حرّك قلبك بمعاني العبودية في الفاتحة

حرّك قلبك بمعاني العبودية في الفاتحة

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 في زيارة للمسجد النبوي قبل أعوام عجبت لإمام الحرم المدني وهو يبكي عند قرآءة سورة الفاتحة وتساءلت في نفسي ما الذي وقر في قلبه وهو يقرأ آيات هذه السورة التي اعتدنا قرآءتها يومًا بعد يوم ولم أتوصل حينها لإجابة على سؤالي لأني لم أكن بعد قد بدأت رحلة التدبر لآيات القرآن العظيم. وعندما قرأت في السورة وهداياتها ومضمونها ومقاصدها ودلالاتها وبديع بيانها ونظمها وترتيب كلماتها وآياتها وحقيقة أنها مناجاة بين العبد وربه أدركت شيئًا يسيرًا مما أبكى إمام الحرم وهو يتلوها فقد وقع في قلبه أنه عبد لله تعالى يعبده وفق منهجه الذي شرعه له يتقرب إليه بأسمائه وصفاته التي عرّفه بها، أحبه فخافه وخافه فرجاه فبكى حبًا وشوقًا لله رب العالمين الرحمن الرحيم وبكى خوفًا من الله مالك يوم الدين...

فمقصد سورة الفاتحة:

1.      التعريف بالمعبود تبارك وتعالى

2.      ثم بيان طريق العبودية لله

3.      ثم بيان أحوال الناس مع طريق العبودية

والعبودية لله تعالى هي أرقى وأشرف العبوديات لأنها العبودية الوحيدة التي تُخرج الناس من أغلال كل عبودية أرضية إلى عبادة رب العباد سبحانه جل في علاه. وقد ذكرت بالأمس أن العبودية بشكل عام إما أن تكون محبة وإما خوفًا وإما رجاء أما عبودية البشر لرب البشر فهي عبودية ينبغي أن تقوم على هذه الثلاثة مجتمعة فهي عبودية حب وخوف ورجاء معًا. وسورة الفاتحة جاءت لتعرّفنا بالمعبود سبحانه وتعالى وتبين لنا وتوضح الطريق الذي ينبغي أن يسلكه العابدون كما شرع المعبود جلّ وعلا لا كما يشاؤون هم ولأن هذا الدين دين واقعي لا دين نظريات وفلسفات في عالم خيالي لا يمكن إدراكه فهو يعرض لنا نماذج ممن سلكوا هذا الطريق الذي رسمه المعبود سبحانه للعابدين في كل زمان ومكان فاستقاموا عليه حتى بلغوا ما وعدهم الله تعالى من الجزاء الدنيوي والأخروي. وحتى نستشعر حقًا معنى العبودية لله تعالى علينا أن نعي حقيقة العبودية لغيره فكم نقع فيها من غير أن نشعر فتُخرجنا من جمال العبودية لله تعالى بقدر وقوعنا في عبودية غيره.

إن عبودية الإنسان للإنسان عبودية ذلّ وهوان لا منفعة فيها للإنسان بأي وجه من الوجوه وهي امتهان لكرامته وإنسانيته وهي عبودية مقرونة بخوف من الآخر وهي عبودية مقيتة يدفع العبيد للتحرر منها أرواحهم في كل زمان ومكان.

وعبودية الإنسان للإنسان قد تكون بدافع الحب من غير أن يدري فهذه عبودية العشّاق بعضهم لبعض فيفعلون ما يحبه الآخر حتى لو لم يكن فيه نفع له وهذه العبودية المبنية على الحب فقط قد تودي بصاحبها إلى الضياع والفساد لأنه لا حدود تمنعه من إرضاء من يحب وهذا في بعض الأحيان نجده في علاقة الأهل بأولادهم فهم قد يفعلون أي شيء بدافع الحب حتى لو كان محرّمًا فهذا نوع من العبودية المادية أيضًا.

وقد تكون العبودية بدافع الرجاء في الطرف المعبود كحال الأبناء مع والديهم فهم يعلمون مسبقًا أن الوالدين يحبونهم حبًا جمًا ومهما فعلوا وأخطأوا وقصّروا فإنهم يرجون منهم الصفح والتغافل عن الأخطاء فيصل بهم الأمر لدرجة التطاول وقد يصل للعقوق إذا خرج الأمر عن حدّه.

أما عبودية الخلق لله سبحانه وتعالى فهي العبودية الوحيدة التي ترتقي بالعابد إلى أعلى درجات الحرية والقُرب من المعبود فتكسر كل قيود الذلّ والهوان البشري وتحطم أغلال العشق الأعمى الذي يترك المرء على غير هدى ويقوده إلى الضلال وتستبدل الرجاء بمن لا يملك من أمره شيئا إلى الرجاء والطمع بمن بيده كل شيء وبمن يقدر على كل شيء وبمن يمنح كل شيء ويعفو ويصفح ويغفر ويتجاوز ويحلُم ويهب ويعطي عطاء غير ممنون...

هذه هي العبودية التي شرعها الله تعالى لنا في سورة الفاتحة عبودية واضحة المعالم، واضحة الأهداف، واضحة المقاصد، سبيلها صراط مستقيم، تحفّه عناية الله تعالى وهدايته للسائرين السالكين عليها حتى يرتقوا بقلوبهم إلى حب المعبود والخشية منه والخوف من غضبه وعذابه ورجاؤه. وكيف لا ترقى قلوبهم وما الحب والخوف والرجاء إلا عبادات قلبية والقلب هو ملك الجوارح وسلطانها إذا عبد المعبود بحق عبدت جوارحه فصار عابدًا لله تعالى بمقتضى كمال محبته له سبحانه وتعالى وكمال رغبته فيما عنده وكمال رهبته وخشيته منه سبحانه جل في علاه وكان ممن قال رب العزة عنهم (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90] (تتجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: 16].

فأصل المحبة كلها في (الحمد لله رب العالمين) وأصل الرغبة كلها في (الرحمن الرحيم) وأصل الخوف كله في (مالك يوم الدين) وأصل الرجاء في (اهدنا الصراط المستقيم) وأصل التسليم للمعبود في (إياك نعبد وإياك نستعين).

باختصار، حرّك قلبك وأنت تقرأ الفاتحة:

اعرف ربك (الحمد لله رب العالمين * الراحمن الرحيم * مالك يوم الدين) أيها العبد تعرّف على ربك المعبود سبحانه

عرفته؟ إذن اعبده (إياك نعبد)

عبدته؟ إذن استعن به وحده فهو سبحانه المعين لك، تبرأ من حولك وقوتك والجأ لمن بيده مفاتيح قلبك فإنك أيها العبد لن تطيع الله إلا بإذنه هو وحده جلّ جلاله فلا تتوقف عن الاستعانة بالله أبدًا.

استعنت به؟ اطلب منه الهداية (اهدنا الصراط المستقيم) فإنك لن تهتدي إلا إذا هداك الله (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)

طلبت الهداية؟ استبشِر بالنعمة (صراط الذين أنعمت عليهم)...

هنيئًا لمن قرأ سورة الفاتحة بقلبه متنقلًا بين أفيائها من رحمة الله إلى هدايته إلى نعمه، جعلني الله وإياكم ممن أنعم الله عليهم برحمته وهدايته ومعونته.

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك واجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك واجعلنا ممن يدعوك خوفًا وطمعًا وخيفة وخفية ورغبًا ورهبًا وحرر قلوبنا من كل ما يصرفنا عن عبوديتك ولا تعلٌقها إلا بك ولا تُخضعها إلا لجلالك لتكون قلوبًا لينة سهلة منقادة لأوامرك مؤمنة خاضعة لك خاشعة متضرعة مستسلمة سليمة من كل عبودية لبشر أو هوى أو شهوة أو متاع زائل...

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك..



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل