الحمد لله، فيوضات القلب الذاكر ربّه..

الحمد لله، فيوضات القلب الذاكر ربّه..

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

فبعد أن فتحت بمفتاح الإعانة (بالاستعاذة والبسملة) استعذت بالله العلي العظيم من الشيطان الرجيم وأعلنت افتقارك إلى الله تعالى وحاجتك لأن يعيذك ويعينك وثنّيت بالبسملة معظّمًا لله عز وجلّ طالبًا الإذن منه بأن تبتدئ قرآءتك لسورة الفاتحة باسم الله واطمأننت برحمة (الرحمن الرحيم) -وهذه في حد ذاتها نعم تستحق أن تحمد الله تعالى عليها- لا بد وأن يفيض قلبك امتنانًا لله تعالى على نعمه فينطلق لسانك حامدًا شاكرًا مرددًا (الحمد لله رب العالمين) حمد باللسان والقلب، حمد يخرج من حنايا القلب الشاكر المستشعر نعم الله تعالى عليه التي لا تعد ولا تحصى، وأبشِر فقد أُذن لك بالدخول إلى أعظم جنان الدنيا، إلى كنز من كنوز السماء، إلى حوارك مع الله عز وجلّ الرحمن الرحيم ربك ورب العالمين جميعًا، واحذر وأنت في هذه المعيّة أن ينصرف قلبك أو يتشتت ذهنك. وحتى نستشعر أثر هذه الآية في قلبنا علينا أن نفهم معانيها أولًا...

ذكر الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ) هو الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه.

(رَبِّ الْعَالَمِينَ) الرب, هو المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.

وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.

·         فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

·         والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [ المعنى ] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

فدل قوله (رَبِّ الْعَالَمِينَ) على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.

وذكر د. محمد الربيعة في تفسيره لهذه الآية:

افتتح الله عزّ وجل بقوله: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (وهذه الآية غرضها إثبات الكمال المطلق لله عزّ وجل، وأن الحمد هو الوصف الجامع للكمال، الحمد هو وصف المعبود سبحانه بصفات الكمال، فحين تقول: )الْحَمْدُ لِلَّهِ (فإنّك تقول ربنا يستحقُ الوصف الكامل، فهو كما قال بعض المفسّرين هو الثناء على الله بالكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، فإذا كان سبحانه وتعالى عليماً فله الكمال كُلّه في العلم وله العلم كله هذا كمال، فأنت تستحضر في قولك: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(أنّ الله تعالى له الوصف الكامل المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، لو استحضرت هذا المعنى والله لحققّت في قلبك معرفة بالله حقيقة كبيرة وعبدت الله حقّ العبودية عبودية صحيحة، ولذلك قال الله تعالى إذا قال العبد: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (قال: حمدني عبدي، والحمد هو الثناء بالكمال، وافتتح الله تعالى الفاتحة بالحمد، وافتتح الله كتابه بالحمد، لأنّ أجمع كلمة في وصف الكمال لله عزّ وجل هي هذه الكلمة قولك: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (فناسب أن يفتتح الله كتابه الذي هو رسالته للخلق بها، ليكون أول ما يتلقّاه العباد من كلام ربّهم، أول ما يتلقّاه العباد حينما يقرؤون كتاب ربهم تكون تتلقّاهم كلمة: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(فيستقرّ ذلك في نفوسهم وفي أحوالهم. يقول ابن القيم رحمه الله في قوله: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (: "نجد تحت هذه الكلمة إثبات كل كمال للرب فعلاً ووصفاً واسماً وتنزيهه سبحانه عن كل سوء وعيب فعلاً ووصفاً واسماً وبذلك كمل التوحيد".

قال الله تعالى: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (ولم يقل: أحمد ربي أو حمداً لله لماذا؟ وما الفرق بين قولنا: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(وبين قولنا: حمداً لله رب العالمين؟

الفرق ظاهر فإنّ قولك: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (تُفيد الاستغراق فإنّ الألف واللام في قولك: )الْحَمْدُ لِلَّهِ (للاستغراق، ولله المثل الأعلى حين تقول: الرجل أو تقول رجل، أيّهما أكمل في المعنى؟ الرجل، لأنّك حين تقول الرجل يعني قد كمُلت معاني الرجولة فيه، فقلت هذا الرجل قد كمُلت فيه معاني الرجولة، أمّا حين تقول: هذا رجل، يعني فيه بعض صفات الرجولة، ولله المثل الأعلى في ذاته وأسمائه وصفاته، فإنّ قولك: )الْحَمْدُ (يعني جميع معاني الحمد لله رب العالمين، وأيضاً فإنّ قولنا: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (افتتاح الحمد الفاتحة بها يُفيد أنّ الله تعالى محمود قبل أن يحمده الحامدون، فهؤلاء سواءً حمَدوا أم لم يحمدوا فهو محمود سبحانه منذ الأزل إلى الأبد سبحانه وتعالى، فما أعظم استحضار هذا المعنى!!

قولك: )رَبِّ الْعَالَمِينَ (تخصيص هذا الوصف (الرب) وافتتاح الصفات به قبل الرحمن، قبل الملك لماذا؟

لأنّ الربّ أعظم المقامات أثراً وتعلقاً بمصلحة العباد والإحسان إليهم هو معنى الرب، لأنّه يدخل فيه معنى السيد المربّي سبحانه وتعالى، ويدخل فيه معاني النفع والضر والإحسان وغير ذلك، فخصّه سبحانه وقدّمه ليكون أول ما يُشنّف آذانهم فيدعوهم إلى سرعة اللجوء والاستجابة إليه سبحانه وتعالى، ويكون أقوى لتحريك قلوبهم وعطفهم إلى ربهم سبحانه وتعالى، وفي تقديمه أيضاً دليلٌ على أنّ رحمة الله سبحانه وتعالى سبقت غضبه، فلم يُقدّم ملك على الرب! لو قدّم، لو قال: (الْحَمْدُ للّه مالك يوم الدينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لكان غضبه قد سبقت رحمته، فأمّا وقد قدّم هنا في الفاتحة التي هي فاتحة كتابه، قدّم الربّ على ملك فيدلّ ذلك على أنّ رحمته سبقت غضبه وله الفضل والمنّة سبحانه.

 

اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسرّه، اللهم اجعلنا لك من الحامدين الشاكرين الذاكرين واملأ قلوبنا إيمانًا بك وذكرًا لك فتفيض بالحمد والثناء سبحانك أهل الثناء والمجد والعظمة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل