تفسير سورة النمل- 3- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة النمل - 3

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٤٦﴾ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴿٤٧﴾) .

هذا العطف في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كأنه معطوف على قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15)) في أول السورة و"اللام" هي الموطّئة للقسم. وهذه القصة تدخل في البيان الذي ورد في قوله تبارك وتعالى في أول السورة (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) وهذا الإيجاز في عرض قصة ثمود سبق تفصيله في دروس ماضية وفي سور متعددة منها على سبيل المثال في سورة الأعراف وفي سورة هود وكذلك مرّ بنا قريباً في سورة الشعراء وإنما في مجمل السور المكية يأتي التركيز على الأمم الخالية بتذكير كفار قريش بأن الله I الذي أهلك أولئك هؤلاء الأقوام أنه قادرٌ على إهلاك هؤلاء المعاصرين لرسول الله e الذين ردّوا دعوته ولهذا جاءت قصة ثمود هنا بإيجاز وسبق أن تكلمنا عن المراد بقوله "الأخوّة" هنا. وقوله (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ) لم يبيّن هنا خصومة الفريقين لكنها بيّنت في سورة الأعراف.

في قوله تعالى(قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ﴿75﴾ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿76﴾ فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿77﴾ الأعراف) فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة هي الخصومة في الكفر والإيمان. قال الله تعالى (هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴿19﴾ الحج) فالمراد بالفريقين هنا المؤمنون والكافرون والاختصام أنّ كل فريق يخاصم على ما هو فيه ويزعم أن الحق معه. وقد يُقال أن الخصومة هل صالح u هل هو مرسل من ربه؟ وهذا الذي عليه أهل الإيمان وهو الحق والفريق الآخر هم الذين ينكرون ذلك. (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) يعني قال نبي الله ورسوله صالح u للفريقين للفريق الكافر قال لهم لم تستعجلون بالسيئة يعني بالعذاب قبل الحسنة يعني قبل الرحمة؟ يعني لم تؤخِّرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدّمون الكفر الذي يسبّب لكم العقوبة؟! وقد كانوا لفرط كفرهم قالوا (وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا (77) الأعراف) طلبوا العذاب قال لهم (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) يعني هلّا تستغفرون الله وتتوبون إليه من الشرك رجاء أن ترحموا أو كي ترحموا فلا تُعذّبوا؟ لأن استعجالهم الخير أولى من استعجالهم الشر كما قال الله (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ(6) الرعد) فهم هنا يستعجلون قال الله سبحانه وتعالى عن قريش (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌۭ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿53﴾ العنكبوت) وقال عز وجل (وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿16﴾ ص) يعني عجِّل لنا نصيبنا من العذاب عاجلاً. فردّوا على صالح بردٍّ هذا الرد رده جماعة من الأقوام قالوا (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ) أصلها تطيرنا والتطير هو التشاؤم وهو من أفعال أهل الجاهلية تشابهت قلوبهم وقال الله جل وعلا في قصة موسى (يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ) (فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿131﴾ الأعراف) وقال جل وعلا في سورة يس في قصة الرسل (قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿18﴾ يس) فهذه الآيات الثلاث وما شابهها تدل على أن التطير و التشاؤم من أفعال أهل الجاهلية في أزمنة متطاولة ومتعددة وأنهم يتطيرون ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال " الطِيَرة شِرك" كما في سنن أبي داوود والترمذي وصححها قال الطيرة شرك فهي نوع من أنواع الشرك, فهم يقولون تشاءمنا منك ومن دعوتك. قال صالح عليه الصلاة و السلام لهم (قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ) يعني ما يصيبكم من المصائب والنوازل والقحط والجدب ليس بسبب أني دعوتكم إلى الله والإيمان بي أني رسول من الله إنما هو بسبب ما يقدّر الله عز وجل عليكم يعني أن الشؤم الذي أصابكم إنما هو من عند الله بسبب كفركم وتكذيبكم لرسول الله وإعراضكم عن دين الله. قال (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) يعني تمتحنون وتُختَبرون أو يجوز (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) يعني تعذَّبون بذنوبكم كما قال الله جل وعلا (ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك) وقال (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿30﴾ الشورى) وقال (ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿41﴾ الروم). ثم قال الله تبارك وتعالى (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ) في مدائن صالح في الحِجر في بلد هؤلاء القوم في ثمود (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ) يعني تسعة رجال من أبناء المترفين من أبناء الأشراف و"الرهط" اسمٌ للجماعة فكأنهم كانوا رؤساء كلُّ واحد منهم له أتباع (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) التسعة هؤلاء شأنهم أنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون عملهم وديدنهم ودأبهم هو الإفساد في الأرض إفساد لا يخالطه صلاح. وهذا الإفساد في الأرض عامٌ يشمل ظُلم الناس يشمل صدّ الناس عن إقبالهم على دعوة نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام هذا نوع من الإفساد في الأرض، يشمل الإفساد بأنواع المعاصي ولكن من الإفساد الذي جاء ذكره بعد ذلك (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ) "قالوا" يعني قال بعضهم لبعض إحلِفوا بالله (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) يعني يريدون أن يهجموا على نبي الله ورسوله صالح عليه الصلاة والسلام في الليل (لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) يكون هذا جواب القسم يعني التقدير "والله لنبيتن صالحاً وأهله" والبيات المقصود به هنا هو قتل صالح عليه الصلاة والسلام وقتل أهله. (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ) لأن صالحاً عليه الصلاة و السلام كان له قبيلة وقوم يمنعون هؤلاء الكفار وهؤلاء المشركين يمنعوهم من أن يمسّوا صالحاً بأذى (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ) إذا قتلنا صالح وأهله (مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) يعني ما حضرنا قتلهم ولا ندري من قتلهم. لكن قال الله (وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا وَمَكَرْنَا مَكْرًۭا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿50﴾ النمل) يعني هم الآن يريدون أن يبيّتوا نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام فيهجموا عليه في الليل فينهونه يقتلونه ويقتلون أهله ثم بعد ذلك يحلفون أنهم ما يعلمون عن شيء وأنهم ما قتلوا نبي الله صالح ولا يدرون من الذي قتله ولا الذي قتل أهله، هذا مكر وتدبير لكن (وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) البروج) قال الله (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال) وكما قال الله في شأن نبينا محمد عليه الصلاة وسلم (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ﴿30﴾ الأنفال) .

فهنا قال الله (وَمَكَرُوا مَكْرًا) مكرهم واضح وهو أنهم يريدون التبييت لنبي الله صالح، (وَمَكَرْنَا مَكْرًا) عاجَلَهم العذاب بغتة من حيث لا يحتسبون، إما أن يكون العذاب كما قال بعض المفسرين أنهم خرجوا إلى غارٍ يختبئون فيه وكان قريباً من الغار مسجد مكان يصلي فيه نبي الله صالح u إذا هدأت العيون لهذا المكان فأطبق الله عليهم الصخرة أو يكون إهلاك الله لهم بالعذاب العاجل لأن صالحاً u  قال لهم (تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ (65) هود) كم (ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَ‌ٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ﴿65﴾ هود) فهنا مكر الله جل وعلا بهم قال الله (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) يعني لا يشعرون بمكر الله بهم فانظر ما انتهى إليه أمر هؤلاء الماكرين الذين بنوا مكرهم (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿51﴾ النمل) كلهم هلكوا. والتدمير هو الإهلاك الشامل العامّ الكامل فالله جل وعلا دمر هؤلاء التسعة الرهط المذكورين ودمّر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك لكنهم كانوا على علم ولهذا الذي عقر الناقة واحد والله قال (فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ﴿29﴾ القمر) وقال في آية أخرى (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَـٰدِمِينَ ﴿157﴾ الشعراء) لأن الراضي كالفاعل فسماهم الله عاقرين للناقة مع أن الذي عقرها واحد. هذا التدبير الله جل وعلا دمرهم جميعاً قال (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) مساكنهم تلك بيوتهم ومساكنهم ومنازلهم (خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) ما فيها أحد بسبب ظلمهم خالية عن أهلها خراباً بل ليس فيها ساكن. حتى الناس الذين زاروا مدائن صالح الذين ذهبوا إلى هناك بعضهم يحدثنا إذا دخلنا إلى هذه الأماكن نستوحش لأنه دائماً أماكن العذاب أماكن الخسف أماكن العذاب تُنزَع منها البركة ويحل فيها الخوف حتى ما تستطيع إذا أمسى عليك الليل يقول بعضهم لا تستطيع أن تجلس فيها (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ(52) النمل) خالية عن أهلها خراباً ليس فيها ساكن (إِنَّ فِي ذَلِكَ) التدمير والإهلاك لهؤلاء المكذبين (لَآيَةً) لآية عظيمة لمن؟ (لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يتّصفون بالعلم (وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهم صالح عليه السلام ومن معه (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) كانوا يتقون الله ويخافون عذابه.

ثم عطف الله بعد ذلك بقصة أيضاً قصة قوم لوط وهي القصة التي سبق أن ذُكرت في سورة الأعراف وفي سورة هود وقصة الشعراء قريباً ولكن كانت هنا أيضاً مجرد تذكير بهؤلاء القوم قال الله (وَلُوطًا) يعني واذكر لوطاً، لوطاً لما أرسله الله إلى قرى سدوم و كانوا كما قرأتم في كتاب الله وعلمتم كانوا قوماً فاسقين سماهم الله فاسقين وسماهم بالمسرفين وسماهم بالمفسدين يأتون الفاحشة التي ما سبق أن فُعِلَت على مستوى العالمين والناس أجمعين مع شِرْكهم. (أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿54﴾ هذا لتأكيد الإنكار يعني تعلمون أنها فاحشة.

وهذا أعظم لذنوبهم أنهم يُبصرون (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ(55) النمل) هذا تأكيد مرة أخرى وقد سبق أني ذكرت لكم أنه جاءت السنة النبوية بلعن فاعل هذه الفاحشة وهي إتيان الذُكران من العالمين، كم لعن الرسول u اللوطية؟ كم؟ ثلاثاً ولعن الله أصحاب المعاصي واحدة فقال: "لعن الله من عمِل عمَل قوم لوط" كما في الترمذي بسند حسن "لعن الله من عمِل عمَل قوم لوط لعن الله من عمِل عمَل قوم لوط" وقال لو وجدتم من يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به "يعني إذا كان برضاه و لذلك حكى ابن القيم الإجماع إجماع الصحابة على أنه ما اختلف منهم أحد بأن فاعل هذه الفاحشة اللوطية أنه يُقتل. ولنعلم أن اسم لوط ليه الصلاة والسلام لا علاقة له بفعل هؤلاء القوم اسمه لوط ابن هاران ما له علاقة بفعل هؤلاء القوم ولهذا بعض العلماء لا يرى أن تسمى اللواط ويرى أن تسمى الفاحشة ولا مشاحة في الاصطلاح والتسمية لكن يبقى أنها فاحشة عظيمة. (شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء) يتركون النساء التي أحلّها الله لهم ويأتون الرجال (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ﴿55﴾ النمل) فيها من الأضرار ومما يجهلون من العواقب الوخيمة وغضب الله أو يجهلون ما فيها من الأضرار حتى أن ابن القيم أشار في كتابه" الداء والدواء" -أنا ذكرت في الدرس الماضي أن ابن القيم رحمة الله تكلم عن مفاسد هذه الفاحشة اللوطية- وقال" إن هذه النطفة الخبيثة إنها تعمل عملها في إفساد القلب المفعول به ولأن يقتل خيرٌ له من أن يؤتى في دبره فإنه يفسد فساداً لا يرجى معه صلاح إلا أن يشاء الله". قال الله (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ(56) النمل) وفي آية أخرى (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ﴿82﴾ الأعراف) هذا عيبهم يتنزهون عن فعل هذه الفاحشة يقولون هذا من باب التهكم والاستهزاء بنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين. قال الله (فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿57﴾ النمل) يعني من الباقين في العذاب، قضينا أن تبقى في العذاب لأنها كانت تعينهم على هذه الفاحشة وكانت كافرةً كما قال الله (ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍۢ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍۢ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا (10) التحريم) أي بالكفر (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّ‌ٰخِلِينَ ﴿10﴾ التحريم). (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا (58) النمل) تأكيد يدل على شدة المطر وأنه مطر غير معهود (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا) وهذا المطر فُسِّر بآيات أخرى (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ﴿82﴾ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ﴿83﴾ هود) (فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿58﴾ النمل) ساء فعل ذَمّ، ساء مطر هؤلاء القوم الموصوفين بالذمّ، المنذرين الذين أُنذروا فلم يقبلوا النذارة فأعرضوا وقد مضى بيان ما يتعلق بهذه القصة.

ثم قال الله جلّ ذكره وتقدست أسماؤه (قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ (59) النمل) أو (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) يعني نحن مأمورون بالحمد بأن نحمد الله، ثم استأنف وقال (وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) كما قال الله I (وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿181﴾ الصافات). (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) فهذه حمد لله تبارك وتعالى أو أمر بحمد الله يعني الله جل وعلا يحتج عليهم يعني يقول هنا قل يا محمد الحمد لله، على ماذا الحمد لله؟ على إهلاك القوم الظالمين والانتصار لعباده المرسلين، لكن هل السلام من الله؟ فيكون المأمور به الحمد؟ يعني هنا الله جل وعلا قال قل الحمد لله ثم قال (وسلام) الله جل وعلا يسلّم على عباده الذين اصطفى أو يأمرنا سبحانه وتعالى أن نقول الحمد لله وأن نسلم نحن على عباده الذين اصطفى؟ الآية محتملة للأمرين وكلا منهما يشهد له شيء من الترجيح. ممكن أن يكون السلام من الله وأنت مأمور بالحمد قل الحمد لله، انتهى الآن تم المعنى، ثم قال الله (وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى). أو يكون كِلا الأمرين مطلوب فالمهم أنه قد يكون هنا أن الحمد والسلام كله داخل في هذا لكن يشهد لكون السلام من الله أمور منه أنه مطابق لنظائره في القرآن كقوله تعالى (سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿79﴾ الصافات) (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَ‌ٰهِيمَ ﴿109﴾ الصافات) (سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿120﴾ الصافات) ومنها أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون والله جل وعلا يقرن بين تسبيحه لنفسه وسلامه عليهم وبين حمده لنفسه وسلامه عليهم (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿180﴾ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿181﴾ الصافات). المهم ابن القيم أشار إشارة جميلة إلى اقتران السلام عليهم بتسبيح الله جل وعلا لنفسه قال: فيه سرٌ عظيم -ابن القيم له رحمة الله له لمسات ووقفات عجيبة على بعض الآيات- يقول وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سرّ عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مُبطِن ومبتدع فإنه نزّه نفسه تنزيهاً مطلقاً كما نزّه نفسه عما يقوله ضُلّال خلقه فيه ثم سلّم على المرسلين وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقوله المكذبين لهم وهم الرُسُل سلامة المرسلين من جميع ما يقوله من يكذبهم والمخالفون لهم وإذا سلِموا من كل ما رماهم أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاؤوا به من الكذب والفساد. وأعظم ما جاء به الرسل ماذا؟ التوحيد أعظم ما جاؤوا به هو التوحيد ومعرفة الله جل وعلا ووصفه بما يليق بجلاله ووصفه سبحانه وتعالى بالكمال وما جاء من الوصف على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام فالرُسُل لا يمكن يصفون الله إلا بكلّ كمال. ولهذا الرسول لا يقول عن الله إلا حقاً لا يقول عن ربه تبارك تعالى إلا حقاً سواء ما يتعلق بشرعه أو ما يتعلق باسمائه وصفاته. (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) وهذا يتضمن أن يُحمَد الله جل وعلا على كماله سبحانه وتعالى، يُحمد على جلاله، يُحمد على أسمائه الحسنى وصفاته العلا، يُحمد على سلامة ما قاله رسله عليهم الصلاة والسلام من كل نقص وعيب لأنهم معصومون فيما يبلّغونه عن الله. ثم قال الله تبارك وتعالى (وسلام على عباده الذين اصطفى) من هم عباد الله الذين اصطفى؟ هم رسله عليهم الصلاة والسلام وخيار عباده. (قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿59﴾ النمل) طبعاً يدخل في عباده الذين اصطفى كل عباد الله الصالحين ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وجميع الصحابة الذين اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم أجمعين. (ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿59﴾) آلله الذي ذُكِرت أفعاله و صفاته الدالة على عظيم قدرته خير أم ما يشركون به من الأصنام وما يدعون من دون الله؟ ولا شك أن هذا أمرٌ واضح ثم عقّبه جلّ وعلا بقوله بيان الأدلة الدالة على عظمته وأنه سبحانه وتعالى هو المستحق أن يُفرَد بالخَلْق والرزق والتدبير والعبادة كما أنه واحدٌ في ربوبيته فهو أيضاً واحدٌ في ألوهيته وواحدٌ أيضاً في أسمائه وصفاته فقال جل وعلا (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَنبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍۢ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ (60) النمل) يعني أمنّ خلق السموات "أمن" في هذه الآيات كلها تقديرها أمّن يفعل هذه الأشياء كلها كمن لا يقدر على شيء منها؟ لأن السياق دالٌّ على هذا بقوله (ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿59﴾) (أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ) فعل هذا؟ هل هناك رب يستطيع أن يفعل شيء من هذا؟ أبداً. (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) يعني أمّن هنا قال الله (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء) المطر النازل من السماء واحد ومع ذلك (فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) الحدائق جمع حديقة وهي البستان الذي عليه حائط.(ذَاتَ بَهْجَةٍ) يعني ذات منظر حسن والبهجة هي الحُسن الذي يبتهج به من رآه يُسَرّ يقول ابتهجت بكذا سررت وفرحت ولا شك أنه إذا نزل المطر وكسا الله وجل وعلا الأرض بأنواع النبات وأنت تنظر تقول سبحان من أنزل من السماء ماءً واحداً وأنبت الله أنواع النباتات! تنظر في الأرض من أصفر وأحمر وأخضر وحلو وحامض وهكذا، بل إذا دخلت بستاناً من البساتين أو مزرعة من المزارع ترى الليمون حامض والتمر حلو من النخل والماء واحد (يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَ‌ٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَ‌ٰلِكَ لَايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿4﴾ الرعد). (مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا) ما صحّ لكم أن تفعلوا شيئاً من ذلك تنبتوا شجر هذه البساتين هل إإله مع الله؟ هل معبود مع الله يستطيع أن يفعل ذلك؟ لا، (بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ ﴿60﴾ النمل) يعدلون بالله غيره أو كما قال تبارك وتعالى (ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿1﴾ الأنعام) يعدلون به غيره وهذا شرك.

ثم انتقل إلى أمر آخر وهو بيان الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها (أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا(61) النمل) دحاها سواها بحيث يمكن الاستقرار على هذه الأرض أرساها بالجبال (أمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا) لأنها لو كانت متحركة تضطرب بالناس ما قرّ لهم قرار و لا سكن لهم بناء ولا عاشوا حياة طبيعية لكن جعل الله في الأرض قرار(أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا) ظاهر الآية أن الأرض متحركة أو ساكنة؟ ظاهر أنها الآية ساكنة وزيادة على ذلك قال الله (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ) هذا ظاهر القرآن. (وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَآ) الخلال الوسط كما قال الله (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) الكهف) أنهاراً (وَجَعَلَ لَهَا رَوَ‌ٰسِىَ) جعل جبال ثوابت تمسكها تمنعها من الحركة (وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) والحاجز هو المانع، جعل بين البحرين من قدرته عز وجل حاجراً والبحران هما العذب والمالح ما يختلط هذا بهذا سبحانه إما إن الله يجعل بين الأنهار والبحار اليابسة التي هي الأرض بحيث لا يختلطان وإلا يجعلهما جميعاً ومع ذلك لا يختلطان بحيث الإنسان يأخذ من هذا غرفة ماء حلوا عذباً ويأخذ غرفة أخرى ماءً أجاجاً مالحاً. (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) وهذا مرّ في سورة الفرقان (أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿61﴾). ثم قال الله تعالى (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ) المضطر هو المجهود المكروب الذي لا حول له ولا قوة نزلت عليه الكروب والشدائد مع كل جهة فلجأ إلى ربه (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) دخل طاووس رحمه الله التابعي على بعض السلف وهو مريض قال: يا أبا عبد الرحمن أدعو لي فقال له طاووس: ادع ربك أنت فإن الله يقول (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ). (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) يكشف عن عبادة الذين أخلصوا له يكشف كل بلاء وكربة حتى المشرك أم لا؟ حتى المشرك يكشف ما به أو ما يكشف؟ نعم، حتى المشرك (حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿22﴾ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ (23) يونس) فإذا دعوا الله مخلصين له الدين كل من أخلص لله أجابه الله سبحانه وتعالى. (وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ) يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله كما قال الله تعالى (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ) الأنعام) كما قال الله جل وعلا (إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ) كل الناس جيل يخلفهم جيل آخر وهكذا لو اجتمعوا كلهم في وقت واحد وماتوا في وقت واحد ضاقت الأرض بهم لكن جعلهم قرون هكذا. (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) ثم قال تعالى (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ (63) النمل) يعني يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في البر وفي البحر،

 

ما هي العلامات؟ (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلَْايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿97﴾ الأنعام) البرّ ممكن أن الإنسان يستدل بشجرة أو بجبل لكن البحر الماء مع كل الجهات كلها ماء يمين وشمال وأمام وخلف كل الجهات ليس هناك إلا النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر. وقال هنا (في ظلمات) في الليالي المظلمات إذا سافرتم في البر أو في البحر. وفي البر هناك علامة أخرى جعل الله سبحانه و تعالى الجبال أيضاً علامات (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) ولهذا قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث علامات يهتدي بها ورجوماً للشياطين وزينة للسماء فمن تأوّل غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثم قال تعالى (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهذه الآية تكررت في مواضع أخرى لأنهم كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق إذا أقرّوا بأن الله هو الخالق يلزمهم أن يقرّوا بأنه هو الذي يستحق العبادة وأيضاً قادرٌ على إعادتهم مرة أخرى لأنه بمقاييسهم المادية العقلية البشرية إنه إذا كان الشخص العادي ولله المثل الأعلى اخترع شيئاً قادر أن يخترع مثله أو إذا أخترع شيئاً ثم أتلفه قادر أن يعيده وهو مخلوق فالله جل وعلا له الكمال المطلق لا يقاس بخلقه فإذا كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق يجب أن يقرّوا بأن الله هو القادر على إعادتهم مرة أخرى قال تعالى (وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿27﴾ الروم). (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم) هاتوا حجتكم على أن لله سبحانه وتعالى شريكاً أو هاتوا حجتكم أنكم لا تعادون مرة أخرى (زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَ‌ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ﴿7﴾ التغابن). ثم قال تعالى بعد ذلك (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿65﴾ النمل) وهذا جاء بعد بيان أن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكأنه إشارة إلى الردّ على من يتعلقون بالنجوم أو بالأبراج أو بالطالع أو ما إلى ذلك لأن هذا كله لا يجوز الإنسان أن يتعلّق به لأنه كله علم الغيب، الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى (إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ﴿34﴾ لقمان) وقال جل وعلا (وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ (59) الأنعام). فمن ادّعى شيئاً من علم الغيب فهو كافرٌ ضالّ. (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿65﴾ ما يشعرون متى يُخرجون من قبورهم. ثم قال تعالى (ٱدَّ‌ٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْاخِرَةِ ۚ) وفي قراءة "بل أدرك" (بَلِ ٱدَّ‌ٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْاخِرَةِ ۚ) يعني تكامل علمهم في الآخرة أنهم رأوا كل ما وعدوا به هذا متى؟ يوم القيامة, أو (بل ادارك علمهم في الآخرة) ضعف علمهم وتلاشى علمهم متى تقوم الساعة ومتى تأتي الآخرة لأن علمه عند الله (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ (186) الأعراف) علمهم في الآخرة (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا) فيكون معنى (بَلِ ٱدَّ‌ٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْاخِرَةِ) كمل علمهم بالآخرة وتمّ إذا عاينوا. ثم قال الله (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا) في الدنيا ثم قال (بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴿66﴾) وبهذا يتضح ويظهر أن علمهم في الآخرة يعني علم الساعة أنه يكون معنى الآية (بَلِ ٱدَّ‌ٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْاخِرَةِ) إما أن يكون معناها  تكامل علمهم في الآخرة أنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه أو يكون معنى هذا أنه ضعف علمهم في الآخرة وأنهم أنكروا علم الآخرة وتلاشى علمهم في الآخرة بل هم شكّوا في ذلك بل هم منها عمون فلا يدركون شيئاً من دلائلها لاختلال بصائرهم، عمون عُمي القلب لا يهتدون الى هذا بينما الساعة حق والآخرة حق لا ريب فيه  .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل