تفسير سورة القصص - 1- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة القصص - 1

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾)

وهذه السورة الكريمة من السور المكية التي نزلت قبل الهجرة، وسُمِّيَت بالقصص أخذاً من قوله تبارك وتعالى من قول موسى u (فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ). وتعرض السورة الكريمة في مُجمَلها نبأ موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وما جرى له من فرعون، وقد ذكرت فيما سبق أن قصة موسى u تكررت في القرآن تسع عشرة مرة لكن بطرق متعددة متنوعة تشويقاً للسامع وأيضاً لفتح مجال للتدبر والاعتبار من هذه القصة العظيمة. وافتتحت بالأحرف المقطعة وقد مضى الكلام على أن الأحرف المقطعة أنها مما استأثر الله تعالى بالعلم به.

وقوله (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) أيضاً سبق في سورة النمل وفي سورة الشعراء، وأنه ثناءٌ على القرآن، وأنه مبين يعني مبين بيّن واضحٌ ظاهرٌ في نفسه وأيضاً مبيّن وموضِّحٌ للبعث وأشراط الساعة وكذلك الهدى والحقّ وما أمر الله تعالى به.

ثم قال الله تبارك وتعالى (نَتْلُو عَلَيْكَ) يا محمد (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى) أي نوحي إليك من خبر موسى وفرعون (بِالْحَقِّ) بالصدق (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وخصّ المؤمنين لأن أهل الإيمان هم الذي ينتفعون من هذا (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). ابتدأت القصة بقوله تبارك وتعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) وسبق الكلام كما أشرت عن فرعون وما جرى منه في سورة الشعراء قريباً وفي سورة الأعراف وفي سورة طه (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) يعني تكبّر وتجبّر بسلطانه. والمراد بالأرض هنا هي أرض مصر، ومن علوّه وتجبّره أنه ادّعى ما ليس له ادّعى الربوبية (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) جعلهم فِرَقاً وأصنافاً في خدمته يشايعونه على ما يريد ويطيعونه. (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ) وهم بنو إسرائيل (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ) ثم فسّر هذا الاستضعاف بقوله (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ) الذين هم بنو إسرائيل (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) فهو فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل ويترك النساء، لأن المنجّمين في ذلك الزمن أخبروه أنه يذهب مُلْكه على يد مولود من بني إسرائيل، والعجب من حُمق فرعون، لأنه إن كان الكاهن الذي أخبره بذلك صادقاً عند فرعون فالقتل هل ينفع؟! ما ينفع. وإن كان كاذباً فلا معنى لقتل بني إسرائيل، لماذا يقتلهم؟ لكن هذا هو الحمق والتجبّر والعلوّ والطغيان (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) في الأرض بالمعاصي والتجبّر وادّعاء الربوبية والقتل لا شك أنه نوع من أنواع الإفساد. (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) يعني نتفضل عليهم بعد استضعافهم الذين هم بنو إسرائيل المراد بهؤلاء (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) الذين هم بنو إسرائيل (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) يعني قادةً في الخير ودعاةً إليه ولاةً على الناس وملوكاً وهل حصل هذا؟ حصل نعم، ماذا قال موسى u ؟ (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ). (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) لملك فرعون ومساكن القِبْط وأملاكهم فيكون مُلك فرعون ومساكنه لبني إسرائيل كما قال الله جلّ وعلا (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ).

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) هذا التمكين المذكور في الآية التي قلتها آنفاً (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) نجعلهم مقتدرين على هذه الأرض يتصرفون فيها كيف شاءوا كما في الآية التي سبقت آنفاً (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ). (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) قُرِئ (ويَرَى فرعون) لكن تصير مرفوعة وإلا منصوبة؟ (ويرى) إذا كانت (ويرى)؟ ويرى فرعونُ وهامانُ وجنودُهما منهم ما كانوا يحذرون، (ويرى) وقرئت (ويرى)

فرعون وهامان الذي هو وزيره، هل ذُكِر في القرآن في غير هذا الموضع أو ما ذُكِر؟ أين ذُكِر؟ (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) هو وزيره (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ) مِن مَن؟ من بني إسرائيل من المستضعفين (مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) يعني أن الله جلّ وعلا يريهم أن اجتهادهم في دفع ما كتب الله وهلاك فرعون أنه هذا لا يمكن إذا أراد الله أمر لا يمكن أن يرد أمره كما قال تعالى (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ).

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) يعني قذفنا في قلبها كما قال قتادة وليس المُراد بالوحي الذي هو نزول الوحي عليها لأنه لم يكن في النساء نبيّة على الصحيح من أقوال أهل العلم وحكي في هذا الإجماع، إنما المراد بالوحي هنا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) يعني قذفنا في قلب أم موسى. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) لأن أهل التفسير قالوا إن فرعون لما كاد بنو إسرائيل أن يفنون من القتل اقترح عليه بعض الناس أنه يقتل أبناء بني إسرائيل يقتلهم سنة ويتركهم سنة فولِد هارون شقيق موسى في السنة التي لا يُقتَل فيها وولد موسى u في السنة التي يُقتَل فيها، فهنا لما وُلِد موسى في السنة التي يُقتَل فيها خافت عليه أم موسى فألهمها الله I أن تجعل له تابوت وتلقيه في اليم، واليم في الأصل هو البحر والمراد به هنا النيل كما قال الطبري، تلقيه في النيل، في نيل مصر، إذا خافت عليه لأنهم كانوا يطوفون على البيوت ويفتشون أيّ ذَكَر من بني إسرائيل يذبح في الحال أمام أمه، قمة ما يكون من الإفساد في الأرض والجبروت والعتو والطغيان. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) يعني في النيل (وَلَا تَخَافِي) يعني على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه (وَلَا تَحْزَنِي) لفراقه (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وكفى بالله وكيلاً، كفى بالله حسيباً، رب العالمين جل جلاله، الأمر أمره، والحكم حكمه، تكفل بهذا قال (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) إذاً لن يظفر به عدو أبداً ولن يذهب (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) في آخر أمره. لكن هل هذه رؤيا رأيتها في منامها؟ أو أن الله جل وعلا ألهم في قلبها هذا الأمر؟ أو كان ذلك بملك أرسله الله يخبرها به؟ كل شيء محتمل لكن الذي يظهر أنها أُلهِمت هذا.

(وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) الفاء يقولون هذه يسمونها (فَالْتَقَطَهُ) يسمونها الفصيحة أفصحت (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) والالتقاط إصابة الشيء وأخذه من دون طلب، مباشرة. وآل فرعون إما أن تكون زوجته أو جنوده المهم أنه التقطه آل فرعون. (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) إلتقطه آل فرعون ظناً منهم أنهم محسنون إلى أنفسهم ليكون قرّة عين لهم فكانت عاقبة التقاطه إياه منه هلاكهم على يده، سبحان الله! ولهذا يقولون هنا اللام (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ليكون) هي لام العاقبة، وليست لام التعليل إنما لام العاقبة. (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) هم أخذوه على أنه قرّة عين لهم فكانت عاقبة ذلك أنه كان لهم عدواً وحزناً سبحان الله! يقال أن معاوية t سمع أن أحد أعدائه شرب عسلاً فمات فقال إن لله جنوداً منها العسل.

(لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ) هذه كالتعليل لما قبلها الجملة (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) أي عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم. (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) وهي امرأةٌ مؤمنةٌ كما قال الله سبحانه وتعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) امرأة فرعون "آسيا" مؤمنة قالت (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) هذا المولود قرّة عين لي ولك فلما رأته وأخرجته من التابوت خاطبت فرعون بقولها (لَا تَقْتُلُوهُ) دعوه هذا سيكون قرّة عين لي ولك، فصار قرّة عين لها ولكن فرعون أبى يقال أنه قال لا، قرّة عين لك أنت، أنا لا، فكان كذلك. (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) قيل أنها كانت ما تلد فاتّخذته ولداً لها (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أنهم على خطأ في التقاطه ولا يشعرون أن هلاكهم هم على يده (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) هذا الخطاب لمَنْ؟ لفرعون. ثم التفتت إلى جند فرعون وحَرَسه اللجنة الموكّلة بالذبح فقالت (لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

ثم قال الله تعالى مُخبِراً عن حال أم موسى ما الذي جرى لها بعد أخذ ابنها قال تعالى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) فارغاً من كل شيء إلا من أمر موسى، كأنها لم تهتم بشيء سواه، أصبح فؤادها وقلبها فارغاً من كل شيء ما تفكر إلا في موسى ولا تُلام على هذا وإن كانت واثقةً من وعد الله لكن يبقى أن الإنسان بَشَر، فهو خالي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني هنا الله Y ربط على قلبها وإلا كادت أن تتكلم، كادت أن تُخبِر (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) كادت تُظهِر أمر موسى وأنه ابنها من شدة ما نزل بها من الخوف والحزن. (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) لولا أن الله جلّ وعلا ثبّت قلبها وقوّاه وأنزل عليها السكينة (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) من المصدّقين بوعد الله أنه قال لها (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) ومع ذلك فعلت الأسباب، هي متوكلة على الله (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) قالت أم موسى لأخت موسى تتبّعي أثره، أُنظري خبره، أين ذهب؟ وإلى أين صار؟ قصصتُ الشيء إذا تتبّعت أثره متعرفاً لحاله، ومنه سُمّيت القصة قصة لأن الشخص يأتي بها يسوقها شيئاً فشيئاً حتى ينتهي إلى آخرها، فيقال قِصّة هذه أنه تقصّصها تتبّعها من بداية الأمر إلى آخره. تتبعت موسى تمشي في أسواق مصر والشوارع تبحث ما الذي جرى؟ (قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) يعني أبصرت موسى عن بُعْد، أصله عن مكان جُنُب، يعني أبصرت موسى ونظرت إليه من مكان بعيد (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

ثم قال تعالى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) يعني مَنَع الله Y موسى أن يرضع من امرأة جلبوا له جميع المراضع يعطونه واحدة ترضعه وهو يبكي يريد الرضاع الحليب كل ما أعطوه واحدة مرضعة رفض ما يرضى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) من قبل أن نردّه إلى أمه، (فَقَالَتْ) قالت أخته لما رأت امتناعه من الرضاع وقفت كأنها محتسبة (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) هل أدلّكم على أهل بيتٍ يضمّونه ويقومون على شأنه ولعله يقبل الرضاعة (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) مشفقون ما يقصّرون في إرضاعه وتربيته؟ جاء في بعض التفاسير وبعض الأخبار قالوا لها من هم؟ قالت أمي، قيل لها وهل لأمك لبن؟ قالت نعم، لبن أخي هارون، فدلّتهم على أمها بهذه الطريقة. وقيل أنهم قالوا من أين لك؟ (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) كيف عرفت أنهم سينصحون لهذا الطفل؟ قالت هم ناصحون (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) يعني لفرعون وأهل بيته، ناصحون لهم فسيرعون هذا المولود من أجل فرعون. رجع موسى بأمر الله فأُعطي ثديَ أمه فالتقمه، وصارت تُعطى أجرةً وكانوا يقولون في المثل هذا كأم موسى ترضع موسى وتأخذ أجرة على ذلك. صاروا يأتون به ويجرون لها في الشهر شيئاً من المال وتُرضعه ولا يغاب عنها (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) لما بلغ أشده واستوى والأشُدّ هو بلوغ الأربعين وهو العادة التي يُبعَث فيها الرسل عليهم الصلاة والسلام وكمل خلقه وعقله أرسله الله I آتاه علماً ونبوة ووحياً وبعثه إلى فرعون قال الله (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كمُلَ الآن موسى أعطاه الله تعالى علماً وحكمةً وفهماً. وقيل كان هذا قبل النبوة، كانت هذه الحكمة والفهم وما أوتيه كان قبل النبوة، وقد تقدّم في سورة البقرة شيءٌ حول هذا الموضوع وكذلك في غيرها.

(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ) يعني دخل موسى مصر (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) قيل أنه لما عرف موسى أنه على الحق، أو عرف بعض الناس أنه على حق وعلى خير وأنه من بني إسرائيل حاولوا أنهم يكيدون له. وقيل دخول موسى كان في وقت غفلة من الناس يعني إما بوقت القائلة أو بين المغرب والعشاء المهم ودخل المدينة (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ) بينهم مشاجرة (هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ) يعني من بني إسرائيل (وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) من شيعة فرعون، من قوم فرعون من الأقباط (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ) يعين طلب من موسى أن ينصره ويعينه على خصمه فأغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الديانات. وقيل إن هذا القبطي أراد أن يسخّر الإسرائيلي ليحمل حَطَباً، فرفض أن يحمل الحطب، فصار بينه وبينه مشاجرة، فرأى الإسرائيلي موسى (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) والوكْزُ هو الضرب بالكفّ فوكزه ويصح أن نقول فلَكَزَه ولَهَزَه في صدره، يعني جمع كفه وضربه (فَقَضَى عَلَيْهِ) فرغ من قتله مات، موسى كان قوياً، فقط أعطاه كدمة على صدره مرة واحدة فمات القبطي في مكانه، موسى u ما قصد أن يقتله، إنما قصد تأديبه لكنه مات من شدة اللكزة أو الوكزة أو اللهزة، لكزه ووكزه ولهزه بمعنى واحد، جمع كفه (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) يعني قتله، موسى ما قصد قتله كما سلف، وإنما قصد أن يدفعه ويبعده عنه أبعده بقوة فقضى عليه ولهذا قال موسى (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) مع أن المقتول مسلم أو كافر؟ كافر، حقيقٌ بالقتل، لكنه أصلاً موسى في ذلك الوقت ما أُمِرَ أنه يقتل الكفار. (إِنَّهُ عَدُوٌّ) أي الشيطان (عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) عدو يسعى في إضلال الإنسان (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) هل جاء ذكر هذا في القرآن؟ نعم، قال فرعون لموسى في سورة الشعراء (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) إلى آخر الآيات، يعني الآيات في سورة الشعراء مع الآيات في سورة القصص يوضِّح بعضها بعضاً.

المهم أن موسى u دعا ربه فغفر الله له، دعا ربه فغفر له (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) هذا القتل تسبب الشيطان لي بأن هيّج غضبي حتى ضربت هذا فهلك من ضربتي (إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) غفر الله له هذا الأمر وعفا عنه.

قال موسى (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) بما أنعمت عليّ بالمغفرة (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أنه ما يظاهر مجرماً، ولا يكون مع هؤلاء القوم لأن أعطاه الله علماً وخيراً فلا يكون معهم (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) خائفاً ممن؟ من فرعون وملئه أنهم يؤذونه بشيء، كانوا يبحثون من هو القاتل؟ (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) يترقّب أن أحداً يُنزِل به مكروهاً أو أنه يترقّب الفرج من الله أنه يذهب (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) صاحبه الإسرائيلي الذي أمس (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) يعني كل يوم تسبب مشكلة، أمس سببت لنا مشكلة فمات رجل بسببك واليوم تدخل مشكلة ثانية، قتال آخر! (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ) موسى u يؤدِّب القبطي الذي هو عدو لهما، عدو لموسى وعدو للإسرائيلي، خاف الإسرائيلي إن موسى لما قال (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) خاف أنه يقتله هو (قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) ففضح موسى (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) وهو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي هذا الذي يظهر من الآية. (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) فهنا انكشف أمر موسى u، فذهب هذا الرجل القبطي وأخبر عن موسى أنه هو القاتل بالأمس، فجاء جند فرعون وملؤه جاءوا يبحثون عن موسى، فموسى u قبل ما يعثرون عليه جاء وا مع الطريق الأم (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) من آخر المدينة هذا الناصح، قيل مؤمن آل فرعون وقيل غيره. (قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) هذا جاء ناصحاً لموسى قبل أن يهجم عليه الملأ جاء من طريق أخرى سريعة خفيّة ليحذر موسى، فموسى امتثل الأمر (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) في الأمر بالخروج، فخرج موسى u من المدينة من مصر وهو خائف من هؤلاء القوم الظالمين خائفاً يترقب ثم توجه إلى ربه قائلاً (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) خلِّصني من القوم الكافرين وادفعهم عني وحُل بيني وبينهم.

 

(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) قاصداً جهة مدين (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) كان ما يعرف الطريق لكنه يعرف أنها في هذه الجهة بلاد مدين (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) يعني عسى الله أن يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين، فدعا ربه وتضرّع إليه أن يدلّه على طريق مدين لأنه في هذه الحالة محتاجٌ إلى ربّه تبارك وتعالى وهو أيضاً مطاردٌ ولا يعرِف الطريق (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ِ) يعني عسى ربي أن يهديني إلى طريق مَدْيَن فلا أضلّ ولا أحيد عنه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل