تفسير سورة لقمان - 3- د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة لقمان - 3

د. محمد بن عبد الله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿١٧﴾ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿١٨﴾ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴿١٩﴾).

ولا زلنا في وصاياه الأخيرة بعد أن وصّى رحمه الله، وصّى بالحذر كل الحذر من الشرك ومن هذا الظلم العظيم ثم وصّى بكل مظلمة كائنة ما كانت وإن كان حبة من خردل، هذه المظلمة يأتي بها الله وإن كانت في مثل ذلك الخفاء وفي مثل تلك الصخرة الجوفاء الملساء يأتي بها الله. ثم بعد ذلك بعد أن أمر وذكّر بالوصايا في جانب الاعتقاد أكّد على جانب العمل وذكر أصول المعتقد ثم جاء في أصول الأعمال فأمر بإقامة الصلاة وبإيتاء الزكاة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر أن ذلك من عزم الأمور، من حزمها وجزمها وممن إذا صنع ذلك فكأنه أخذ الدين بقوة. بعد ذلك هذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يخصّ بهذه الوصايا وإن كانت الوصايا للناس كلهم والناس ينبغي أن يكون الجميع ممن يحرص على إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحرص على ما في الوصايا مما يرد. فقال في وصاياه (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) والتصعير هنا من الآداب في معاملة الناس والناس عندما يشعرون بقرب الواعِظ والآمِر منهم يكون في ذلك مدعاةً لقبول قوله وبضده النفرة ممن تكبّر وتجبر عليهم. (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) وفي قرآءة (ولا تصعر خدك للناس) والصُعار هو داء يأتي الإبل يكون سبباً في التفاف رقبتها ومصعِّر خده للناس لا يلتفت إلى الناس إلا بصعوبة فهو في علو وشموخ وتكبر ولذلك قال الله U جاء في هذه الوصية (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) يعني لا يلحظ الناس في خدك وأعز شيء في جسمك وهو الوجه أنك منصرف عنهم به. ثم قال أيضاً (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) لما قوّم جهة الهيئة والوجه والوجه مكان السماع والاستماع والقبول من الناس أيضاً في المشية والمشية لها أمر عظيم فأمر بمشية ونهى عن مشية، نهى عن مشية (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) وأمر بمشية (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) فالله عز وجل أيضاً ركّز في مسألة المسير حتى لا يتضح لا في حال وقوفك ولا في حال مسيرك أن فيك شيء من خِصال التكبر والتجبر فالناس يكرهون هذه الصفة في عموم الناس وخصوصاً في داعيهم وآمرهم وناهيهم، إمشِ هوناً (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) والمرح شدة الفرح ولذلك في سورة الإسراء (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) إذا عظمت في نفسك ومشيت مشية المختال على الناس أنت تسير على هذه الأرض ولا تستطيع بسيرك أن تخرق هذه الأرض ولا أن تبلغ الجبال فتطامَن أيها المتكبر. ثم قال الله I (إِنَّ اللَّهَ) تأكيد وإظهار لفظ الجلالة والتأكيد (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ) العموم (كُلُّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وأقرب اختيال يكون في وقوفه حال تصعيره لخدّه أو في مسيره بل في نفسه، كل مختال في نفسه (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) مختال في نفسه فخور بقوله كما ذكر الشيخ السعدي رحمه الله، فبعض الناس يفعل هذه الأفاعيل ليوجد لنفسه شيئاً من العظمة ولفت الأنظار فإذا شعر أن الناس لم يشعروا أو بجهله أيضاً أراد أن يزيد الطيب بلة افتخر بلسانه يعني بهيأته وكذلك بمنطقه ولذلك ينبغي للداعية طالب العلم أن لا يتطاول ولا يتعالى على الناس بحجّة تعليمهم أو توجيههم أو أن له مقام في ذلك فهذا كله غير صحيح. ثم عادت الآية وعادت المواعظ مع المشية فقال هناك (لا تمش) وهنا (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) هذه آداب أيضاً، الخفّة الزائدة في المشي كما قال الله U (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) يمشون بهون فالمشية قصد لا عجلة ولا أيضاً تماوت في هذه المشية. (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) الصوت له نبرات وطاقة يستطيع الإنسان أن يرفع صوته والصوت خلقه الله U يستطيع الإنسان بصوته أن يوصل هذا الصوت للقريب وأن يوصله للبعيد فهذا الارتفاع في الصوت وهذه القوة في الصوت إنما لم يعطينا الله عز وجلّ هذه القدرة لنستخدمها في كل حالٍ في رفعها، الضابط في ذلك الغضّ من الصوت لأن الغضّ عادة يكون في العين (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) فالغضّ الأصل في العين فإذا جاء مع الصوت يكون خفض صوت وانكسار عين مثلما جاء في سورة الحجرات قال الله I (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) غضّ الصوت هذا أدبٌ وينبغي لنا عامّةً ولأهل الخير وطلبة العلم والآمرين بالمعروف أن يلحظوا هذا الملحظ في مسألة رفع الصوت لا يكونوا كعامة الناس وأعراب الناس في جهلهم في رفع الصوت وعدم حسبانهم لهذا الصوت، فلو كان الصوت الرفيع يورث مهابة أو قوة لكانت الحمير ولذلك ذكّر الله U، الحمار صوته مرتفع، قال (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ليس منقبة ليس رفع الصوت، بعض الأحيان يكون رفع الصوت يكون دلالة على ضعف الحُجّة ولذلك (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) صياح! ما عندهم حجة! أما صاحب الحُجة فهو يكون متطامن الصوت، غاضّ الصوت وما أجمل أن يجتمع مع غضّ الصوت خاصة مع الأكبر سواء كان الكبير ذا هيئة أو كان الكبير شيبة أو أباً أو أماً أن يكون معه خفض صوت مع انكسار عين وكما قلنا في اللقاء السابق في قوله تعالى (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) قال بعض أهل العلم نادهم مناداة كريمة ومن المنادة الكريمة أن تناديهم بأحبّ الأسماء وكذلك لا ترفع الصوت ولا تحدّ النظر إليهم في الحديث معهم بل تتحدث معهم خاصة الوالد والوالدة وأنت متطامن انظر إليهم وكأنك مستحي من هذا الكلام مع غضّ الصوت وانكسار العين. فالغضّ هو نقص قوة استعمال الشيء. كان من أدب الصحابة رضوان الله عليهم لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) كان بعض الصحابة أقسم على نفسه ألا يتحدث مع الرسول e إلا كأخي السِرار، أبو بكر يقول للرسول e بعد نزول هذه الآية: والله لا أكلمك ولا أناديك إلا كأخي السرار أو كأخي السرائر يعني مُسارّة وكان عمر ما عاد يرفع صوته حتى يستفهم منه الرسول e ماذا تقول؟ من شدة خفض صوتهم عند رسول الله e.

ننتقل بعد هذه الوصايا من هذا الحكيم، لا زلنا أيضاً في سورة الحكمة، وقبل ذلك ذكر كثير من المفسرين عن هذا الحكيم أن رجلاً قال للقمان أنت لقمان عبد بني الجسّاس؟ قال نعم، قال أسود؟ قال كما تراني، فقال له بِمَ سُدّتَ الناس؟ بِمَ وطئ الناس عقبك؟ بم سألوك وصاروا حولك؟ قال بِغَضّ بصري وكفّ لساني وعِفّة طُعمتي وقولي بصدق وتركي ما لا يعنيني، وهذه مهمة لأن كثيراً من الناس تكون حاله أن حديثه دائماً فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. أيضاً ذكر كثير من المفسرين ذكروا حكماً بل منهم من جعل كتاباً مفرداً فيما روي من حكم لقمان عليه السلام. بعض الحِكَم: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ. ويقول موعظة جميلة: من أنصف من نفسه زاده الله عزّاً. في كثير من الأحيان ما ننصف، نظلم الناس في أن نطفف مع الناس في المكيال فلا ننصف فمن أنصف من نفسه زاده الله عزاً. وقال ضرب الولد مثل السماد للشجر، يعني قليل ويجعل الولد أكثر نضجاً. ويقول إياك والدَيْن فإنه ذِلٌّ في النهار وهَمٌّ بالليل، ويقول: لا يأكل طعامك إلا تقيّ ولا تشاور في أمرك إلا عالِم.

ننتقل ونحن في سورة الحكمة والحِكم إلى ما جاء بعد ذلك من حِكم في هذه السورة ومنها يقول الله سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) ولاحظوا هنا (ألم تروا) تورِث النظر، (ألم تروا) وردت في القرآن في موضعين هنا وفي سورة أخرى، و(ألم تر) وردت كثيراً وردت ثلاثين مرة. لو تتبعتم السورة في المصحف لوجدتم أن ثلاث مرات وردت (ألم تروا) مرة ومرتين (ألم تر) مع أنها وردت في القرآن في ثلاثين موضع لكنها 10 % جاءت في هذه السورة القصيرة مما يدل على أنها سورة أمر بالنظر. حتى في (ألم تر) و(ألم تروا) كأن فيها دقة في النظر (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ) مع أن خلق السموات جاء في القرآن مطلقاً لكن هنا سرّ، تأمل في حكمتها. هنا يأمر بالتأمل للجميع أن ينظروا في تسخير الله عز وجل لنا ولكم ما في السموات وما في الأرض وهذا التسخير ليس فقط ما في السموات والأرض بل والنعم، ليست النعم العادية بل المُسبَغة والنعم المسبَغة هي السابِغة التامة الوفية وليست ظاهرة فقط بل نِعَم ظاهرة وباطنة كلها تحتاج إلى تأمل، الباطنة تحتاج إلى تأمل وحكيم ينظر والظاهرة قد يغفل عنها لكن الحكيم لا يغفل، الإنسان الذي عنده حكمة لا يغفل ولذلك قال الله (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ) إذن عرفنا (ألم تروا) لأنها مسألة الرؤية والنظر والقلب. في القرآن (ألم تروا) بدون (إلى) نظر قلبي وإذا جاءت (إلى) (ألم تروا إلى) نظر بصري. إذن عرفنا في سورة لقمان جاءت مسألة الرؤية عشر مرات من ثلاثين 10% لأنها سورة الحكمة. تجدون في بعض السور الطوال، في آل عمران ورد مرة واحدة وفي مريم مرة واحدة، في الأعراف والأنعام لم يرد ولا مرة كل سورة لها هدف تعالجه وتتحدث عنه وهذا مما يؤيد ما ذكرته لكم أن هذ السورة سورة الحكمة والنظر والتأمل. قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ) تأكيد وإظهار لفظ الجلالة (سَخَّرَ لَكُم) ودلالة (لكم) فيها زيادة للمنّة (لكم) والتسخير هو التيسير بقهر سماوات أكبر منا، جبال، أرض، سُخِّرت بفضل الله عز وجل لنا والعجيب أنه حتى آيات التسخير في القرآن جاءت في خمس آيات ونجد أن من أشدّها أمرٌ بالنظر في هذا التسخير وفي النعم الظاهرة والباطنة.

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) سبق أن أشرت لكن أؤكد وأعيد مرة أخرى مسألة تأمل القرآن بالقرآن والنظر في تفسير القرآن بالقرآن وجمع الآيات يورث عندنا كثيراً من الطمأنينة ونشعر ببركة القرآن يقول ابن القيم رحمه الله "وتسجد العقول والألباب لهذا النظم ولهذا العجب بتناسق القرآن ولذلك قال سبحانه وتعالى (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82) النساء). جاءت (مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (ما في السموات) جاءت 38 مرة و(خلق السموات) بدون (ما في) 35 مرة والمُلك جاء 21 مرة أنا أقول هذا الكلام لأني أريدكم أن تأملوا في فروق الآيات وجمعها وهذا موضع بحوث سواء بحث شخصي أو بحث علمي تحتاج إلى مسائل لبحثها ويجد الإنسان فيها الكثير من الجمال. ولذلك كما في حديث الترمذي هذا القرآن لا تنقضي عجائبه لا يشبع منه العلماء ولا طلاب العلم ولا يخلق على كثرة الترديد تجد عجائب وغرائب في تأمل هذا الكتاب. قال سبحانه وتعالى هنا (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ) والإسباغ الإكثار، سابغاً وافياً (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ) في أول الآية قال (سخّر لكم) وفي ثناياها (أسبغ عليكم) لماذا هناك (لكم) وهنا (عليكم)؟ (لكم) أنتم و(عليكم) كأنها أغرقتكم. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) والمراد بالنعمة التي يقصد فاعِلُها الإحسان للغير. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) الظاهرة مشكلتها الآن لو قلت تأمل في نعمة الله عليك بالسمع تنساها لأنها هي معك دائماً فتتغافل عنها وتنساها والبصر كذلك. والباطنة هذه تحتاج لحكيم تحتاج أن يتأمل الإنسان ولذلك الواحد منا إذا ذهب إلى المستشفى وقالوا له عندك مشكلة في القلب يضطرب، ما كنت تستشعرها لأنها باطنة. فأيضاً الحكيم والعاقل هو لا يغفل عن الظاهر ويتأمل ملياً في الباطن كيف أن الله سبحانه وتعالى أكرمه بهذه النعم ويمكن فيها أشياء باطنة تعرفها ويمكن هناك أشياء أبطن منها أشياء تعرفها وأشياء لا يعرفها إلا خواصّ الناس فاحمد الله عز وجل على هذه النعمة ولهذا قيل لبعض السلف: كيف أنت؟ قال أغرق في نعمة الله. ليس فقط في نعمة الله بل أغرق في نعمة الله عز وجل ينبغي للإنسان أن يكثر الشكر والشكر هو أساس الحكمة والذي يشكر تطمئن نفسه ويصفو ذهنه ويرتاح ولا يشكر إلا لنفسه.

تأملوا في الآية (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) هذا يلفت النظر للحكماء، وهناك ناس عكس الحكماء قال الله عز وجل عنهم مثلما قال في أول السورة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) وهنا قال أيضاً (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) وقلنا (ومن الناس) في الذمّ. (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يجادل في الله، الذي يجادل عادة يكون عنده علم، (يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) لا علم سابق ولا أحد يهتدي به ولا كتاب بين يديه ومع ذلك يجادل! هذا منهتى الجهل! هذا عكس الحكيم، لو يجادل ومعه شيء من العلم لكن هذا منتهى الجهل! (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ) ومع كل هذا من الناس من يجادل وهنا قال الله عز وجل وهذه مراتب الجهل ليس عنده اجتهاد ولا كتاب ولا علم ولذلك قد نواجه هذا الصنف من المجادلين هؤلاء في الغالب البعداء عن الحكمة لا يطيل الإنسان الجدل معهم لأنه لا نفع في جدالهم. الإمام الشافعي رحمه الله يقول لو خاصمت عالماً لخصمته ولو خاصمت جاهلاً  لخصمني. لأن الجاهل إذا كلمته يقول وإن؟! لا يعرف، تقول هذا الحديث في البخاري، يقول وإن كان في البخاري؟! ما يدري صحيح البخاري، لا يفقه، لا يفهم هذه الأشياء، ولذلك من الناس من هو في غاية الجهل. قال عز وجل هنا في وصفه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) قال في وصفه هذا يعطي صورة، الله سبحانه وتعالى بين آيات الحكمة وآيات النظر وآيات التأمل ومع ذلك يوجد في الناس من هو في مثل هذه المثابة، هذا يعطينا أن المؤمن لا يشك فيما عنده. أهل الصلاح والخير إذا وجد من يجادل قد يجعل هذا الجدل يفتر فلا يفتر لأنه هناك من سيجادل وهنا جُهّال سيجادلون ولذلك الإنسان الحكيم ينطلق في طريقه يدعو إلى الله I ولا يبالي بأولئك الذي قالوا لماذا تفعلون كذا؟ (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) الأُلف والوَجد هو طريقهم وليس لهم طريق ولا كتاب ولا هدى ولا شيء ولا أثارة من علم.

ننتقل بعد ذلك إلى قوله I (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) هذا في غاية الحكمة، هذا الحكيم كل الحكمة وهو المُسلِم وجهه فقط (إِلَى اللَّهِ). حتى هنا (إلى) في الآيات الأخرى (لـ) كأنه متاع كأنه أسلم كلّيته إلى الله وهي سورة الحكمة فهو مسلم بكُلِّه (ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً (208) البقرة) ليس مسلماً فقط في الأشياء التي على مزاجه، لا، هو مسلم مستسلم لله U وهو محسن ما معنى الإحسان؟ أحسن في قضية (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) العمل الصالح هو الإحسان (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) الأحسن أي الأخلص والأصوب. فهنا جاءت الأخلص والإحسان في الأصوب هل هناك أحسن مما جاء به النبي e ومما شرع الله وجاء على لسان النبي؟ فإذن متّبعي السنة والمقتدين بفعل النبي e في كل حركة وسكنة وكلما كان الإنسان أكثر اقتداءً واتّباعاً للنبي e كلما كان أكثر إحساناً مع إخلاصه، يتّبع مخلصاً لا يتبع رياء إذا كان مخلصاً ومتّبعاً فهو من المحسنين ومن يُسلم هذا الحكيم. وقلنا (إلى) هنا لأن سياق الآية يختلف، هو محسن (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) ليس مَسَك فقط بل استمسك شدة التمسك من سار على هذا الطريق كأنما وجد الحلقة، استمسك وليس مسك، (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) وفي الآية الأخرى آية الكرسي (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا) وهنا العروة وهذه العروة من أمسك بها لا انفصام لها ولا انقطاع فينبغي أن نتذكر حال هذا الحكيم الذي أمسك واستمسك. ثم قال الله I (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ). أيضاً من الحكمة (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) لأن في بعض الأحيان قد يكون بعض الدعاة يصاب بشيء من الحزن فيوجّه، النبي صلى الله عليه وسلم من حرصه حزن فقال الله U (فَلَا يَحْزُنكَ) وقال (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) إذن لا يحزنك هذا الكفر ومن الحكمة أنك تبلغ البلاغ المبين والهداية بيد الله U وهذا أيضاً الحكمة في باب بعد التبليغ هناك حكمة أن تبلّغ لكن الحكمة أن لا تحزن، يبقى أن الهداية هي من الله وإلى الله. (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) قال (ومن كفر) أيّاً من كان سواء كان قريباً أو بعيداً فلا يحزنك كفره أضاف الكفر له (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) الكفر ليس منك فلماذا تحزن؟! النبي صلى الله عليه وسلم بلغ من الحزن.

قال الله في سورة الكهف (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) إذن لا تُهلك نفسك لأن الحزن الشديد يُبعِد عن العمل. بعض الناس الصالحين الطيبين ابتعدوا عن الساحة بسبب التشاؤم والحزن الشديد قال "هلك الناس" "ومن قال هلك الناس فهو أهلَكُهم" كما قال عليه الصلاة والسلام أو "هو أهلَكَهم" أو أهلك نفسه كذلك أو هو أهلَكهم لأنه وصف الناس أنهم هلكوا فالناس فيهم خير فينبغي للإنسان ألا يحزن لأنه سيجد من يؤمن وسيجد من يكفر. وجاء الحزن في ثماني آيات وقد ذكرت لكم حال النبي صلى الله عليه وسلم (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) والحزن مقعِد، قال الله عز وجل (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) ثم قال (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) يعني أنت عليك البلاغ وعلينا الحساب. ثم أخبر الله عز وجل أنهم ممتَّعون (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ) والعجيب في القرآن أيضاً الاستطراد كل ما جاء التمتيع مع القِلّة في الغالب أنه تهديد وكل متعة في الدنيا كائنة فكيف إذا وصفت بالقلة؟ كل متعة في الدنيا مقارَنة بما يجده أهل الإيمان في الآخرة ومقارَنة بقِلّة الدنيا للآخرة، لا شيء، (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا (112) المؤمنون) ولما رأوا طول يوم القيامة قالوا ليس يوماً (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وكأنهم شكوا قال (فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (113) المؤمنون) (عشية أو ضحاها) يوم القيامة خمسين ألف سنة! إذن كيف تقارَن هذه الحياة التي هي عشرين، ستين، سبعين، ليست شيئاً أمام الخمسين ألف؟! لا شيء، ومع الخمسين تصير كأنها أطول فإذن قال الله عز وجل (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ) وليس أيُّ عذاب (غَلِيظٍ).

ثم عادت الآيات (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وهذا أيضاً سؤال فيه تذكير لهم، تكرار مثل هذه الآية في سؤال الكافرين وأكثر ما ورد السؤال عنه، في القرآن أكثرها وردت في خلق السموات والأرض وأيضاً هم سيجيبون بأن الله الذي خلقها فتحمد الله عز وجل إذن الحمد لله على وضوح ذلك والحمد لله الحقيقي ينبغي أن يكون، إذا كنتم تقولون أن هذا من الله فينبغي أن تكون عبادتكم لله I. ختمت الآية أيضاً بقوله I بعد أن بيّن خلق السموات والأرض (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) يعترفون بأن الله هو الذي خلقها (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) هنا ذكر عز وجل (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وهنا أيضاً أقف وقفة، أكثرهم يفيدنا هذا أكثرهم في القرآن وأكثر الناس لو أحصيتم في القرآن أكثرهم وأكثر الناس مادة واحدة لكن لا تخلطوا بين كثير وأكثر، كثير غير أكثر. (أكثرهم) جاءت في 63 موضع (أكثرهم) لا تخلطوا معها كثير، جاءت في 63 موضع أكثر من 26 موضعاً (أكثرهم لا يعقلون، لا يعلمون، لا يرجعون، لا يؤمنون، لا يهتدون، لا يتقون، لا يتضرعون) وردت كثيراً لكن أكثرها (لا يعلمون) يكاد النصف، وتجد (لا يشكرون) (لا يؤمنون) (لا يتضرعون) هذا يدلّ على أن عِلّة الجهل هي المصيبة والله عز وجل هو الذي يخبرنا أن الكثرة الكافرة – وهذه مسؤولية طلاب العلم لا بد أن يعلموا الناس حتى يعلم الناس ونستطيع بهذا أن ننتهي من مشكلة أكثر الناس هذه أو ننتهي على الأقل من ثلث هذه المشكلة كما قلت لكم والآيات ترشد ولذلك هذا أيضاً يعطينا عطف وعذر لأولئك الجُهّال، طالب العلم يحمل مسؤولية البيان والإيضاح لأن أصل كل بلاء الجهل وعدم العلم.

 

قال الله عز وجل (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذه الآية تدلنا على سعة علم الله عز وجل وحكمته فهو سبحانه وتعالى الذي له ما في السموات والأرض. والعجيب أنه إذا جاءت الآية (لله ما في السموات وما في الأرض) ما تأتي (بينهما) ولا تأتي مع (من في السموات). و(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذه لغير العاقل وإذا جاء للعاقل (لله من في السموات). قال الله سبحانه وتعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). ثم جاءت الآية بيان سعة حكمة الله عز وجل (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) وهذه سعة كلمات الله وسعة حكمة الله عزّ وجلّ، إذا كانت بهذه السعة وهذا القرآن بين أيدينا لماذا نبحث عن الحكمة والحكماء من غير هذا الكتاب؟! كما قال سبحانه وتعالى في سورة الكهف (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف) وخُتِمَت (مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) تأكيد (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ما دام بهذه السعة لِمَ العقوبة؟ لأنه حكيم سبحانه وتعالى. ثم قال الله عز وجل (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) لا فرق بينكم وبين غيركم إلا كنفس واحدة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل