مطابقة الأقوال والأفعال بين الفاتحة والصلاة

مطابقة القول والفعل بين الفاتحة والصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 الصلاة من حيث اللغة هي الدعاء والفاتحة نصفها ثناء على الله جلّ وعلا ونصفها دعاء وتسمى سورة الفاتحة "الصلاة"، والصلاة هي صلة بين العبد وربه سبحانه وتعالى. وفي هذا الموضوع لا بد من عودة إلى الحديث القدسي البديع: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وهو حديث من أعظم المعينات على الخشوع في الصلاة واستحضار مقام الوقوف بين يدي الله عز وجلّ ومناجاته. وكلما تأملنا في هذا الحديث ومدلولاته ومعانيه نزداد محبة لهذه السورة الكنز ونزداد بتكرارها مرة بعد مرة تعلّقا بالله سبحانه وتعالى وهذا ليس محصورًا فقط في الأقوال كأن يستحضر العبد عندما يقول الحمد لله أن الله جلّ جلاله يرد عليه: حمدني عبدي إلى آخر ما جاء في الحديث وإنما لهذا الحديث ولهذه القسمة بين الله تعالى وعبده المصلي واقع في الأفعال أيضًا فالتقسيم القولي مطابق للتقسيم الفعلي في حركات الصلاة كما أشار إليه د. محمد بن علي الشنقيطي في حديثه عن أسرار فاتحة الكتاب أنقله بتصرّف:

إن أول ما نفعله في الصلاة هو القيام والقيام لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238] وسمي يوم القيامة لأن الناس فيه (يَوْم يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) المطففين). إذن الفعل الأول من الصلاة مطابق للقول الأول في الصلاة، إذن الله أكبر، لمن (الحمد لله)؟ لله عز وجلّ والقيام لمن؟ لله عز وجلّ إذن وافق القول العمل. القول له والفعل له سبحانه وتعالى (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) وأنت تقوم في صلاتك لله وتقول الحمد لله، فتية أهل الكهف قال الله تعالى عنهم في سورة الكهف (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وأنت تقوم وتقول (الحمد لله رب العالمين) توافق وتطابق في القول والفعل.

بعد القيام يأتي الركوع، القيام يطابق حياتنا الدنيا، نحن الآن قائمين في الدنيا وبعدها يأتي الموت، الموت ركوع لأنه مهما كان جبروتك فأنت تطأطئ رأسك إذا جاءك الموت وتعظّم الله تعالى لأنه لا عظيم إلا هو (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴿٨٤﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦﴾ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٨٧﴾ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾ الواقعة) هذه الرحمة،فالركوع يذكرك بالموت والموت يذكرك برحمة الله وأنت تقرأ في الآية الثانية في الفاتحة (الرحمن الرحيم) والفعل الثاني في الصلاة الركوع تركع معظّمًا للرب الحيّ الذي لا يموت قائلًا "سبحان ربي العظيم"، وهنا أيضًا اتفق القول والفعل.

بعد الموت قيام للبعث والحساب والسؤال وبعد الركوع قيام ثاني وللأموات قيامة قبل الحساب ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

إذن النصف الأول من الصلاة: قيام وركوع ثم قيام وهكذا هي حياتك، والفاتحة تبدأ (الحمد لله رب العالمين) في القيام الأول ثم (الرحمن الرحيم) في الركوع ثم في القيام الثاني في الرفع من الركوع (مالك يوم الدين) يوم القيامة (يَوْم يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) المطففين) وأنت قمت من ركوعك كما تقوم من موتك.

ويوم القيامة تُكشف السرائر ويُعلم هل كنت حقًا تعبد الله وحده وتستعين به وحده أم أنك أشركت في عبادته أحدًا أو استعنت بغيره فتأتي الآية الرابعة من سورة الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) هي عنوان الحياة، يا رب عبدناك في الدنيا واستعنّا بك وحدك على عبادتك ونحن الآن في الآخرة نستعين بك. وكما تأتي الآخرة بعد الدنيا جاءت (إياك نستعين) بعد (إياك نعبد) تحقق العبادة لله تعالى أولًا ثم تستعين به، قدّم العبادة لله تعالى في الدنيا في زمن العبادة لأنك في الآخرة ستعبد الله رغمًا عنك كعبادة الملائكة يُلهمون التسبيح والتحميد والتهليل كما تُلهم أنت النَفَس في الدنيا، فاعبد الله في الدنيا واستعن به.

هذه الأقوال في الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) أما الأفعال فهي سجود ثم جلوس ثم سجود، قال صلى الله عليه وسلم: أما الركوع فعظّموا فيه الربّ وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم". وقال الله تعالى في سورة العلق التي كانت أولى آياتها أول الوحي ختمها بقوله تعالى (كلا لا تطعه واسجد واقترب). أول السورة قول (اقرأ) وآخرها فعل (اسجد واقترب) وآخر الصلاة سجود وآخر الفاتحة دعاء. لمن السجود؟ لله عز وجلّ، والدعاء لمن؟ لك. ولو نظرنا للصلاة الفعلية والصلاة القولية وقسمناها نصفين فنصفها لله تعالى ونصفها لك، والفاتحة نصفها لله تعالى (من أولها إلى قوله: إياك نعبد) ونصفها للعبد من (إياك نستعين إلى ولا الضالين). والصلاة قيامها وركوعها والرفع من الركوع لله ثناء وتعظيمًا والسجود هو للعبد يقترب من الله تعالى ويدعوه بما شاء ولكن من رحمة الله تعالى بنا وليرفع عنا المشقّة فقد لا يقدر كثيرون على إطالة السجود والدعاء فيه فشرع لنا أن ندعوه في قسمه هو سبحانه وتعالى فالقيام فيه دعاء كما في أدعية الاستفتاح وفي الفاتحة دعاء والرفع من الركوع دعاء وفي السجود دعاء والرفع من السجود دعاء فالصلاة كلها دعاء فطابق تعريفها الدلالي تعريفها اللغوي.

فكما أن الفاتحة بأقوالها ومعانيها هي أم الكتاب وأم القرآن لما اشتملت عليه من مقاصد القرآن فكذلك الصلاة أم أركان الإسلام فناسب أن لا تصح صلاة بدون فاتحة وناسب أن تكونا دعاء ومناجاة وصلة بين العبد وربه سبحانه وتعالى وكأنهما معًا يمثلان رحلة العبد منذ بدايته تكليفه إلى يوم القيامة واستقرار الناس كلٌ في مستقره الذي سعى له في الدنيا جعلني الله وإياكم من الذين أنعم الله تعالى عليهم لا من المغضوب عليهم ولا من الضالين.

هذه بعض أسرار فاتحة الكتاب وارتباطها بالصلاة رزقني الله وإياكم تطابق أفعالنا وأقوالنا فلا نكون ممن ذمّهم الله تعالى في القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾ الصفّ)

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل