدعوه بها وأنت في أمس الحاجة لها إذ لا يمكنك أن تحيا خارج ظلال رحمة ربك الرحمن الرحيم بك، رحمته العامة بالخلق أجمعين بصفته (الرحمن) ورحمته الخاصة بالمؤمنين بصفته (الرحيم)..فأكثر من الثناء على الله تعالى بصفة يحبها سبحانه وتعالى.

(الرحمن الرحيم) تقولها فيأتيك الجواب من ربك: أثنى عليّ عبدي! توقف! لا تمر على هذه النقطة سريعًا بل تأمل في معانيها: ملك الملوك ومالك الملك الله رب العالمين يفرح بثنائك أيها العبد الفقير عليه! يا لكرم الله تعالى ويا للطفه ورحمته وودّه! أنت تثني على ربك بما أثنى هو سبحانه وتعالى على نفسه وقد كتب في كتاب فوق العرش "إن رحمتي سبقت غضبي" الله سبحانه وتعالى جعل جزءًا من مائة من رحمته بين الخلق يتراحمون بها منذ بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة وادّخر عنده 99 جزءًا يرحم بها عباده يوم القيامة! هل لك أن تتخيل سعة هذه الرحمة؟! هل بعد هذه الرحمة الواسعة يليق بك أيها العبد أن تيأس من رحمة الله بك؟! فهما تلوثت بالمعاصي والتقصير إلجأ إلى ربك بصفة الرحمن الرحيم لعله سبحانه يمطر عليك من غيث رحمته ما يطهّر به ذنوبك وخطاياك...

(الرحمن الرحيم) وأنت ترددها كل يوم في صلاتك استشعر حقًا أنك تطلب من الرحمن الرحيم جزءا من رحمته الواسعة وأيقن أنك ستنالها ولا يكن في صدرك شك أو ريب أن رحمة الله لا تصل إليك، فإن لم تكن أهلًا لوصول رحمة الله الخاصة لك فالرحمن الرحيم أهلٌ أن يرحمك..

(الرحمن الرحيم) الرحمن على وزن "فعلان" وهي صيغة تدل على الامتلاء وسعة الشمول فلا تحتاج لكثير عبارات ولا تحتاج أن تكون بليغا فصيحا لتعبر عن سعة رحمة الله تعالى يكفي أن تردد (الرحمن)... وتأمل كيف أن كلمتي الرحمن الرحيم بتكرار حرف الحاء فيهما تشعرك بأن هاتين الكلمتين تمتلئ بهما رئتيك فتخرجان من أعماق قلبك والمد بالألف في (الرحمن) دلالة على السعة والامتلاء...

(الرحمن الرحيم) وأنت تكررها في اليوم والليلة 17 مرة تثني على الله بصفة الرحمة وتدعوه باسمه الرحمن الرحيم ألا ينبغي أن يكون لها أثرٌ في قلبك وفي تعاملاتك؟! ألا ينبغي لك أن تتخلق بشيء من صفات الرحمة فترحم نفسك من أن تظلمها بشرك أو كفر أو معصية أو كبائر؟! وترحم من حولك من أهلك وأرحامك وجيرانك وإخوانك والخلق أجمعين حتى الحيوانات؟! تذكر أن رحمت الله قريب من المحسنين فأحسِن للخلق من باب الرحمة لتنعم برحمة الله تعالى بك وعليك..

(الرحمن الرحيم) إذا أردت أن يفتح الله تعالى لك أبواب رحمته فافتح أبواب رحمتك للناس ولا توصد الأبواب في وجه غيرك لأن الجزاء من جنس العمل...الله الرحمن الرحيم رب العالمين لا يوصد بابه في وجه أعتى العتاة والطغاة والمشركين والمنافقين فضلًا عن عباده المؤمنين العصاة وتأمل بشارة الله تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)..

(الرحمن الرحيم) كررها بقلبك لتستمطر من الرحمن الرحيم رحمات تشرح صدرك وتطمئن قلبك وتملؤه إيمانا ويقينا ورضى وسكينة فينقلب قلبًا رحيمًا يرحم من حوله والراحمون يرحمهم الله....

اللهم أسألك باسمك الرحمن الرحيم أن تشملني برحمتك التي وسعت كل شيء وأنا شيء من خلقك يا أرحم الراحمين...

اللهم يا رحمن يا رحيم ارحمني ووالديّ وزوجي وإخواني وأختي وأرحامي وجيراني ومن أحبني فيك ومن أحببته فيك ومن أوصاني بالدعاء ومن أوصيته بالدعاء ومن له حق أو فضل عليّ وعلمائي ومشايخي وارحم من أساء إليّ أو ظلمني وأسألك رحمة ومغفرة لمن أسأت إليه أو ظلمته أو له حق عندي...

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل