تفسير سورة القصص - 3- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة القصص - 3

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٣٨﴾ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴿٤١﴾ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴿٤٢﴾)

 (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) يخبر تبارك وتعالى عن تجبّر فرعون وتمسّكه بمجرّد الدعوة الباطلة يُغالِط بهذا قومه وهو يعلم أن الله جلّ وعلا هو ربّه كما قال I (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل) يعلم لكنه يريد المغالطة ويريد أن يستمر على استخفاف قومه واللعب بعقولهم قال تعالى (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) الزخرف). قال فرعون (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) والملأ هم أشرافُ القوم وكِبَارُهم (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وعلى رأس الملأ من؟ وزيره هامان وقد جاء هذا صريحاً في سورة غافر- سورة المؤمن- قال الله تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (37) غافر) قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) غافر). هنا يقول (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) إطبخ لي الطين حتى يصير آجُرّاً (فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) من هذا الطين الذي توقد عليه إجعل لي قصرا عالياً (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) يعني أصعد إليه (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (37) غافر) وهذا نهاية ما يكون من العلوّ والاستكبار والسُخرية والإستهزاء ولهذا قال الله جلّ وعلا (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ (37) غافر) وهنا قال (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) ظنّوا أنهم إلينا لا يرجعون يعني لا يُبعَثون، فماذا كانت النتيجة؟ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ) بعد أن عتوا في الكفر وتجاوزوا الحدّ (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) يعني طرحناهم في البحر وهذا سبق كيف أغرق الله فرعون وجنده وماذا قال فرعون عندما أدركه الغرق. (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) يعني في البحر (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) انظر يا محمد أو انظر أيها المخاطَب كيف كان عاقبة هؤلاء القوم كيف صاروا؟ (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) صيّرنا فرعون وهامان وكبار الملأ من قوم فرعون صيرناهم رؤساء متبوعين مطاعين في الكفر (وَجَعَلْنَاهُمْ) الجعل هذا كوني قدري فهذا جعلٌ كونيّ قدريّ أي قدّرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد إماماً يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل لماذا؟ لأن الزاني والسارق ذنبه يعود على نفسه لكن ذاك كما قال الله (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (25) النحل). (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) عكس هذا تماماً مَنْ جعلهم الله للمتقين إماماً (وَجَعَلْنَاهُمْ) الصنف الأخر من أهل الإيمان الصادقين (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) السجدة) ولهذا من دعاء المؤمنين (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) الفرقان) يعني قدوةً في الخير. فلا إله إلا الله! ما أعظم الفرق بين من يكون إماماً يدعو بقوله وفعله إلى النار وبين من يكون إماماً يدعو بقوله وفعله إلى الجنة! ومن سنّ سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله. (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) طرداً وإبعاداً عن رحمة الله سبحانه وتعالى ولهذا ما يُذكرون إلا بالبُغض والمقت لفرعون وملئه. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) والمقبوح هو المطرود المُبعَد يعني يوم القيامة هم من المقبوحين هم من المطرودين المُبعَدين المُهلَكين الممقوتين ولهذا العرب يقولون قبّح الله فلاناً يعني أبعده من كل خير.

بعد هذا رجع السياق مرة أخرى إلى ما يتعلّق بموسى عليه الصلاة والسلام قال الله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) والكتاب هنا هو التوراة بالإجماع، (مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى) قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. وقيل من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون. (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) يعني آتيناه الكتاب لأجل تبصير الناس به لأجل أن يتبصّر به الناس (وَرَحْمَةً) ورحمة من الله جل وعلا رحمهم بها لعلهم يتذكرون هذه النعم فيشكرون الله ويؤمنون به ويجيبون داعيه لأن إنزال الكتاب وإرسال الرسول نعمة هي أجلّ النِعَم وأعظم النعم. هل يوجد عاقل يقايس بين نعمة الأكل والشرب واللبس والأمن ونعمة الهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟! لا يستوي، لأن إخراج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق الكتاب سواء التوراة قبل محمد e أو القرآن بعد إرسال محمد e لا شك أن هذا يحوي سعادة الأبد، فقوم موسى الذين التزموا بالتوراة في عهد موسى لهم سعادة الأبد والمؤمنون الذين التزموا بكتاب الله بالقرآن، واتبعوا محمداً e لهم سعادة الأبد (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (76) طه). (وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) فيشكرون هذه النعم.

ثم رجع السياق والخطاب إلى نبينا محمد e فقال الله جلّ ذِكْرُه (وَمَا كُنتَ) يا محمد (بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) بجانب الوادي الغربي حين ناجى موسى ربَّه (إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) وعهِدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه ما كنت من الشاهدين ما كنت حاضراً حتى تقف على حقيقة ذلك وتحكيه بنفسك. إذا لم يكن من الشاهدين كيف جاءه؟ من الوحي. وهذا دليلٌ على صدق محمد e كما قال الله (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) العنكبوت) فعلمه e علمه رباني من الله، (وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) إذا تقرر هذا فعلمك من رب العالمين الله هو الذي علّمك. (وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا) أي خلقنا أمماً بين زمانك يا محمد وزمان موسى (فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) طالت عليهم المهلة وتمادى عليهم الأمد وتغيّرت الشرائع والأحكام وتنوسيت الأديان وتركوا ما عُهِد إليهم وما أمرهم الله تعالى به (وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا) فتطاول عليهم العمر ونسوا كثيراً مما ذُكِّروا به وأُعطوا. (وَمَا كُنتَ) أيضاً يا محمد (ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) ثوى بالمكان يعني أقام وبقي فيه، ما كنت مقيماً كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم وتقصّ عليهم من جهة نفسك هل جلست أنت يا محمد في مدين؟ ما جلست، إذاً من أين جاءك هذا العلم وهذه الأخبار وهذا القصص عن موسى إلا من رب العالمين عن طريق الوحي؟ (وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) تقرأ على أهل مدين آياتنا وتتعلّم منهم أو تذكّرهم الوعد والوعيد (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أرسلناك بالحقّ إلى أهل مكة وإلى هذه الأمّة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا إخبارنا لك لما علمت بشيءٍ من ذلك.

(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا) أيضاً (الطور) الجبل المسمى بالطور وإن كان ابن كثير أورد الفرق بين الجبل والطور أن الطور هو الجبل الذي يكون عليه نبات مثل الذي كلّم الله عليه موسى وأرسل منه عيسى وأما إذا لم يكن عليه نبات فلا يسمى طوراً وإنما يقال له جبل. (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا) إذ نادينا موسى لما أتى للميقات مع السبعين رجلاً (وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) فعلنا ذلك رحمة منّا بكم وعلّمناك وعرّفناك (لِتُنذِرَ قَوْمًا) وهم العرب وأهل مكة (مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

(وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) مصيبة مثل ماذا؟ القحط، موت مواشيهم، نزول العقوبة بهم، أيّ مصيبة تنزل بهم. (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) يعني لولا أنهم يحتجّون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم إما العقوبة قحط أو استئصال أو اي عقوبة من العقوبات فـ(لولا) هذه هي الامتناعية (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ) مثل قوله تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء). وبعض المفسرين يقولون هنا تقدير (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) لعاجلناهم بالعقوبة. (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) أي هلّا أرسلت لنا رسولاً من عندك (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بهذه الآيات. يعني كأن الله جل وعلا يقول لو عذّبناهم لقالوا طال العهد بالرسل وما جاءنا رسول، ما أرسلت إلينا رسولاً ويظنون أن هذا عذر وهذا ليس بعذر لأنهم بلغتهم أخبر الرسل، عندهم أخبار الرسل ولكن من باب إقامة الحجة وإزاحة العِلّة أتمننا الأمر ببعثك يا محمد e يعني كأنه هنا يوجد بيان أن أهل الجاهلية ما لهم عذر، لماذا؟ لأن عندهم بقايا دين ابراهيم الخليل عليه السلام لكن مع ذلك تمّم الله الأمر ببعثة محمد e ولهذا قال الله جل وعلا (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا) جاءهم الرسول محمد e بالآيات البينات الواضحات ونزل القرآن قالوا تعنتاً منهم وجدالاً بالباطل هلَّا أوتي هذا الرسول مثل ما أوتيَ موسى من الآيات التي من جملتها التوراة التي نزلت عليه جملة واحدة قال الله (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ) قبل هذا القول أو من قبل ظهور نبوة محمد e كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم وكأن السياق والخطاب ينصّ على أناس من أهل الكتاب لأن بين أهل الكتاب وبين المشركين وجوه شبه وبينهم سؤالات ولهذا هنا دائماً يقترحون كما قالوا (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) الزخرف) قال الله (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ (32) الزخرف). وهنا يقول الله (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) يقصدون محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام والتظاهر يعني تعاون على السحر موسى سحر في وقته ومحمد سحر في وقته ولهذا لما طلبوا انشقاق القمر قال الله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) القمر) ولاحظ سبحان الله تشابه قلوب الكافرين الآن فرعون وقومه يقولون لموسى أنت ساحر وفعلك سحر وكفار قريش يقولون لمحمد e نفس الكلام (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) المدثر) تشابهت قلوبهم، وهنا يقولون (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) يقصدون موسى ومحمد. (قَالُوا سِحْرَانِ) يعني ساحران تظاهرا يعني تعاونا على السحر وقالوا (وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) الخطاب هنا لليهود. (قَالُوا سِحْرَانِ) وفي قرآءة جمهور القراء (قالوا ساحران) فالآية فيها قراءتان سحران وساحران. (تَظَاهَرَا) (وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) يعني بكل من موسى ومحمد أو من موسى وهارون أو من موسى وعيسى على اختلاف الأقوال. المهم أن هذه الآية الكريمة تدل على تشابه قلوب الكافرين في ردّ دعوة المرسلين. قال الله (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) قل لهم يا محمد فأتوا بكتاب (مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا) أهدى من التوراة ومن القرآن (أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) إن كنتم صادقين فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين. قال الله (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) لم يفعلوا ما كلّفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ) يعني آراءهم الزائفة وما هناك شيء أخطر على الإنسان من إتباع الهوى ولهذا سُمّيَ الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه وقالوا الهوى هو الهوان سُرقت نونه. وقد تعددت الآيات الكريمة في كتاب الله I في الدلالة على أن اتّباع الهوى من أخطر ما يكون على العبد كما قال الله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) الجاثية) وقال (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ (26) ص) وقال (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ (23) النجم). ما هناك أخطر على الإنسان من إتباع هواه يقال له هذا الدليل الشرعي ثم يحيد عنه، يقال له هذا الدليل من القرآن والسنة ما يقبل، يتّبع الهوى. وقد جاء في الحديث ثلاث مهلكات هوى مُطاع وشُحٌّ مُتَّبَع وإعجابُ المرء بنفسه أو برأيه. (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) ما هناك أضلّ من أحد يتّبع هواه بغير هدى من الله لأنه إذا جاء الهدى زاحم الهوى. (بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) لأنفسهم بالكفر وتكذيبهم المرسلين.

 

ثم قال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) يعني أتممنا لهم القول، لمن؟ للكفار، وصلّنا لهم القول وتممنا القول لهم وتابعنا الآيات وعرضنا من الحجج والبراهين لعلهم يتذكّرون فيكون التذكُّر سبباً لإيمانهم مخافة أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) الذين آتيناهم الكتاب الذين هم أهل الكتاب، (مِن قَبْلِهِ) الذين هم اليهود (مِن قَبْلِهِ) من قبل القرآن (هم به يؤمنون) هناك طائفة من بني اسرائيل آمنوا بالقرآن وهم عبد الله ابن سلام وغيره كما قال الله عز وجل (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) الأحقاف) فعبد الله بن سلام وسائر من أسلم من أهل الكتاب هؤلاء منّ الله عليهم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) وقيل إن الضمير في (به) يرجع إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وإذا رجع الضمير للقرآن فمن باب أولى أن يدخل في هذا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. (يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ) يعني إذا قرئ القرآن عليهم قالوا صدّقنا بالقرآن (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) يعني مخلصين لله جلّ وعلا بالتوحيد أو مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به لأننا نعلم صفته ونعته في كتابنا في التوراة كما قال الله عز وجل (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ (146) البقرة) وقال الله جل وعلا (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (6) الصف) فالتوراة والانجيل كلها بشّرت برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ذكرته بصفته فيقول (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) هؤلاء قال الله (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) كيف يؤتون أجرهم مرتين؟ لأنهم آمنوا بالكتاب الأول والكتاب الآخر وبالنبي الأول والنبي الآخر (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قال "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ومنهم رجلٌ من أهل الكتاب آمن برسوله وأمن بي". (بِمَا صَبَرُوا) الباء هنا للسببية أي بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتابين وبالرسولين (وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) الدرء هو الدفع يعني يدفعون بالإحتمال والكلام الحسن جميع ما يلاقونه من الأذى ويدرأون كما قال الله عز وجلّ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (96) المؤمنون). (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) أي ينفقون أموالهم في طاعة الله عز وجل وفي ما أمر به ثم مدحهم بأنهم أناس يُعرِضون عن لغو الكلام وما يسمعونه من الكلام السيّء أو السَّبّ أو الشّتم كما قال تعالى عنهم (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) الفرقان) وقال (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) المؤمنون) فقال هنا (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) صدّوا عنه تأدّبوا بآداب الشرع حتى إذا سمعوا من المشركين السَبّ والشتم لدينهم والإستهزاء بهم قالوا لهم (وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ). (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) وليس المراد من السلام هنا التحية ولكن المراد به سلام المتاركة لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول "لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام" فهنا المراد سلام المتاركة معناه أمنةً لكم وسلامةً لا نجازيكم ولا نجاوبكم على سبّكم وعلى شتمكم وما إلى ذلك، (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) لا نطلب صحبتهم. وقوله هنا (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) كل من عصى الله فهو جاهل، ما الدليل؟ (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ (119) النحل) فكل من عصى الله فهو جاهل إما أن يكون جاهلاً بالحكم الشرعي، أو يكون جاهلاً بعظمة الرب جلّ جلاله وتقدّست اسماؤه. (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) والجهل من أضرّ ما يكون على الإنسان لأن الجهل هو من أعظم الأسباب في وضع المسلمين الآن، المسلمون اليوم يعانون من الضعف والقلّة والذّلّة والتخلُّف في أشياء كثيرة لا بسبب دينهم ولكن بسببهم هم، بسبب الجهل. كثير من المسلمين اليوم جهلوا كتاب الله سبحانه وتعالى، جهلوا تفسير كتاب الله، جهلوا سنة النبي e، جهلوا الأخذ بأسباب القوة (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) كل شيء في القرآن يعني لو تدبرنا القرآن الكريم وعملنا بما فيه صلُحَت أمور ديننا ودنيانا، الله سبحانه وتعالى قال في أسباب القوة (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) الأنفال) وقال (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) المائدة) وقال (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ (38) الأنعام) وقال (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (91) الأنبياء) قال (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ (78) الحج) انظر الآن في وضع كثير من المسلمين اليوم تفرّقوا شيعاً وأحزاباً كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون. فهذا الجهل، الجهل بكتاب الله، الجهل بتفسيره، الجهل بتطبيقه وتدبره والعمل به هو الذي أدى بالمسلمين إلى هذه الحالة ولا فلاح ولا نجاة للمسلمين أفراداً وجماعات حكومات وشعوب إلا بالرجوع إلى هذا القرآن الكريم والعمل بما فيه وتحكيمه والتحاكم إليه في جميع شؤون الحياة كما قال النبي u"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي". بل قال الله جلّ وعلا (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) طه) وقال جلّ وعلا (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة). الآن هجوم أعداء الإسلام على الإسلام بسبب الجهل، وضعف المسليمن بسبب الجهل، تكاثر النوازل والكوارث على المسلمين بسبب الجهل. الآن بعض الناس يقول نحن في عصر العلم، في عصر العلم لكن علم جانب دون جانب أما العلم الشرعي فلسنا في عصر العلم صراحة! الأسباب المادية، نعم، قال (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم) قال الحسن البصري "والله إنه ليبلغ بأحدهم أن يقلِب الدرهم على ظُفْرِه فيخبرك بوزنه وما يحسن كيف يصلي". وهذا واقع كثير من الناس اليوم أنه يعلم أمور الدنيا دقائق أحوال أمور الدنيا ولكنه لا يعرف من أحكام دينه ولا عشر معشار ما يعرفه من أحكام الدنيا! يعرف من أحكام الدنيا الشيء الكثير أما أحكام الدين فلا يعرف عشر معشار ما يعرف من أحكام الدنيا! 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل