تفسير سورة النمل- المجلس الأخير- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة النمل - المجلس الأخير

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿٦٧﴾ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٦٨﴾ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿٦٩﴾) .

قال الله تبارك وتعالى بعدما ذكر أن المشركين في شكٍّ من البعث وأنهم عَمون عن النظر في دلائل البعث التي نصبها الله جلّ وعلا لهم، مثل ماذا دلائل البعث التي جعلت لهم؟ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فصّلت) وغيرها. بيّن جلّ وعلا لما ذكر أنهم يشكّون بالبعث وأنهم قد عَميَت أبصارهم وقلوبهم عن النظر في الأدلّة، أراد أن يبيّن جل وعلا أن غاية شبهتهم، ما هي؟ مجرد استبعاد إحياء الأموات بعدما صاروا تراباً، هذا مجرد الشُبهة التي عندهم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) يعني استنكروا واستبعدوا كما قال في آية أخرى في أول سورة ق قال الله تبارك وتعالى (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) الشيء التي تأخذه الأرض منهم تنقصه موجود (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) مختلط، وهنا قال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أحاديثهم وأكاذيبهم الملفّقة، لكن الله بعد ذلك أوعَدهم على عدم قبولهم ما جاءت به الرسل والأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذِّبة بالرسل كيف عوقبوا كيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام الذين كذّبوا المرسلين قال الله (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) الذين كذّبوا ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. ما معنى النظر هنا؟ أنهم يشاهدون آثارهم بالبصر لأنه المشاهدة تزيد من الاعتبار. هل مرّت بنا آية تدل على أنهم ينبغي أن يشاهدوا إذا مرّوا بعض الديار من الأمم المكذِّبة؟ مرّ بنا ذلك (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) هذه مرّت بنا قريباً، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) السبيل هو الطريق (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) فهنا (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ).

ثم قال الله وهذا نوع من التسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لا تحزن عليهم لما وقع منهم من ردّ دعوتك والإصرار على الكفر (وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ) في حَرَج من مكْرِهِم (وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) كما قال الله في سورة النحل.

ثم قال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) أي العذاب الذي تعِدُنا به (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في هذا الوعد في يوم القيامة. قال الله قُل يا محمد لهم (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) قُل يا محمد لهؤلاء الكفار قُل لهم عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعَدون (رَدِفَ لَكُمْ) يعني تَبِعَكُم ولَحِقَكُم أو اقترب لكم وَدَنا منكم (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) تقول فلان جاء ردِف فلان يعني جاء عقيبه أو بعده مباشرة أو خلفه أو في أثره (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) من العذاب يعني، هل عُجِّل عذابهم؟ إن كان عذاب دنيوي، إن كان المراد ما جرى لهم يوم بدر فقد عُجِّل. ثم ذكر الله جل وعلا نعمته وفضله في تأخير العذاب فقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) في تأخير العقوبة كما قال سبحانه في خاتمة سورة فاطر (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)).

(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) لا يشكرون فضله وإنعامه ولا يعرفون حقّ إحسانه ثم إنه جلّ وعلا مُطَّلِعٌ على ما في صدورهم فقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ما تُخفيه صدورهم وتستره، (وَمَا يُعْلِنُونَ) ما يُظهِرون من أقوال وأفعال كما قال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وقال (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) وقال (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) هود) والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً.

ثم قال جل وعلا (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) قال المفسِّرون ما من شيء غائب وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) يعني إلا هو مبيّن وموضّح في اللوح المحفوظ. مثل ماذا الغائبة في السماء؟ مثل المطر، السُحُب، ما يخفى علينا من النجوم، كُنهُ بعض الأشياء التي في السماء، ما في السماء من ملائكة إلا ما جاءنا الوحي بالخبر عنه وما لم يأتنا ما عندنا شيء، ما نعلم. أمور السماء التي تجري وما يجريه الله جلّ وعلا من أحوال وأوامر من أمره الكوني سبحانه وتعالى والقدري، والأرض كذلك ما فيها مما غاب في الأرض من الماء والأحياء والأموات، كل ما يخفى (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ومن جُملة هذا الغيب عذابهم هم الذي يستعجلونه، هم الآن يستعجلون العذاب فمن جملة ما غُيِّب هذا العذاب أجّلَه الله جلّ وعلا لحكمة يعلمها سبحانه وبحمده.

ثم قال جلّ جلاله وتقدّست أسمائه (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وذلك لأن أهل الكتاب تفرّقوا فِرَقاً، وتحزّبوا أحزاباً، يطعن بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل هذا القرآن مبيّناً لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا هذا القرآن لوجدوا فيه ما يرفع الخلاف. كذلك المشركون، كذلك العرب، كذلك قريش اختلفوا في أمور كثيرة لكن لو رجعوا إلى هذا القرآن لهُدوا إلى الحق  (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) وبخصوصهم (يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) وخصّ المؤمنين لأنهم هم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام ومثل وهب بن منبّه، ومثل كعب الأحبار وغيرهم، ومثل زيد بن سعنة. (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ) يا محمد (يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ) يعني يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من الحق فيجازي المُحِقّ ويعاقب المُبْطِل. (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي لا يُغالَب جلّ وعلا له عزّة القدر وعزّة القهر وعزّة الامتناع، (الْعَلِيمُ) الذي له صفة العلم ولا يخفى عليه جلّ وعلا من عباده خافية.

ثم بعد ذلك أمر الله جلّ وعلا نبيه محمداً u بأن يعتمد على ربه وأن لا يكترث بهؤلاء المكذبين قال (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)، (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) ما هو التوكل؟ التوكل اعتماد القلب على الله في جَلْبِ النفع وفي دفع الضُّر مع الثقة بالله وفعل السبب. والتوكل مرّ بنا كثيراً مرّ في القرآن في آيات سابقة وهو من أخصّ وأفضل صفات المؤمنين كما قال الله تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وقال (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) التوكل أنك تفوّض أمرك إلى الله جلّ وعلا في كل شيء ليس فقط في الرزق بل في كل شيء، تعتمد بقلبك على الله، تعلم أن الله لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، وأن الأمر أمره، والخلق خلقه، والحُكم حُكمه، وتفعل السبب، مجرّد أن تقوم بفعل السبب لكن ثقتك بالله جلّ وعلا عظيمة اعتماد قلبك على الله عظيم وقد قال النبي u « لو أنكم توكّلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً » يقول بعض السلف من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. تأمّل في حال الخليل عليه السلام ماذا قال لما ألقي في النار؟ قال حسبنا الله ونعم الوكيل، وقالها محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا له (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) .

قال الله (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) هذا هو التوكل على الله، وقال مؤمن آل فرعون (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)) قال الله (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)) وقال عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) قال ابن عباس رضي الله عنهما حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ). وفي ذكر أمره بالتوكل مع إخباره أنه على الحقّ دلالةٌ على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين، ما هما؟ أن يكون العبد على الحقّ في قوله وعمله واعتقاده ونيّته، وأن يكون متوكّلاً على الله واثقاً به فالدين كله كما يقول ابن القيم في هذين المقامين. ما هما؟ أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته، وأن يكون واثقاً من ربه متوكلاً عليه، يقول فالدين كله في هذين المقامين. فأمر جلّ وعلا بالتوكل عليه، وعقّب هذا الأمر بما هو موجبٌ للتوكل، مصححٌ له، مستدعٍ لثبوت التوكل وتحققه من القلب وهو قوله (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) لأن كون العبد على الحق يقتضي أن يتوكل على الله ما يتوكل على غيره، كونه يعتقد أنه على الحقّ يكتفي إذا اعتقد أنه على الحق فوّض أمره إلى الله هذا هو التوكل انتهى الأمر. هو يؤمن أنه يجب عليه أن يكون على الصراط المستقيم ويقيم عبودية الله سبحانه وتعالى، وإذا أقام عبودية الله اعتقد أنه ما يمكن أحد يجلب له خير إلا الله ولا يدفع عنه شرّ إلا الله هذا هو التوكل. (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) فإن كون الإنسان على الحقّ يقتضي أن يُحقِّق مقام التوكل على الله جلّ وعلا وأن يكتفي بالله لأنه يأوي إلى ركن شديد، ولهذا قال هود عليه الصلاة والسلام لقومه (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) لأنه إذا عُلِم أن حال هؤلاء المشركين مثل حال الموتى ما يستفيدون من المواعظ، ينزل القرآن ما يستفيدون، فالله جلّ وعلا سلّى رسوله وقال (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فحال هؤلاء المشركين كحال الموتى مثل ما عندك ميت تكلمه ما يستفيد هذا الميت ما يسمعك، فشبّه الله جلّ وعلا الكفار بالموتى الذين ليس لهم حسّ ولا عقل ولا إدراك. (لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) فهم إذا سمعوا المواعظ ما يجيبون داعي الله وخاصة إذا كان أصمّ ومُدبِر، أشدّ، لأنه لو كان مقبل وينظر إليك وهو أصمّ ينظر إلى شفتيك لأن بعض الناس سبحان الله إذا كان أصمّ يدرك بالشفتين ما يقوله من يكلّمه وقد رأيت أنا بنفسي ويمكن بعضكم رأى شيئاً من هذا، رأيت بنفسي، وذكروا عن قالون رحمه الله وهو من القُرّاء من طلاب نافع من القراء المعروفين ممن يروي عن نافع المدني قالوا أنه أصابه صممٌ شديد فكان يقرأ عليه القارئ فينظر إلى شفتيه ويردّ عليه، ذكره الذهبي في السِيَر. لكن إذا كان أصمّ ومُدبر هذا لا يمكن يسمع لأنك إذا ناديته لا يسمع نداءك ولا يرى شفتيك وأنت تتحدّث معه وتتكلم معه فهو أشدُّ بُعداً عن الموعظة، انظر بلاغة القرآن، بلاغة كلام الله سبحانه وتعالى! (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) متى (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ). إسماع الموتى، الموتى ما يسمعون أبداً؟ أولاً (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) من هم الموتى؟ على القول بأن الموتى المشركين، لكن إذا قيل الموتى الذين ماتوا قبضت أرواحهم فهل يسمعون أو ما يسمعون؟ هذه مسألة كبيرة جداً جرى فيها كلام كثير لأهل العلم وأُلفت فيها مؤلفات وأُفرِدت لها فصول ومن أحسن من تكلم على هذا ابن القيم في كتاب الروح، لكن الموتى يسمعون إذا شاء الله جلّ وعلا أن يسمعوا، ما جاء الدليل الشرعي من الكتاب والسنة إنهم يسمعون فنحن نؤمن أنهم يسمعون، مثل تكليم الرسول عليه الصلاة والسلام لصناديد المشركين لما قُتِلوا في بدر كما جاء في الصحيح أن عمر قال يا رسول الله ما تُكلّم من أقوام جيّفوا، قال « والله ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم ما يستطيعون أن يردّوا » وقال عليه الصلاة والسلام عن الميت أنه إذا وُضِعَ في قبره وتولّى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. وقال عليه الصلاة والسلام « استغفروا لأخيكم - لما دُفِن - استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل » لكن هذه حياة برزخية الله أعلم بها هذه من علم الآخرة ما عندنا من علم البرزخ إلا ما أطلعنا الله ورسوله عليه عن طريق الوحي لكن هنا شَبّه الله الكفار بالموتى (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فهم موتى.

ثم قال الله تبارك وتعالى (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) ما أنت بمرشدهم، من أعماه الله عن الحق ما تستطيع أن ترشده كما سيأتي في قوله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا) يعني تستطيع أن تدلّ من يؤمن بآياتنا من يصدّق بالقرآن (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) فهم منقادون مخلِصون لله تبارك وتعالى.

ثم هدّد العباد بذكر شيء من أشراط الساعة وأهوال الساعة فقال (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ)، (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) بعض المفسرين قال (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) يعني إذا وجب الغضب عليهم ومجاهد قال حقّ القول عليهم بأنهم لا يؤمنون كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ)، وقيل حق القول عليهم يعني وجب السَخَط عليهم، وهذه المعاني كلها متقاربة، وقيل المراد بالقول ما نطق به القرآن من مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقال بعض أهل العلم (وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) إذا مات العلماء وذهب العلم وتُرِكَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحاصل أن المراد بمعنى وقع يعني وجب، والقول ما هو؟ المقول هذا (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) حقَّ ووجبَ وأراد الله سبحانه وتعالى (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) هذه الدابة أصحّ ما يمكن يقال في موضوع الدابة وما يتعلق بها أن هذه الدابة هي من أشراط الساعة الكبرى وهي أول الآيات خروجاً بعد طلوع الشمس من مغربها .

كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى، وأيّتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً» هذا في صحيح مسلم وفي سنن أبي داود والترمذي. إذاً الدابة هذه حقيقة، دابة، وبعض المفسرين خاضوا في أمور ما نحب أن نخوض فيها كما خاضوا، يعني منهم من قال هي فصيل ناقة صالح وبعضهم قال إلى آخره، مكان خروجها اختلفوا فيه بعضهم قال من الصفا، وبعضهم قال من مكة، وبعضهم قال بعضهم من عند الكعبة، المقصود أنه نؤمن ونوقن أن من أشراط الساعة وعلاماتها الكبرى هذه الدابّة التي جعلها الله علامة من علامات الساعة تخالِف المعهود من البشر تُكلِّم الناس تُخاطِبهم بل جاء في حديث في مسند الإمام أحمد « أنها تَسِم الناس على خراطيمهم » وإن كان الحديث بعضهم يحسّنه وبعضهم يضعّفه أنها تخرج الدابة فتَسِم الناس على خراطيمهم يعني تكويهم على أنوفهم تقول هذا مؤمن وهذا كافر، حتى إنهم يتبايعون فيقول ممن اشتريته؟ فيقول اشتريته من أحد المخطومين، لكن هذا متى؟ آخر الزمان إذا كان ما ينفع الإيمان. وجاء في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة أن النبي e قال « بادروا بالأعمال ستاً طلوع الشمس من مغربها أو الدُخان أو الدجّال أو الدابّة أو خاصّة أحدكم أو أمر العامة » خاصّة أحدكم الموت يعني، والشاهد قوله « أو الدابة ». وفي حديث حذيفة بن أسيد الغفاري في صحيح مسلم أيضاً قال « اطّلع رسول الله eعلينا ونحن نتذاكر الساعة فقال ما تذاكرون؟ قلنا نذكر الساعة، قال إنها لن تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة »، « والدابة » هذا الشاهد. فالدابة إذاً تخرج في آخر الزمان ودل الحديث على أنها متى تخرج؟ أنها بعد طلوع الشمس من مغربها. إذا خرجت ماذا تفعل؟ تسِم الناس تُكلّمهم (وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) قيل تكلّمهم ببطلان جميع الأديان سوى الإسلام، وقيل تكلّمهم بما يسؤهم تكلِّم الكفار بما يسؤهم، وقرأ بعض القُراء (تَكْلِمُهُمْ) يعني تَجْرَحُهُمْ، تَسِمُهُمْ، تجعل فيهم علامة، (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) يعني لا يوقنون بخروجها.

ثم قال الله بعد ذلك مبيناً شيئاً من مشاهد يوم القيامة (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) يعني اذكر يا محمد هذا وبيّنه للناس تحذيراً لهم يوم نجمع من كل أمةٍ من الأمم جماعة مكذّبين بآياتنا يُرَدُّ أولهم على آخرهم فهو يوزعون، مرّ علينا يوزعون في سورة النمل في قوله (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) وبيّنا ما معنى (يُوزَعُونَ) هناك هو نفس (يُوزَعُونَ) هنا يعني يُحبَس أولهم على آخرهم.

(حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي) يعني جاؤوا إلى موقف الحساب قال الله جلّ وعلا موبِّخاً لهم (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي) التي أنزلت على رسلي وأمرتهم بأن يُبلِغوها لكم (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) كذّبتم بها بادئ الرأي، ما فكّرتم في الأمر، ما نظرتم في الأدلة والبراهين، إنما مجرد كذّبتم تكذيباً بلا نظر ولا تأمل ولا تعمّق في الآيات عناداً واستكباراً (أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا تبكيتٌ لهم يعني أي شيء شغلكم عن النظر والتفكير في معاني هذه الآيات؟! وهذا استفهام على طريق التبكيت والتقريع لهم قال الله (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا) هذا سبق قريباً يعني وجب عليهم العذاب (فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ). قد يقول قائل قال الله أيضاً في آية أخرى (هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ) وجاءت أخرى تدلّ على أنهم ينطقون كقوله تعالى (قالوا وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فالجميع بينهما سهل أنّ يوم القيامة له أحوال ومراحل، فيأتي في بعض حالاتهم أنهم ما يتكلمون ولا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ويأتي في بعض الأوقات في يوم القيامة أنه يؤذن لهم فيتكلمون بما عندهم.

ثم قال الله تبارك وتعالى (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ) وهو آية من آيات الله (لِيَسْكُنُوا فِيهِ) هو وقت الراحة والطمأنينة كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) فالليل من آيات الله أنه وقت السكن ولهذا حتى الإنسان إذا اشتغل بالليل وعمل سبحان الله ما يكون مثل النهار لأن الليل الأصل فيه أنه وقت راحة. (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) النهار مضيئاً منيراً، كل هذا من آيات الله (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) لطلب المعاش والسعي في الأرض لطلب الرزق. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) ودلائل على عظيم قدرة الله وأيضاً من شاء الله له الإيمان والتصديق فالمجال أمامه مفتوح.

ثم ذكر الله حالة من حالات يوم القيامة رجع مرة أخرى السياق فقال الله (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) والصور هو القرن، والنافخ فيه هو إسرافيل بأمر الله ينفخ نفخة الفَزَع ثم نفخة الصَّعْق ثم نفخة البعث، وبعض أهل العلم يرى أنهما نفختان ينفخ في الصور (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ)ومن استثني هنا قيل هم الشهداء والأنبياء، وقيل الملائكة، لأن طبعاً جميع من السماوات يفزع ويخاف وينزعج لشدة ما سمع إلا من شاء الله. وقيل المراد بـ(فزع) هنا أسرع وأجاب النداء من قولهم فزعت إليك في كذا يعني أسرعت في إجابتك، ففزع فيها معنيان إما تكون بمعنى الخوف والشدة أو تكون بمعنى السرعة في إجابة النداء. (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) أن لا يفزع عند تلك النفخة وهم الشهداء والأنبياء وقيل الملائكة، وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل هم المؤمنون جميعاً بدليل قوله تعالى فيما بعد (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) قيل المؤمنون. (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) يعني صاغرين.

ثم ذكر الله شيئاً من أحوال يوم القيامة فقال (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) تحسبها ساكنة إذا رأيتها تظنها جامدة ساكنة قائمة وهي ليس قائمة ولا ساكنة يوم القيامة، إنما تمرّ مرّ السحاب. كيف تمرّ مرّ السحاب؟ لأنها تُجمَع وتُسيّر كما قال تعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) فرؤية العين تظنّ أنها قائمة لكنها في الواقع أنها تسير، تمشي (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) فهو جلّ وعلا أحكَمَ ما صَنَع.

ثم قال تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) الحسنة يعني من جاء بالعمل الصالح جميعاً والإخلاص لله وأداء الفرائض (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) يُجازى بأحسن جزاء عند الله وهو الجنّة وما فيها من النعيم المقيم (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) يأمنون من فزع يوم القيامة.(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) من جاء بالسيئة بالشرك والدليل قوله (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) طُرِحوا في النار على وجوههم كما قال تعالى (فَكُبْكِبُوا فِيهَا). (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) القائل لهم مَنْ؟ إما أن يكون خَزَنة جهنم يقول لهم (هَلْ تُجْزَوْنَ) وإما أن يكون القائل لهم هم المؤمنون، أو يكون ربُّ العالمين جلّ وعلا يقول لهم ذلك.

ثم قال تعالى بعد بيان أحوال المبدأ والمَعاد وأحوال يوم القيامة هنا أمر الله جلّ وعلا رسوله u أن يقول للناس قل يا محمد (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ) التي هي مكة (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ) وخصّها الله جلّ وعلا لكونها أحبّ البلاد إلى الله وإلى رسوله u (الَّذِي حَرَّمَهَا) جعلها حرماً آمناً لا يُسفَك فيها دم، ولا يُعضَد فيها شجرة، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ) كل شيء لله I (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يعني المنقادين لأمر الله جلّ وعلا المستسلمين له بالطاعة (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) أداوم على تلاوته وتدبّره وأدعو إلى ما دعا إليه القرآن (فَمَنِ اهْتَدَى) فهذا الاهتداء راجع إليه هو (فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) عليّ النذارة فقط إنما أنت نذير.

ثم قال تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أحمد الله على هذه النعمة العظيمة نعمة النبوّة والعلم (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) ومن جملة ما أراكم وورّثكم الآيات الكونية والشرعية. (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) تعرفون الدلائل كما عَمِيَ المشركون عن دلائل قدرة الله، الله جلّ وعلا هداكم أنتم يا معاشر المسلمين فتعرفونها تعرفون آيات الله ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة هل نفعت الكفار؟ ما نفعتهم لماذا؟ لأنهم ما اهتدوا، أنتم تعرفون آيات الله فتؤمنون وتهتدون فتعرفونها،

 

وإذا عرفتموها آمنتم وزاد إيمانكم (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وخُتمت هذه كتهديد للمشركين، وبهذا خُتِمت سورة النمل. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل