إشراقات في آيات - ممارسة الأسباب والاعتماد على مسببها - 2

إشراقات في آيات

ممارسة الأسباب والاعتماد على مسببها - 2

د. أيمن سويد

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

بعض الناس مفرّط في الأسباب، لا يشتغل ويريد أن يكون غنيًا، لا يدرس ويريد أن ينجح، بالله عليكم كيف يكون هذا؟! وفي المقابل أناس يشتغلون فإذا وفقهم الله بدل أن ينسبوا الفضل إلى الله يقولون أنا الذي فعلت كما قال قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص:87] ولم يقل هذا فضل الله عز وجلّ عليّ، فالأمر بين إفراط وتفريط لكن عالمنا عالم الأسباب:

لما كان سيدنا أيوب مريضًا مرة انزعج من زوجته من أمر وكان ضعيفا من شدة المرض فحلف يمينًا إن عافاه الله عز وجلّ أن يضربها مائة ضربة فلما عافاه الله عز وجلّ قال له الله (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ)[ص:44] لا تحنث بمعنى لا ترع بيمينك، الضغث هو من أنواع النبات له سيقان عديدة فيضرب ضربة واحدة خفيفة لطيفة كأنه ضرب مائة ضربة.

سيدنا موسى عليه السلام استسقاه قومه أرادوا أن يشربوا، عطشوا وليس هناك ماء فسأل الله عز وجلّ أن يسقيهم لكنه لم يفجّ{ لهم الماء هكذا ولم يخرجه مباشرة بل قال لموسى (اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ)[البقرة:60] فضرب سيدنا موسى بعصاه الحجر فخرج منها إثنا عشر عينًا لأن أسباط بني إسرائيل كانوا إثنا عشر لكل فرع منهم نبع من ينابيع هذه المياه.

كذلك لما موسى عليه السلام وقف مع قومه أمام البحر وفرعون وراءهم وأراد أن يطبق عليهم ويقتلهم عن بكرة أبيهم فقال قوم موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) قال موسى (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٦٢﴾ الشعراء) البحر من أمامه ومن خلفه فرعون وبينهما بنو إسرائيل وهم في حالة يكادون أن يُقتلوا وسيدنا موسى عليه السلام قال (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فقال تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿٦٣﴾ الشعراء) وكان يمكن مباشرة أن يفلق له البحر دون أن يقول له اضرب بعصاك البحر، لكنه ممارسة الأسباب.

 

السيدة مريم شاء الله عز وجلّ أن تحمل حملا طاهرا بسيدنا عيسى عليه السلام بالنفخة الإلهية التي نفخها جبريل عليه السلام كما قال الله تعالى على لسان جبريل (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ مريم) فلما حملت به وهي في حالة متعبة وتكاد أن تضع ومع ذلك لما احتاجت إلى الطعام قال الله لها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾) كل منا لو كان رجلًأ لا يستطيع أن يهز نخلة مهما أوتي من قوة فكيف بامرأة ضعيفة وهي السيدة مريم مع ذلك أمرها الله أن تمارس الأسباب (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾) نسأل الله عز وجلّ أن يرزقنا القيام بهذا الميزان حق الميزان في حياتنا إنه تعالى سميع مجيب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل