تحقيق كمال العبودية لله عز وجل في الفاتحة

تحقيق كمال العبودية لله عز وجل في الفاتحة

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 سورة الفاتحة فاتحة الكتاب وفاتحة كل خير، سورة يعلّمنا الله تعالى بها كيف نخاطبه سبحانه وتعالى وكيف نعبده. قال ابن عاشور في تفسيره "التحريروالتنوير": وفاتحة مشتقة من الفتح وهو إزالة حاجز عن مكانٍ مقصودٍ وُلُوجه فصيغتها تقتضي أن موصوفها شيء يزيل حاجزا. فهي المفتاح الأعظم الذي يفتح لك كل بابٍ للخير، فهي مفتاحك لعلم الكتاب، وهي مفتاح الحُجُب بينك وبين الله، تأمل قول ابن كثير: وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب هو المناسب؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ويقول ابن عاشور: وما هنا التفات بديع، فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية، فخاطب ربه بالإقبال. هي أبواب تُفتح شيئاً فشيئاً لمن وفقه الله فتعلَّمَ كيف يَفتح بالفاتحة تلك الأبواب المغلقة.

ويقول د. محمد دراز: إن سورة الفاتحة هي خطاب من البشر إلى الله وبقية سور القرآن الكريم خطاب من الله إلى البشر. ولعل هذا أحد أسباب جعل الصلاة لا تصح إلا بها فالصلاة والفاتحة مناجاة وخطاب من العبد لربه. وكأننا ونحن نقرأ سورة الفاتحة مرة بعد مرة نحتاج أن نستحضر هذا الشعور وهذا المعنى بأننا نخاطب الله عز وجلّ ونسأله حاجتنا، نخاطبه مبتدئين بالثناء عليه وحمده ونعظّمه بأسمائه وصفاته ثم نسأله الإعانة والهداية موقنين أن الإجابة حاصلة منه جلّ وعلا (ادعوني أستجب لكم) وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء. والله عز وجلّ الرحمن الرحيم رفع عنا هذا الهمّ وعلّمنا الدعاء في هذه السورة المباركة ليدعوه بها كل الخلق فما حاجة العبد بعد معونة الله تعالى له وهدايته التي فيها فلاحه في الدنيا والآخرة؟!

فلنتلمس معًا شيئًا من مضامين هذه السورة العظيمة التي ما أُنزل مثلها في كتاب:

مبنى سورة الفاتحة على العبودية، فالعبودية إما:

- محبة (الحمد لله) إذ لا يمكن للعبد أن يعبد الله دون أن يحبّه.

- وإما رجاء (الرحمن الرحيم) والعبد بحاجة إلى أن يتعلق بربه يرجو رحمته

- وإما خوف (مالك يوم الدين) المحبة وحدها لا تكفي فقد يطمع العبد بربه وخوف وحده لا ينفع وإنما ينبغي للعبد أن يعيش بين الخوف والرجاء حتى يستقيم حاله على الصراط المستقيم.

وهذه أصول العبادة ولهذا كان محور سورة الفاتحة:

تحقيق كمال العبودية لله عز وجل

************

مواضيع الفاتحة:

وقد تضمنت سورة الفاتحة مواضيع عديدة على قصر عدد آياتها، القرآن من خلال سوره وآياته يدعو للاعتقاد بالله سبحانه وتعالى ثم عبادته ثم يحدّد المنهج في الحياة وهذه كلها محاور أجملتها سورة الفاتحة وجاء تفصيلها في سور القرآن فكل ما يأتي في السور بعد الفاتحة هو شرح لهذه المحاور الثلاث:

1.      العقيدة: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)

2.      العبادة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

3.      مناهج الحياة: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)

قال البقاعي: إن سورة الفاتحة جامعة لجميع ما في القرآن؛ فالآيات الثلاث الأُول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر من قوله: {اهدنا} شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله، والتحيز إلى رحمته، والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ما ظاهره من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصّل من آية {إياك نعبد وإياك نستعين}

************

وتذكّر سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومنها :

1.      شكر نعم الله (الْحَمْدُ للّهِ) الحمد لله لأنه مستحق للحمد والثناء والحمد لله المنعِم على خلقه بشتى أنواع النعم

2.      الإخلاص لله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إعلان التوحيد لله سبحانه وتعالى لا معبود بحق سواه ولا استعانة إلا به سبحانه جل في علاه.

3.      توحيد الله تعالى فقد تضمنت الفاتحة أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية {رب العالمين}، وتوحيد الإلوهية وهو إفراد الله بالعبادة {اللَّه} {إياك نعبد} وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تشبيه.

4.      الصحبة الصالحة (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ)حاجة أساسية للعبد في طريقه إلى الله.

5.      التعرف على الله من خلال أسمائه الله الحسنى وصفاته العلا والثناء عليه بها (الله، رب العالمين، الرَّحْمـنِ، الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين)

6.      الهداية والاستقامة (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)

7.      إثبات النبوة (اهدنا الصراط المستقيم) لأن الله تعالى أرسل رسله وأنبياءه ليدلوا العباد عليه سبحانه وتعالى، فالهداية تكون من خلال الرسالة والكتب المنزلة على الرسل.

8.      تذكّر الآخرة وإثبات الجزاء على الأعمال (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويوم الدين هو يوم الحساب حيث يقضى بين العباد ويوفّى كل إنسان بما عمل.

9.      تحذّر من الانحراف والضلال (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والتحذير من هؤلاء لأنهم يعيقون العبد عن الاستقامة على الصراط المستقيم

10.  أهمية الدعاء فهو حاجة المخلوقين والدعاء لا يكون إلا لله تعالى رب العالمين.

11.  آداب الدعاء فأولها ثناء عليه سبحانه (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وآخرها دعاء بالهداية (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)

12.  وحدة الأمة (نَعْبُدُ)، (نَسْتَعِينُ) ورد الدعاء بصيغة الجمع مما يدل على الوحدة ولم يرد بصيغة الإفراد .

 

قال سيد قطب رحمه الله: "إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تُذكر فيها".



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل