تفسير سورة لقمان - 2- د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة لقمان - 2

د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾).

نلحظ العطف (وَلَقَدْ آَتَيْنَا) إذاً قصة لقمان مرتبطة بما سبق، فهي معطوفة على أيّ شيء؟ (وَلَقَدْ آَتَيْنَا) معطوفة على (وَمِنَ النَّاسِ) على قصة النضر بن الحارث الذي يأتي ويتصور ويأتي ببعض خزعبلاته وقصصه ويزعم أنها حِكْمة ليُضلَّ الناس أو يَضِلّ هو أيضاً، إذاً الواو عاطفة على (وَمِنَ النَّاسِ). وأيضاً جاء التأكيد في قصة لقمان الحكيم فقال الله عز وجل (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، (وَلَقَدْ آَتَيْنَا) التوكيد هنا أن هذه الحكمة لها شأنها، ثم لاحظوا (آَتَيْنَا) وهذه مِنّة من الله I فالله U هو المؤتي وهو المُعطي وقد جاء الامتنان في الإيتاء بقوله (وَلَقَدْ آَتَيْنَا) في خمسة عشر موضعاً في القرآن لكن جُلّها لموسى في المِنّة عليه بإيتاء الكتاب، جاءت في عشر مواضع لموسى، وجاءت لداوود ولإبراهيم ولسليمان وللقمان. (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) إذاً هذه الآيات كما ذكرت جاءت في قصة أو هذه المواعظ أو الإيتاء جاء مع هؤلاء الأنبياء ثم جاء مع هذا الرجل الصالح. طبعاً وقع خلاف هل هو نبي أو رجلٌ حكيم صالح؟ والصحيح أنه رجلٌ حكيم صالح وجاء في بعض الآثار لكن لم أقف على سندها حديث ابن عمر لكني لم أقف على سنده أنه ليس بنبي والقول الكثرة الكاثرة من السلف أنه ليس نبياً، وإن كان رُويَ عن عكرمة أنه ذكر أنه نبي لكن لم أقف وأيضاً عن الشعبي لكن لم أجد من قال بقولهم من علماء السلف.

ملاحظة بعض الصوفية يبنون على مسألة الحِكمة هنا ويقولون نعم، يثبتون أنه ليس نبياً فيقولون: إذاً بعض الحكماء والأولياء أفضل من الأنبياء مثل ما قالوا في قصة الخَضِر، قالوا: وليّ لكن تبعه نبي ولذلك عند غلاة الصوفية غلاتهم يرون أن الولي أفضل من النبي يقول قائلهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الوليّ، عندهم الوليّ أعظم، ولذلك بعض مشايخهم عندما يكونون جهالاً، جاهل يقول أوتي الحكمة أعطي حكمة وآتيناه من لدنا علماً فيستدل وهذه من ضلالات بعض الفرق الضالة عندما تأخذ بمعنى المشتبِه وتترك الآيات الواضحة وتسلك سبيل الشبهات فليس هذا حجة! الله عز وجل قال لا بد من علم وحكمة (وَلَقَدْ آَتَيْنَا) ولذلك أيضاً كان قاضياً يعني هو كان قاضياً كان عبداً حبشياً وكان يُباع ويُشترى ولكن الله U رفعه بهذه الحكمة. قال الله U (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) وكما قلت لكم الحكمة فُسِّرت بالعلم النافع والعمل الصالح.

قال الله U في الآية تأملوا فيها (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) فكأن الشكر هناك ارتباط بين الحكمة والشُكر ولذلك قال الله U (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) فمن أوتي حظاً من العلم ومن الحكمة ينبغي أن يكون من أكثر الناس شكراً لله وحمداً وثناءً عليه، ينبغي أن تكون هذه حاله من محمدة الله I. (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ) وكما قلنا بل قيل: الشكر رأس الحكمة، كما أن رأس الحكمة مخافة الله فكذلك الشكر مرتبة عالية، الذي يخاف الله وما يشكر هذا لا بد، الذي يخاف حقيقة يشكر الله U ويتضح هذا الشكر قال الله (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأن عائدة الشكر هذه قد يقول قائل كيف إذا شكرت يرجع لي؟! نعم، تجدون الشاكرين الحامدين عندهم طمأنينة والمتذمرين الكافرين بالنعمة تجدهم في مقت دائم، تجد بعض الناس في نفسه التفاؤل، وفي نفسه شكر، وفي نفسه قناعة، وإذا أُعطي أقل شيء الحمد لله اللهم لك الحمد، فتجد هذا مرتاح نفسياً، فكأن عائدة الشكر عليه، لماذا؟ لأنه حكيم ينظر أن هذه الحياة بُلْغة وأن ما جاء فيها يكفي، ينظر حقيقة لكنه هو ينظر للحياة الحقيقية، الحياة الحقيقية هناك، البقاء هناك، الخلود هناك، النعيم الذي لا ينفد هناك، أما هذا فأيّ بُلْغَة يحمد الله U عليها، فيحمد الله، ولذلك حتى لو كان عنده ضيق في ذات اليد فشكر كأنه ملك، ولذلك بعض الناس يملك وهو لا يملك وبعض الناس ما يملك لكن يملك، الطمأنينة، وألفت نظر لفتة كفائدة: خطب الشيخ صالح بن حميد حفظه الله خطبة عيد رمضان فتكلم كلاماً جميلاً أريد بعضكم يرجع له لما قال: من الناس من يملك أفخر الساعات لكن ما يملك وقتاً ومن الناس من يملك أفخم الأمكنة للمنام لكن لا ينام ما يأتيه نوم، والآخر يملك أقلّ مكان لكن ينام، أيهما المراد: المكان وإلا النوم؟ كل الناس تبحث عن النوم وما حسّن المكان إلا لأجل ينام لكن ما ينام! إذاً كن عندك قناعة للنظر في حقيقة الأشياء، والنظر كما قلنا في حقيقة الأشياء هي الحكمة ولذلك من أوتي الحكمة شكر ومن مُنِع من الحكمة كفر فاسأل الله U دائماً والإنسان قد يقترب منها كل ما شكر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) كثير ما تتكرر صفة الغنى مع الحمد مرتبطة الغنى والحمد لله سبحانه وتعالى (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) ولذلك سليمان (وَمَنْ شَكَرَ) قال (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).

ثم بعد هذه المقدمة (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) قال الله U (وَإِذْ قَالَ) بدأت الوصايا وبدأت الحكم تخرج من هذا الحكيم ولنتأمل في هذه الحِكم والله U هو المؤتي يؤتي من يشاء سبحانه آتاه الله U هذه الحكمة. وأعظم حكمة بدأ بها ونريد أن نتمثل بها في أنفسنا وفي حالنا مع أهلنا وفي دعوتنا أنه قال لابنه بهذا التلطف والتودد (يَا بُنَيَّ) ناداه بهذا التصغير والتحبيب ويكرر النداء (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ما هو ظلم عادي، هناك ظلم قد يكون معتاداً لكن هذا ظلم عظيم (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ولذلك كما في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم أن النبي e قال في قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شقّ ذلك على أصحاب النبي e (آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) يعني من لبس إيمانه بظلم ليس له أمن، فشقّ على أصحاب النبي e ففسّر الرسول e القرآن بالقرآن فقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح عندما قال (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)؟ إن الشرك لظلم وليس ظلماً عادياً بل هو أظلم الظلم وأشدّ الظلم، ولذلك ترى في القرآن ظُلم وأظلم، فهو من أشد الظلم ومن أعظم الظلم وخاصة أنه وُصِف هذا الظلم بالعظمة. (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). هنا أيضاً (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) والوعظ هو الكلام الذي فيه تخويف فيه تذكير لكن معه تخويف، فيه تذكير وتخويف بدليل أنه قال (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). والحكيم حقيقة هو الذي يبثّ أهمّ الأشياء في أهمّ المواقف يعني بعض المواقف تحتمل فعندما جاء مع ابنه ومع أخصّ الناس به حذّره وإن كان قيل إنه كان عنده شيء من الانحراف في هذا الباب لكن لا يهم، إبراهيم قال في دعائه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ففي الخوف من الشرك ينبغي أن يكون حاضراً في أذهاننا وفي تربيتنا لأبنائنا وفي دعوتنا بل يكون أساس دعوتنا البدء به والتحذير منه ولا نقول للناس نحن في قرن متقدم وابتعِدوا عن الناس، لا، يقع الناس وللشرك أشكال وللشيطان أشكال ولذلك ينبغي دائماً أن نحذّر منه. إذاً (وَهُوَ يَعِظُهُ) إذاً يلزم من ذلك الذي يبدأ بغير دعوة التوحيد وبغير النهي عن الشرك أنه ما هو حكيم وإن كان يدعو لكن ليس حكيماً، هناك دعاة حكماء في دعوتهم وهناك دعاة غير حكماء أو تنقصهم قليل أو كثير من الحكمة. فالحكيم كلّ الحكمة أن يبدأ بهذا الظلم ويُبعِد من يحب عن هذا الظلم العظيم لأن الله لا يغفر أن يُشرك به لكن يغفر لما دون ذلك لمن يشاء، ما نبدأ في دعوتنا بفضائل الأعمال وببعض الأمور والأمور لا زالت عندنا كثير من الانحرافات لا، لا بد من البدء بالرأس وبالأهم، ثم بعد ذلك تأتي وكما يقال التخلية قبل التحلية، تُحلّي والمسألة فاسدة فمهما حليت يبقى أن هذا ما تضعه من خير في هذا الإناء المتسخ ما تبدو ثمرته لكن خلِّ ثم بعد ذلك حلّ. إذاً مهمة الدعاة أن يكونوا من الحكمة أن يبدأوا بهذا الأمر ويبدأوا كذلك بالأقربين لأنها هذا أيضاً بدأ بذاك القريب. وأصل فساد من ضلّ إنما جاء من باب إما الدهرية أو من باب الشِرك، إما الدهريين الذين ينكرون وجود الله U أو من باب الشرك، فهذا أساس ينبغي وخاصة عندما نكون في بلاد الإسلام ربما يقع عند كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام قليل أو كثير من هذا الانحراف فنجتهد جهدنا في تصفيته وبيان الحق.

(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ظلمٌ، هذا الظلم اتضح في أيّ شيء؟ ظلم للخالق لأنك ظلمت الخالق فشكرت غير الخالق وأدّيت العبادة لغير الخالق، وظلم لنفسك لأنك خفضت من نفسك بدل أن ترتفع إلى السماء هبطت إلى الأرض، بدل أن تقول يا الله قلت يا فلان، بدل أن ترتفع بوجهك وتسجد للواحد الأحد سجدت لحجر أو لشجر أو لبقر أو لغير ذلك، وكذلك ظلم للحقائق هذا الكون بهذا الخلق العظيم لمن؟! ما شأن فلان الوليّ؟ الوليّ راح بولايته وبأعماله وبخيره لكن أنت ما شأنك وإياه؟ اتّجه إلى رب هذا الوليّ الذي رفع هذا الوليّ وأعزّه، إذاً ينبغي أن نلتفت إلى ذلك وأن يكون لنا في ذلك نصيب بل أنصبة.

بعد ذلك هنا في الوصايا بعد أن وصّى (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) بعد ذلك تأتي آية الإيصاء وهي الآية الرابعة عشر قال الله عز وجل (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ) لاحظوا (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) الآية هذه أولاً هذا الإيصاء الذي جاء في الآية، يعني لاحظوا آيات الوالدين جاءت في الأحقاف، وفي العنكبوت، وفي هذه السورة، كل هذه بلفظ الوصية، والوصية أشدّ من الأمر، وجاءت في الإسراء في (وقضى) قضى يعني حكم وانتهى الموضوع وهنا وصّى يدل على أن الأمر يحتاج إلى مزيد من العناية والوصاية أنا آمرك بأمر لكن لو كان أمر أهم أقول لا تنس الذي وصيتك عليه لأن الأمر يهمني ففي الإيصاء أمر وتشديد في الأمر فقال الله U (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا) هل هذا الكلام من كلام لقمان؟ الآيات أو من كلام الله U؟ قيل وقيل، على كلٍ قيل وقيل، وإن كان الأقرب أنه من كلام الله U، يعني تأملوا في السياق، انظروا في سياقه، يعني السياق (وَوَصَّيْنَا) نون العظمة يعني ضمائر العظمة تدل على أن الله ووصينا، الله U، يعني سياق الآية يدل على أنها من الله عز وجل، وإن كان بعضهم قال هي من الله ولكن أنطقها على لسان لقمان فذكرها لقمان كما أوحى الله عز وجل. على كلٍ سواء كذا أو كذا لكن هذه جاءت في ثناياها وهي العناية والرعاية بالوصية. لكن قد يقول قائل: وأنا أقرأ في الآية أجد أنها مشتبهة مع آية الأحقاف ومع العنكبوت وخاصة مع العنكبوت، بعض المفسرين قالوا: هذه الآية نزلت في شأن سعد بل كثير من المفسرين قالوا: نزلت في شأن سعد، وآية العنكبوت؟ من المقطوع به أن آية العنكبوت وهي قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) هذه في العنكبوت ما الخلاف؟ هنا (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) (هنا يقصد في سورة لقمان وهنا في سورة لقمان لم ترد إحسانا وإنما وردت في سورة الأحقاف) هناك (حُسْنًا)، وهنا (عَلَى أَنْ تُشْرِكَ) هناك (لِتُشْرِكَ) وأيضاً نقارن بينها وبين ما جاء في سورة العنكبوت الصحيح إن الذي جاءت في العنكبوت هي التي جاءت في سعد أما هذه فجاءت ابتداء. ما الدليل؟ من يلتمس؟ أيهما أشد في الاستعطاف؟ آية العنكبوت، طبعاً قصة سعد حتى يمكن بعض الإخوان ما يعرفها قصة سعد لما أسلم قالت أمه وكان باراً بأمه: والله لا آكل ولا أستظل ولا أشرب حتى ترجع عن دينك قال: يا أماه تعرفين مقامك مني وحبي لك لكن والله لن أرجع عن ديني لو بقيتِ ما تأكلين، لو كانت لك مئة نفس تخرج نفساً نفساً ما تركت هذا الأمر، فلما صامت اليوم الأول والثاني ثم عرفت إنه فرجعت. أيهما أشد أو مناسبة في قوله I (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) طبعاً كما قلت لكم يكاد كل المفسرين يقولوا أن آية العنكبوت قطعاً أنها نزلت وحتى الذين قالوا آية لقمان قالوها بدون تدقيق في المسألة، وهذه من المسائل التي ينبغي لطالب العلم أن يحررها. بعضهم قالها هكذا نقلاً بدون روية لكن جميع المفسرين ذكروا آية العنكبوت في سعد، وبعضهم قال هنا، وبعضهم قال تكررت بدون تدقيق في المسألة، لا، ما تكررت بدلالة أن (تلك) أخف الاستعطاف، أيُّها؟ التي نزلت في شأن سعد آية العنكبوت قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ولذلك لو سألك سائل قال: لماذا قال (حُسْنًا)، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) أيهما أحسن حسناً وإلا إحساناً؟ إحساناً أبلغ. ثم قال هناك: (لِتُشْرِكَ بِي) وهنا قال (عَلَى أَنْ تُشْرِكَ) أيهما أشد؟ (عَلَى) لأن أصلاً سعد كان عنده قوة إيمان ما هي مصارعته مصارعة قوية ما قدرت عليه (لتشرك) وهذا من عظمة القرآن في دقة التعابير فيه، وفي العنكبوت ما ذُكِر أنها حملته كره ولا وهن، الكره أين جاء؟ في الأحقاف، فما استعطفت، ما ذكر الاستعطاف هناك ، يعني حتى يحل لك الألغاز في هذه الثلاث الآيات لماذا اشتبهت واختلفت؟ الآن اتضحت، اتضح الإشكال، إذاً هذه الآية الصحيح أنها نزلت ابتداء يعني من زيادة الإيصاء. إذن ما علاقتها بالحكمة؟ أنا تأملت آيات الوالدين في القرآن وجدت أنها توصي باثنين بعموم الوالدين وباثنين سواء في الإسراء أو في الأحقاف أو في لقمان، السؤال: الإيصاء بالوالدين عموماً مطلوب ولا بد منه لكن تشتد الوصية بوالدين اثنين:

حال الكِبَر، شدد على حالتين من عظمة الدين حال الكِبَر لأنهم يحتاجون ولذلك (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) دقّقت الآيات (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) تنهرهما ما معناه (تَنْهَرْهُمَا)؟ يعني تصرخ عليهم لا، قال العلماء: لا تنهرهما لمصلحتهما كأن يكبرا فيرفضا أخذ الدواء، شيء لمصلحتهما تقول لا يفعل شيئاً فيفعله ومصلحته ما عاد يعرف، لا تنهر حتى في هذه الحال (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) التدرج (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) يعني اختر أحسن الكلام ما تناديه باسمه وبل قال بعض أهل العلم: من نادى والده وهو ينظر بعينيه له هذا نوع عقوق لازم تنزل رأسك (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ)، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) ليس جناح الرهبة ولا الرغبة جناح ذلّ، ممكن أن يكون غنياً تخفض له جناح تريد شيئاً منه، جناح الرغبة لا، أو قوي إذا خالفته يا ويلك فجناح الرهبة، لا، جناح الذلّ، وجناح الذل ومن الرحمة بعد كل القيود وكل رحماتك جبتها استعن برحمة الله إذا قدرت خلصت كل رحماتك (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) هذه في حال الكِبَر.

وتأتي الآيات الأخرى أيضاً تنص أيضاً عموم الحالة وتخص حال الكفر، حتى حال الكفر ولذلك جاءت في سورة الحكمة حال المخالفة في الدين لأنها من الحكمة، كيف تكون الحكمة في معاملة الأب الكافر؟ هذا الدين عظيم ، الكافر خلاص ولو إنه أبوه لا، والده أو والدة له حق، بل قال بعض فقهاء المالكية وتحتاج المسألة إلى تحرير التي ذكرها ابن عطية قال بعض فقهاء المالكية: إذا كانوا يعتقدون بحلّ الخمر وهم كفار (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وطلبوا منك تعطيهم. هم يعتقدون حِلّه، إلى هذه الدرجة! فإذاً قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا) إذاً وجه الحكمة في مجيء هذه هنا في قضية كيف يمكن -طبعاً الحكمة عموماً في التعامل مع الوالدين والحكمة عندما يخالفون- إذا كان يقال لمن خالف في الدين ولو مخالف عادي قال الله U في سورة لقمان (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) أول شيء كلمة جاهداك ما معناها؟ أنهم في مغالبة، استمرار وجهاد وهناك قهر وهناك غلبة، ليست مجرد حاولوا محاولة عادية (جَاهَدَاكَ) وجاء بلفظ (عَلَى) أكثر من (لـ)، (عَلَى) يريدون أن يعلون عليك (عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ) صاحبهما لكن في منهج الآخرة، في الدنيا معروف، وفي الآخرة (واتّبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) إذاً الحكمة كل الحكمة في كيف أن الإنسان يؤتى الحكمة أيضاً فإذا كان هذا يقال في مقام من جاهد فكيف يقال في مقام الموحدين والصالحين والمؤمنين يعني كيف تصاحبهم؟ أحسن من المعروف بل أنا أريد من طالب العلم أن لا يكون فقط في المرتبة العادية بل يكون في أعلى المراتب من الدقة والرعاية والإحسان غاية الإحسان للوالدين يكون دقيقاً حتى لو كانوا كافرين بل قد يُسلِمون بهذا السبب، يكون عندك دقة ورعاية وتقدير. كان سفيان بن عيينة يقول: لما مات أبي بقيت سنة ما أدعو لنفسي نسي نفسه ما يدعو لنفسه، ويقول: الصحبة بالمعروف يقول: من أدّى الصلوات الخمس فقد أدّى حق الله U عليه ومن دعا لوالديه في كل صلاة فقد أدّى حقهم، في كل صلاة. إذاً ليست القضية، ينبغي للإنسان أن يهتم ويدقق لا نكون كعوام الناس في التعامل، لا، تعامل راقي وخاصة مع الوالدة ولذلك هنا يأتينا أيضاً قوله I (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) يعني الآية كأنها كما قال بعض المفسرين تشير إلى أن حق الأم أعلى لأن ما ذكر حق الأب، وحتى الوالد سمي الوالد والداً مع أنه لا يلد، الوالد يلد؟! أقولك كيف حال الوالد؟ مع إن أبوك ما يولد هو يولَد له لكن لا يلد لتعظيم حق الولادة، الولادة هذه مهمة، ولذلك إذا جاء في مقام استعطاف في القرآن يذكر الوالدين وإذا كان في مقام القروش الأبوة في مقام الوصية (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) يجيء إذا جاء بالقروش والتوزيع ممكن تجيب له أبوه لكن في مقام الوصايا الوالدين، صار الرَّجَال تبع الحرمة، صرنا تبع الأمهات مع أن الوالد ليس والداً ولذلك قال الله U (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ) فالحمل مهم والولادة مهمة هذا حق ثاني والفصال وقت الإرضاع مُهلِك للأم وأشدّ منه عندما هذا الرضيع يتركها تتألم ويتألم هو، فهي أيضاً شديدة عليها مع أنه يؤذيها لكن هي رحيمة ولذلك كان حقها قال النبي: "أمك ثم أمك ثم أمك" ثلاث مرات، وفي رواية أربع "ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك" فإذاً حق الأم وإن كان بعض أهل العلم قال: وبالنسبة كما سئل الإمام مالك لما سئل عن مسألة أيهما أقدّم يعني قال أحدهم: إن أمي طلبت مني آتي إلى بلاد السودان وأبي رفض فقال: أطِع أباك ولا تعصِ أمك، يعني الإمام مالك ما استطاع يفتيه في أنه يعصي أحدهما فكأنه يقول حقهما حاول أن تراعي حقوقهما. والواحد يعمل صراعات بين أمه وأبوه يقول: والله أخذنا الدرس الفلاني وحق الأم أكثر وإذا جاء عند أبوه يضيق صدره يقول له: ترى ما لك إلا حق ربع حق أو ثلث حق، ما ينبغي أيضاً هذا، لماذا أوصي بالأم؟ لهذا الذي وقع منها من الحمل وكذلك لأنها ضعيفة، الأم فيها الليونة، الأب بعض الأحيان يأخذ حقه كاملاً غير منقوص بقوته وشخصيته لكن الأم، ولذلك أيضاً كن مع الضعيف أضعف، أما الأب ولو كان قوياً فكن معه ضعيفاً، لكن كن مع الأم أضعف كذلك، إذاً هنا انتبهوا لهذه المسألة. جئنا إلى بعض النقاط ولذلك قيل: لأن هذا تذكير لمزيد من التأكيد على حقهما اعتماداً على ما يلاقيه من اللين من الأم بخلاف الأب فإنه قوي. (وَفِصَالُهُ) أيضاً ننتهي منها. قال الله U (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) وانتهينا أيضاً من هذا ولذلك يقول بعض السلف: لا تجد أحد عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، أيّ واحد عاقّ سبحان الله تجد فيه جبروت وغلظة وفيه شقاء، فيه شقاء في نفسه وفي حاله ودائم شقي في نفسه ثم قرأ (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا).

(فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) قلنا أيضاً عرفنا المعروف (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) هنا في الآخرة، الوصية الأولى قلنا (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) ثم الوصية بالوالدين ثم بعد ذلك تأتي وصية الحذر من ظلم الله بالشرك أشد الظلم والحذر من أقل الظلم وهو أقل الظلم قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) لاحظوا (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) بعد أن حذّره من أشد الظلم حذّره من أقل الظلم لحكمة، ما هو فقط بعض الناس يعني يركّز صدره لا تشركوا لكن لا بأس لو انحرفتم لو فعلتم هذه ليست من الحكمة، بعض الناس يأتي لإنسان يقول له: أنت تصوم لكن ما تصلي يا أخي لا تصلي، هذه حكمة هل هذا كلام صحيح؟! هذا غلط وبُعد عن الحكمة، يا أخي قل له: ما دامك وفقت وبارك الله فيك وصمت أكمل ذلك بالصلاة، أما إنك تأمره أو بعض الناس يركز على التوحيد والتوحيد ثم يترك الأشياء الأخرى لا بد لكن البداية والأمر الأهم ثم بعد ذلك جاءت هذه التوصية الدقيقة التي كأنها صورة تمثل أمام هذا الابن منذ نعومة أظفاره وهو يتأمل (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) هي أصلاً حبة خردل وتكون أيضاً هي أصلاً خفية وتختفي ومع ذلك يأتي بها الله عز وجل (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ) ونحن نقول هذا الكلام وينبغي أن نكون في عصرنا هذا مع وجود وسائل التقنية أكثر إيماناً من الآباء والأجداد لأننا أصبحنا نرى أجهزة التقنية تراقب وتحقق وتدقق في مسائل في البنوك على هللات وأجزاء من الهللات أين راحت أين جاءت وعلى المستودعات ورقابة صوتية ورقابة صورة ورقابة حساب هذا في مصنوعات البشر وتأتي به في لحظات أريد مثلاً ميزانية البنك الفلاني في لحظات وعنده مليارات تأتي بها تقريبية ولو ينقص منك ريال يتضح عندهم هذا في صنعة البشر فكيف بصناعة الله؟! إذاً (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) ولذلك لما قال في نهايتها (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) عندكم حاسبات سريعة لكن هناك (أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). عندما قال (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) كتّاب (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا) الحفظة أغلقوا الكتب، الكمبيوترات أقفلت (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) يعني جدّك من أول لم ير الصورة تصور وتحفظ الصورة ولا الكلام يحفظ ولا الهللة تُحفظ الآن أنتم ينغي أن يكون عندك يقين، هذا البشر بعجزه وضعفه استطاع أن يفعل هذا فكيف بالخالق I ! إذاً نوقن بهذا وحتى ونحن نخبر الأبناء نبين لهم تعال يا ولدي الحاسب ماذا يفعل؟ ممكن تقول يا ولدي الحاسب تراه يغلط في الحساب يَضَحْك عليك ولدك يقول الحاسب ما يغلط وهل ربي يغلط وربي يترك سبحانه؟! إذاً (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) ما هي التي تكون حبة؟ يعني المظلمة يعني أيّ ظلم ومظلمة مهما قلّت فهي عند الله U مثقال حبة وأيضاً يأتي مثقال ذرة في القرآن مرتين (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) و (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) وكلها خفيّة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) إذاً المثقال يؤتى به وإن كان بمثل هذا الاختفاء وفي مثل ذاك الخفاء فالله عز وجل جاء به، إذاً كما سبق قلنا الله U حذّر من أعظم الظلم وهنا يحذّر من أقلّ الظلم (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) إذا هي مثلٌ في الصغر والخفاء وجُعِلت في صخرة. قال الله عز وجل إذن هي خفية واختفت في موضع صلب لكن يأتي بها الله، خفية واختفت وفي موضع بعد غير حصيّ قد تكون في صخرة (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) السماء كبيرة لكن يأتي بها الله يعني لو نصير بعد في محل محفوظ يمكن نجيبها لكن الله عز وجل ينبغي أن يكون عندنا هذا اليقين، والإتيان كناية عن التمكّن. وهنا قال (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أيضاً جاءت في هذه الآية. في قوله سبحانه وتعالى (لَطِيفٌ خَبِيرٌ) يعني قيل: لطيف باستخراجها خبيرٌ بمكانها، خبير تأتي في اللطف في الاستخراج يعني الله عز وجل لطيف سبحانه لطيف في استخراجها خبير سبحانه وتعالى بمكانها.

ثم قال (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) بعد أن وضع في رأسه أصول الاعتقاد سواء في الأمر الكبير وهو الشرك أو في الأمر الصغير وهي هذه بعد ذلك جاء لأصول العمل، المسألة ليست فقط إيمان ورأس يوضع فيه معلومة، لا، أيضاً أصول العمل (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ). إذاً بعد أن انتهى من أصول الاعتقاد بدأ في أصول الأعمال الصالحة وبدأ بالأهم (يَا بُنَيَّ أَقِمِ) وقلنا دائماً أقم، يقيمون، ولذلك إذا سرحت في الصلاة تذكر أنك الآن تؤدي لكن أنت لست تقيم الصلاة، ينبغي أن تقيم الصلاة (أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أيضاً (وَاصْبِرْ) إصبر على ماذا؟ لأن الذي يأمر وينهى لا بد أن يؤذى والذي ما يؤذى ليس بأمر حقيقي لا بد من الإيذاء. (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ما معنى (عَزْمِ الْأُمُورِ)؟ يعني من الحزم، إذا أردت أن ترى شخصاً حازماً في دينه، صادقاً، مقيمًا للصلاة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، صابرًا، فإذا وجدت فيه هذه الصفات فهو حازم عازم جادّ هذا أخذ الدين بقوة (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ). (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ولعل هذا الحقيقة فيه بشارة لإخواننا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا تحلّوا بصفة إقامة الصلاة وبما يأتي في الدرس القادم من مسألة الملاحظة في تصرفاتهم مع الناس. إذا لاحظوا هذا الأمر كانوا إن شاء الله ممن بشّرهم الله عز وجل بأنهم أخذوا هذا الدين بحزم وعزم يعني بإرادة عازمة جازمة، الله عز وجل قال (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) ولا بد من الصبر ولا بد أيضاً من الصبر معه، كل موطن يأتي، صبر وتقوى، صبر وعفو، لأن بعض الأحيان الصبر مع الذي يحسن إليك وما تعفو عنه يؤثر في نفسك فإذا وجد صبر وعفو جميل، وإذا وجد أيضاً مع الأعداء صبر وتقوى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) فينبغي للإنسان أن يتحلّى بهذه الصفات.

 

إذاً هو أمرهم في وصاياه الوصية الأولى: بالحَذَر من الشرك، وهذا أعظم الظلم وأكبره، ثم حذّر من أصغر الظلم وهو إن تك مثقال حبة يأت بها الله أيّ مظلمة مع الناس وخاصة فيما يخصّ جانب العباد، وجانب العباد أخطر، حقّ الله مبني على المسامحة، وحق العباد مبنيٌ على المُشاحّة، فينبغي للإنسان أن يدقق ويحقق في هذه المظالم وإن كان مثقال حبة من خردل فإن الله عز وجل يأت بها، وكذلك أيضاً في جانب العمل أساس العمل أن يقيم الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعلم أنه بهذا الطريق قد يُصاب بأذى فلا بد له أن يصبر.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل