تفسير سورة القصص - 2- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة القصص - 2

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) .

نبتدئ بقول الله تبارك وتعالى عن موسى u (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) , (عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) أن يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين. ولما ورد ماء مدين لما وصل موسى عليه السلام إلى مدين ووصل الماء الذي يستقون منه (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وجد جماعة من الناس كثيرة يسقون مواشيهم من هذه البئر من ماء مدين (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ) من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها أو في موضع أسفل منهم وجد (امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ) أي تحبِسان أغنامهما حتى يفرَغ الناس من السقي فتسقيان ويخلّو بينها وبين الماء. والذَوْد هو الدَفع والحبس فهاتان المرأتان يكفون أغنامهن حتى ينتهي الناس فإذا انتهى الناس من السقي سقتا أغنامهما، فهذا الموقف استرعى انتباه موسى عليه الصلاة والسلام ما هو السبب الذي جعل هاتين المرأتين تحبسان أغنامهما حتى ينتهي الناس ثم بعد ذلك يحاولن أن يسقين بعد؟ كأنه انتبه لهذا. المعروف أن الإنسان إذا جاء إلى الماء يُطلق غنمه على الماء مباشرة لكنهما لما أقبلتا على الماء ذادا الغنم، وقفتا، فموسى مباشرة قال (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا) ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب الشأن (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء) إن عادتنا التأنّي حتى يُصدِر الرعاء يعني حتى ينتهي الناس ويصدروا عن الماء وينصرفوا حذراً من مخالطتهم أو عجزاً عن السقي معهم. فهاتان المرأتان إما أنهما لا تحبان مزاحمة الناس لأن الأصل في المرأة أنها لا تزاحم الرجال أو أنهما لا تقدران على مزاحمة الناس لضعفهما فموسى مباشرة قام بكل أمانة وجِدّ ومساعدة لضعف النساء فسقى لهما. هما قبل ذلك بيّنتا السبب، قد يقول قائل أليس عندكم أحد يأتي بأغنامكما ويغشى مواقع الرجال؟ اعتذرتا فقالتا (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) طاعن في السن ما يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر فلهذا احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم بعملنا. فموسى رحمةً لهما سقى لهما أعانهما على هذا الأمر وسقى لهما فلما فرغ من سقيه لهما تولّى إلى الظل، انصرف إلى ظلّ شجرة وجلس فيه ثم قال نظراً لما أصابه من الجهد والتعب وهو مطارد وقادم من سفر ومُجهد وجائع قال (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) أيّ خير كان، فقير محتاج لذلك الخير إما الطعام أو غير الطعام. فلما دعا بهذا الدعاء رجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما فسألهما، فأخبرتاه الخبر أنه جاء إنسان وسقى لنا، إنسان قوي أمين. فقال أبوهما انطلقا، قال لإحداهما انطلقي فادعي هذا الرجل. (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) كما قال عمر t قال "جاءت بخمارها قائمة ليست بسَلْفَع خرّاجة ولاّجة وإنما هي جاءت على استحياء" السلفع المرأة الجريئة السليطة، لكن هذه لا، هذه بنت رجل صالح. هل هو شعيب النبي أم غيره؟ بعض المفسرين قال إنه شعيب النبي لأن شعيب من أهل مدين وموسى توجه تلقاء مدين وهم قالوا لأن موسى رعى الغنم عند شعيب النبي لكن الذي يظهر والله أعلم أن هذا قول ضعيف لأن شعيباً قال لقومه (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89) هود) وقوم لوط زمنهم قريب من زمن الخليل عليه الصلاة والسلام وبين موسى وبين الخليل ما يقرب من أربعمائة سنة وموسى اشتغل عند شعيب يرعى الغنم عشر سنوات ولا هناك دليل لا من القرآن ولا من السُنّة يدلّ على أن هذا الرجل الذي اشتغل ورعى الغنم عنده موسى عليه الصلاة والسلام ما هناك دليل يدل على أنه شعيب النبي فلهذا كان الأرجح أنه رجل صالح ولهذا بعض العلماء إذا أراد أن يعبّر يذكر الموضوع يقول: فتزوج موسى إحدى ابنتي الرجل الصالح، ما يقول شعيب لأنه لا يجزم أن يكون شعيب ومعلوم أنه لا بد من دليل وكما قلنا الفارق الزمني كبير وما هناك دليل على أنه شعيب. المهم أنها جاءت على استحياء والمرأة عنوانها هو الحياء، الحياء يحتاجه الرجال والنساء لكن حاجة المرأة إلى الحياء أعظم وأشدّ والمرأة إذا خلعت جلباب الحياء لا خير فيها، فهو عنوان شرف المرأة أن تكون حيّية ستّيرة. هذه جاءت تمشي على استحياء، هذه واحدة، والثاني جعلت الدعوة على لسان أبيها (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) لتبتعد عن الريبة لم تقل له تعال أيها الرجل نريدك وإنما قالت (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) ثم بيّنت السبب (ليَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) فانظر أدبٌ في اللفظ وأدبٌ في الخُلُق وأدبٌ في اللِّباس كما قال عمر t . فمشى موسى (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) قال لها إمشي خلفي وأرشديني إلى الطريق. قال بعض المفسرين مشت أول الوقت أمامه فالتصق جلبابها أو ثوبها بجسمها فقال موسى اِمشي خلفي وأنا أمشي أمامك وأرشديني إلى الطريق ففعلت. طبعاً هي قالت (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) قال أبوها ما رأيت من قوته وأمانته؟ فأخبرته بالذي كان قالت أما قوته فإنه قلب الحجر وحده وكان لا يقلبه إلا مجموعة من الناس، وأما أمانته فإنه قال اِمشي خلفي وأنا أمشي أمامك وأرشديني إلى الطريق. (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٥﴾) أخبره بالخبر وأنه فرّ من فرعون وبعدما قتل القبطي إلى أن وصل قال له هذا الرجل الصالح (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) نجوت من فرعون وأصحابه لأنك الآن في بلدنا وفرعون ليس له سلطة على هذا البلد الذي نعيش فيه، فرعون سلطته على مصر فقط. (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) ليرعى الغنم وهذا دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة (استأجره) ومتفق على جوازها ومشروعيتها بين أهل العلم. (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) فهو حقيقٌ باستئجاره لأنه جمع بين القوة وبين الأمانة، سألها فأجابت بما سبق. (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) وهذا فيه دليل على مشروعية عرض وليّ المرأة لها على الرجل الصالح وهذه سُنّة ثابتة وقد جاء في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب t عرض ابنته حفصة على أبي يكر الصديق فلم يردّ عليه ثم عرضها على عثمان فقال إني بدا لي أن لا أتزوج فوجد عمر في نفسه على أبي بكر لأنه ما ردّ عليه ولم يجد في نفسه على عثمان لأنه رد عليه أعلمه أنه لا رغبة له أن يتزوج فلما تم مدة من الزمن خطب النبي e حفصة بنت عمر فتزوجها، في رواية أن عمر شكا ذلك للنبي e أني عرضت ابنتي على أبي بكر فما رجع بشيء فقال يرزق الله حفصة خيراً من أبي بكر ويرزق الله عثمان خيراً من حفصة فعثمان تزوج ابنتي الرسول عليه الصلاة والسلام تزوج البنت الثانية، رقية وأم كلثوم والنبي e خطب حفصة فتزوجها. ثم بعد الزواج قال أبو بكر لعمر أظنك وجدت في نفسك أني ما رددت إليك لما عرضت عليّ حفصة، إني سمعت النبي e يذكرها فكرِهت أن أفشي سِرّ رسول الله e وكرِهت أن أتقدّم بين يديه، انظروا الأدب! أبو بكر يقول علمت أن الرسول e في باله أن يخطب حفصة فأنا أكره أن اقول لك قبل أن يتقدّم وفي نفس الوقت ما أحب أن أفشي سر الرسول e وفي نفس الوقت أيضاً ما أحب أني أتقدم فأقبل منك أن تزوجني حفصة وقد ذكرها النبي e. وفي هذا أخبار كثيرة فلا بأس أن الإنسان إذا رأى من شخص ثقة وأمانة وعقلاً وديناً أن يعرض عليه بنيّته إما مباشرة وإما بأسلوب آخر أن يوصي أحدهم يقول له قل لفلان بطريقة أو أخرى أنه ما عندي مانع أن أزوجه ابنتي، فهذا الرجل الصالح يعرض على نبي الله موسى u إحدى ابنتيه وقد عرضت بعض النساء نفسها على النبي e فلم يكن في هذا شيء لم يعلِّق الرسول e بأن هذا أمر فيه خلل، إذن فهو سنة ثابتة.

اتفق موسى مع الرجل الصالح (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) حجج يعني سنين ترعى غنمي ثماني سنين وأزوجك ابنتي (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) إن كنت تريد أن تتمم عشر سنين فهذا تفضّل منك لا إلزاماً مني لك، لا ألزمك بعشر، الذي بيني وبينك ثمان وإن أتممت عشر فهذا تفضّل منك يا موسى. (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) ما أريد أن ألزمك إتمام العشر أعوام لكن (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فاقبل الإجارة التي أجرتك عليها لأني إنسان صاحب حسن صحبة ووفاء ولن يأتيك مني إلا كل خير فلما فرغ الرجل الصالح من كلامه قرره موسى فقال (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) وهو التعاقد هذا والاتفاق (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) موسى u أخذ لنفسه احتياط أنه يمكن ما يتمم عشر بمعنى لا تلومني إن لم أتمم عشر، الأجل إما ثمان أو عشر (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) لا ظلم عليّ بطلب الزيادة على ما قضيت من الأجلين فأنا لا أنقص عن ثمان لكن لا تطالبني بالزيادة على الثمان. (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) الله حفيظ وشاهد بيننا. أيهما قضى موسى؟ عشر أو ثمان؟ قال سعيد بن جبير كما في صحيح البخاري: سألني يهودي من أهل الحيرة قال لي أيُّ الأجلين قضى موسى؟ قلت لا أدري حتى آتي حبر العرب عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب ابن عم الرسول e حبر الأمة وترجمان القرآن قال فأتيت إلى ابن عباس فسألته وقلت أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. فموسى قضى العشر، كمّل عشر سنوات فلما تمّت العشر سنوات وهو يرعى الغنم أخذ زوجته ثم انطلق، قال الله جلّ ذكره (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) كمّل عشر سنوات وهو يرعى الغنم لهذا الرجل الصالح الذي قيل إنه شعيب. (وَسَارَ بِأَهْلِهِ) إلى مصر وهذا دليل إلى أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء إذا تزوج، هو أملك بأهله، بعض الناس يشترط أنه إذا تزوج لا يخرج بأهله من البلد يقول ابنتي لا تخرج من البلد، إذا تزوج الرجل هو أملك بأهله لأن طاعة المرأة لزوجها أوجب من طاعتها لأهلها، لأبيها، فموسى أخذ زوجته وانطلق متجهاً إلى مصر (آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) أبصر من الجهة التي تلي الطور ناراً وقد تقدّم هذا في سورة طه ما يتعلق بهذا الأمر (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) وكان في وقت الشتاء (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يعني آتيكم بجمرة أو قطعة من النار قطعة غليظة من الخشب يكون في طرفها نار، المهم أن الجذوة الجمرة في لغة العرب، وفي سورة النمل (أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) يعني تستدفئون وهنا (لعلكم تصطلون) وكانوا محتاجين إلى الدفء ومحتاجين إلى أحد يرشدهم إلى الطريق. (فَلَمَّا أَتَاهَا) أتى التي يظنها ناراً أبصرها من بعيد رأى شجرة تتوقد نوراً وتتلألأ ثم (نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ) من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة لموسى يعني الذي يلي يمينه دون الذي يلي يساره يعني يمينه هو، وشاطئ الوادي هو طرف الوادي. (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) البقعة المباركة التي هي مكان الطور (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) طه) (أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه وفي سورة طه (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾) موسى u أُمِر بعد ذلك أن يلقي عصاه فألقى عصاه (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) وهي تهتز كأنها جانّ في سرعة حركتها مع عِظَم جسمها - وسبق هذا في أول سورة النمل- ولّى مدبراً منهزماً مسرعاً ولم يعقّب لم يرجع فنودي (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) في آية النمل (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)). (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) لما ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى، هذه آية، بقي آية ثانية (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أمره الله سبحانه وتعالى بالآية الثانية (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) من غير برص أمره الله أن يدخل يده في جيبه وكان موسى –كما قلنا-أسمر كان آدَم يعني أسمر كما في صحيح البخاري فإذا أدخل يده وخرجت تتلألأ نوراً مع سُمرة لونه سيكون لها بريق ولمعان وهذه الآية الثانية، من غير سوء من غير برص تتلألأ يده نوراً واليد كما في القاموس هي الكف تتلألأ نوراً بيضاء من غير سوء بدون برص، هذه الآية الثانية. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) أمره الله أن يضمّ يده إلى جنبه أو يضع يده على قلبه حتى يسكن روعه قالوا وهذه عادة كل خائف، كل خائف يضع يده على قلبه فيسكن خوفه فأُمِرَ موسى u أن يسلك يده في جيبه والثاني اضمم إليك جناحك والثالثة أدخل يدك في جيبك. ويجوز أنه لو وضع يده على صدره يصير عنده تجلد أكثر وقوة. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) من أجل الرهب والخوف الذي مرّ بك. (فَذَانِكَ) إشارة إلى اثنتين العصا واليد (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) حجّتان نيّرتان ودليلان واضحان من ربك إلى فرعون فأنت يا موسى ستذهب إلى فرعون معك العصا وهي آية ومعك اليد وهي آية (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ). هل فقط ما أعطي موسى إلا هاتين الآيتين فقط؟ لا، مضى معنا قول الله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (101) الإسراء). (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) متجاوزين الحد في الظلم خارجين عن طاعة الله عز وجل.

 

قال موسى u (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) مرّ علينا آية في الشعراء قريبة من هذا المعنى: فرعون قال لموسى (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)) هنا اعتذر موسى (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) القبطي الذي وكزه موسى ضربه على صدره فمات وما تعمّد موسى أن يقتله فأخاف أن يقتلوني بها بهذه النفس (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) لأنه كان في لسان موسى حَبْسَة كما تقدّم في الشعراء وطه أيضاً. (أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) والفصاحة خلوص الكلمة عن تنافر الحروف والغرابة فيكون الإنسان طليقاً في الكلام. (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) أرسل معي أخي هارون معيناً لي (يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجّة. قال الله تعالى (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) نقوّيك به (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) حجّة وبرهاناً أو تسلّطاً عليه وعلى قومه (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة فلا يصلون لا إليك ولا إلى هارون. (بِآيَاتِنَا) بحججنا وبراهيننا (أَنتُمَا) يا موسى ويا هارون (وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ). (فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ) واضحات (قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى) نفس حجج المبطلين في كل زمان ومكان! (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الْأَوَّلِينَِ) الذي جئت به من دعوى النبوة أو ما سمعنا بهذا السحر (في آبَائِنَا الْأَوَّلِين) فنحن لا نقبل دعوتك وفي آية أخرى (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ (58) طه)، هنا الآية الكريمة طوت ما جرى من كون فرعون أرسل في المدائن حاشرين واجتمعوا لأن هذا ذُكِر في سور متعددة فطوي ذِكْره لأن المقصود التذكير بهذه القصة العظيمة. ثم قال الله تبارك وتعالى (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي) قال (ربي) ما قال "الله" إشارة إلى أن فرعون ليس رباً لموسى ولا لغير موسى، هذه واحدة. الثانية إشارة إلى أنه وليي وناصري ومعيني (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ (101) يوسف) كما قال يوسف عليه السلام. قال ربي، (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ) يريد نفسه عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرّح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحُجّة. (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الله جلّ وعلا هو أعلم من هو الذي جاء بالحق والهدى والنور من عنده الذي هو موسى u، وهو جل وعلا أعلم بمن تكون له العاقبة المحمودة (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) لا يفلح لا يفوز بمطلوب خير، الفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) لا يفوز أهل الظلم والكفر بمطلب خير ويجوز أن يكون المراد بعاقبة الدار التي هي خاتمة الخير، كأن موسى u في كلامه هذا هو يبيّن الحق الذي بعثه الله به وفي نفس الوقت يهدّد فرعون وملأه يهدّدهم يقول فستعلمون من تكون له عاقبة الدار، ستعلمون لمن تكون العاقبة المحمودة ستعلمون ماذا تكون النتيجة فكانت النتيجة أن أغرق الله فرعون وجنده وملأه، هذه هي النتيجة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل