بين نعم الله العظيمة وبين شكرها

بين نعم الله العظيمة وبين شكرها

(الحمد لله رب العالمين)

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 الحمد أفضل الدعاء لأنه رأس الشكر فأنت أيها العبد ينبغي لك أن تشكر ربك وتحمده أولا لأنه يستحق الحمد بذاته وصفاته وكماله سبحانه وتعالى وثانيًا لأنه المنعِم المتفضل عليك بشتى أنواع النعم التي علمتَ بعضها وغاب عنك أكثرها...ولك أن تستعرض في ذهنك وقلبك بعض نعم الله تعالى عليك التي ينبغي لك أن تحمده عليها لترى كم قصّرت في هذه العبادة التي لا تحتاج منك مزيد جهد ولن تتمكن من إحصاء نعم الله تعالى عليك مهما فكّرت فيها ومهما حاولت فأنت لن تبلغ عدّها جميعها فضلاً عن إحصائها ولذلك قال الله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وقد وصفها سبحانه أنها "نعمة" بالإفراد وليست نعمًا لأن كل نعمة من نعم الله تعالى تحوي نعمًا عديدة لا تحصيها منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن..

نعمة الخلق ونعمة الإيجاد وشكرها بأن يحيا المخلوق وفق منهج الخالق سبحانه

نعمة الهداية شكرها بتذكر المنعِم الهادي عز وجلّ والاستمرار في طلب الهداية منه لأن الإنسان معرّض للفتن والزيغ والضلالة ويحتاج لهداية الله تعالى له هداية الإرشاد والدلالة وهداية التوفيق وهداية الثبات على الصراط المستقيم.

نعمة الإسلام ونعمة الاصطفاء لتكون من أمة المسلمين وشكرها بإقامة شعائر الإسلام

نعمة القرآن العظيم، منهج الله الخالق للسعادة الدنيوية والأخروية وشكرها بتدبره والعمل بهداياته وإحياء القلوب به

نعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى مبلّغًا رسالته بشيرا ونذيرا وداعيًا إلى الله تعالى ورحمة منه للعالمين، شكرها باتّباعه والاقتداء والتأسّي به.

نعمة الخلق في أحسن تقويم، نعمة العقل الذي ميّز الله تعالى به البشر عن سائر المخلوقات، نعمة السمع والبصر وكل ما في جسم الإنسان من أعضاء وجوارح تعمل بنظام دقيق خلقه الله تعالى ليحيا به الإنسان وشكرها يكون بعدم استخدام هذه الأعضاء وهذا العقل فيما نهى الله تعالى الخالق سبحانه عنه ويكون بعدم تعريضها للأذى والضرر فهي أمانة من الخالق عز وجلّ ينبغي أن نحرص عليها ونحافظ عليها لتؤدي وظيفتها كما أمر الله تعالى. فلا تغيّب عقلك بمخدّر أو مُسكِر والله تعالى قد ميّزك به وكيف ترضى أن تهبط بنفسك إلى دركات البهيمية الحيوانية التي لا تعقل؟! وجوارحك التي وهبك إياها كفي ترضى أن تعصيه بها فتكون سببًا لإحراقها وعذابها في النار والعياذ بالله وأنت تحرص على أن لا يصيبها أدنى أذى في الدنيا! لا تطيق أن تحط ذبابة على وجهك الذي تفخر به وهو نعمة الله عليك فكيف تودي به إلى النار بإطلاق البصر فيما حرّم الله وإطلاق اللسان في أعراض الخلق؟!!

نعمة تسخير الكون كله لك أيها الإنسان لتحيا على الأرض وقد هيّأ لك الخالق جلّ وعلا كل ما تحتاجه من هواء وماء وغذاء وشمس وغيره ذكر الله تعالى لنا في القرآن قبل خلق آدم في سورة البقرة أنه خلق وهيأ له ولذريته من بعده هذه الأرض التي هي مكان الاستخلاف فقال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وشكرها تكون بعدم الإفساد في الأرض فإنك تفسد على نفسك وعلى غيرك والله لا يحب الفساد ولا المفسدين.

نعمة التشريع والحدود التي فيها مصلحتك وتضمن حقوقك وحقوق غيرك وتضمن لك حياة عادلة في الدنيا وشكرها يكون بإقامة هذه الحدود والشرائع وعدم الاقتراب من المنهيات (تلك حدود الله فلا تقربوها) وعدم التجاوز والاعتداء في المباحات (تلك حدود الله فلا تعتدوها)

نعمة العبادات التي تجعلك على صلة بربك سبحانه وتعالى فتتمسك بحبله المتين لئلا تزيغ أو تضلّ وهذه نعمة لو أفنيت عمرك في شكر الله تعالى عليها لما وفّيت ذرة من حقّها، وشكرها يكون بالتقرب إلى الله تعالى من خلال هذه العبادات بمحبة ورجاء وخشية ورهبة تهذّب نفسك وأخلاقك بها تستمد بها العون من الله تعالى لتبقى مرتبطًا به على الدوام إلى أن تلقاه. والعبادة في حد ذاتها نعمة وهي شكر أيضًا على النعمة فما أعظم أن تحمد الله وتشكره من جنس ما افترض عليك من العبادات والنعم...

نعمة الابتلاء التي يظن كثير منها أنها ليست نعمة بل ويتضجرون منها ويظنونها نقمة من الله تعالى عليهم وهي في حقيقتها نعمة لأن حال العبد مع الابتلاء لا يخلو من أمرين: إما تكفير سيئاته وإما رفعة في درجاته وهو في الحالين فائز لا محالة وهذه نعمة من الله تعالى شكرها يكون بالرضى والصبر والشكر، رضى بأقدار الله وصبر على البلاء وشكر..

هذه بعض النعم الكبرى التي لا ينبغي لنا أن نغفل عنها أبدًا ولو أطلقنا العنان لعقولنا لتتأمل لوجدنا نعمًا لا تعد ولا تحصى تستوجب منا أن نحمد الله تعالى بقلوبنا قبل ألسنتنا..

هل تفكرنا يومًا ونحن نتوضأ مثلًا بنعمة أن الله تعالى منّ علينا بإنزال الماء من السماء مطرًا صيّبًا نافعًا ثم جعله مخزّنا في باطن الأرض ينابيع وعيونًا عذبة ثم أنعم علينا بنعمة التقنية التي أوصلت الماء إلى بيوتنا فصرت تفتح صنبور الماء فينساب بين أصابعك تتوضأ به وغيرك في هذا العصر ما زال يقطع عشرات الكيلومترات ليحصل على بعض الماء غير النظيف ليشرب منه أو يغتسل أو يتوضأ؟!

وهل فكرت يومًا وأنت تتحكم في درجة حرارة الماء الذي تتوضأ به فتستخدمه حارًا في أيام الشتاء والبرد وتستخدمه باردًا في أيام الحرّ وغيرك لا يجده إلا باردًا في الشتاء حارًا في الصيف؟! هذه نعمة فهل شكرتها؟!

وهل فكرت يومًا وأنت تدخل حمامك الواسع الفاخر المزيّن بأجمل البلاط والأدوات تغلق بابك وتنعم بالخصوصية أن نبيّك صلى الله عليه وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين وصحابته رضوان الله عليهم كانوا يخرجون في الخلاء في الصحراء في الحرّ صيفا وفي البرد شتاء ليقضوا حاجتهم؟!! وفي عصرنا الحالي من هُجّر من بلاده بسبب الحروب وغيرها فعاش في مخيمات في العراء يتمنون سقفًا أو بابًا يسترهم!!

وهل فكّرت يومًا وأنت تتوضأ بنعمة أن الله تعالى سلّم أعضاءك كلها، لك يدان ورجلان تغسلهما وغيرك قد ابتلي فيهما!! فاشكر الله على هذه النعم...

هذه بعض نعم كم ننساها ونحن نتوضأ فقط فما بالنا بباقي النعم؟! نعمة اللقمة التي تأكلها من أين جاءت وكيف جعلها الله طعامًا سائغًا يدخل في فمك وينتقل في جسدك يوزع الغذاء النافع في أعضائك ويخرج ما لا ينفعك...

فلنعوّد أنفسنا على عبادة التفكر والتأمل ولنرتقي قليلًا بعقولنا وأفكارنا لنعي عظمة الخالق من خلال عظمة نعمه علينا وعلى الكون كله (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٥٣﴾ فصّلت)

 

اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يليق بجلال وجهك، اللهم اجعلنا ممن يتفكّر في عظيم آلآئك ونعمك فيلهج قلبه ولسانه بالحمد لك يا ذا الجلال والإكرام...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل