تفسير سورة النور - 5- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

 تفسير سورة النور - 5

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٣١﴾)

يقول الله I (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) هذا أمرٌ من الله سبحانه وتعالى لنبيّه محمد e أن يقول للمؤمنين أو أن يأمر المؤمنين بأن يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم والعِلّة في ذلك (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) والغضّ يُطلَق على الطريّ ومنه حديث " من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً " أي طرياً. وغضّ الصوت خفضه، وغضّ البصر ارخاء الجفن على الجفن بدون إطباق، فإن أطبق الجفن على الجفن سمي إغماضاً. والمراد بالآية صرف البصر يميناً أو شمالاً أو إلى الأرض أي صرف البصر عما نُهيَ النظر إليه. وقد جاء في صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: " سألت النبي e عن نظر الفَجأة فأمرني أن أصرف بصري " وفي حديث آخر " لك الأولى وليست لك الثانية "، وجاء في الحديث الصحيح كذلك عن أبي سعيد أن النبي e قال: " إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله e: إن أبيتم فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر وكفُّ الأذى وردُّ السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " فغضّ البصر من إحدى حقوق الطريق لمن جلس فيه. وقد جاء في فضل غضّ البصر وحفظ الفرج مثبتاً ما في هذه الآية ما جاء عن النبي e في الحديث الذي رواه البخاري " من يكفل لي ما بين لَحييه وما بين رجليه أكفل له الجنة " وما بين اللحيين اللسان وما بين الرجلين الفرج حفظ الفرج المأمور في الآية. لماذا قدّم الله I غضُّ البصر على حفظ الفرج؟ لأن غضّ البصر من أسباب حفظ الفرج.

يقول الله سبحانه وتعالى (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) لماذا لم يقل (من فروجهم) في الفروج أو لم يقل يغضوا أبصارهم؟ لماذا فرّق بين البصر وبين الفرج فأتى بـ (من) في غضّ البصر ولم يأت بـ (من) في حفظ الفرج؟ يقول العلماء رحمهم الله: أتى الله سبحانه وتعالى بـ (من) في غضّ البصر لأن الأصل في النظر الإباحة إلا ما استثني ولذلك أتى بـ(من) التبعيضية فالأصل أن الإنسان ينظر، ما جعل الله سبحانه وتعالى له من نعمة البصر ينظر فيها ما شاء لكنه مأمور بغضّ بصره عن أشياء، ولذلك أتى بـ(من) التبعيضية فأنت مأمور بالغضّ عن ما نُهيت عن النظر إليه. أما الفرج فقال العلماء: لم يأتي بـ (من) التبعيضية لأن الأصل في الفرج الحظر إلا ما استثني وهو بابٌ واحد الزواج. إذاً هذا السرُّ في مجيء (من) التبعيضية في غض البصر وعدم مجيئها في حفظ الفرج. قال ابن عطية رحمه الله "البصر هو الباب الأكبر للقلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه".

حفظ الفرج له صورتان:

الصورة الأولى: حفظه بمنعه من الزنا كما قال سبحانه (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) المؤمنون).

الصورة الثانية: حفظ الفرج من النظر إليه والذي نسميه بستر العورة. قال النبي صلى الله عليه وسلم " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدرك ذلك ما لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع،... إلى آخر الحديث ".

لماذا أًمِرنا بالغضّ من أبصارنا وبحفظ فروجنا؟ مذكور في الآية قال الله سبحانه وتعالى (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) والضمير في (لهم) يعود للمؤمنين (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم.

(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) ما مناسبة خاتمة الآية لمضمونها؟ تحذيرٌ للمؤمنين من مخالفة ما أُمِروا به في هذه الآية خفية فربما ينظر الإنسان إلى ما حرّم الله ولم يره أحد أو يفعل ما حرّم الله ولا يراه أحد فختم الله I الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) تحذيرٌ للمؤمنين بألّا يفعلوا ما نهوا عنه في هذه الآية فالله سبحانه وتعالى مطّلعٌ على سرائرهم.

ثم قال الله I بعد ذلك (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الأصل كما قررنا في الأسبوع الماضي أن الخطاب في القرآن عامٌ للرجال وللنساء على حد سواء إلا ما دلّ الدليل على خصوصية أحدهما، هل المؤمنات يدخلن في قوله I (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)؟ نعم، داخلات في هذا لا محالة، فلماذا خُصّت النساء بالأمر هنا لوحدهن مع أنهن داخلات في نفس حكم الأول في الأمر الأول وهو أمر المؤمنين؟ يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إنما خصّ الله سبحانه وتعالى المؤمنات هنا مع دخولهن في الخطاب الأول لتأكيد التزامهن بذلك ولرفع اختصاص الحُكْم بالرجال، فكما أنهن موضع الفتنة وقد أُمِرَ الرجال بعدم النظر إليهنّ فكذلك هنّ مأمورات، هذا أمر. والأمر الثاني ما ذكره ابن كثير رحمه الله وهو عطف ما ذُكِر بعد ذلك عليه لأن هذه الأشياء مختص بها النساء، بقية الآية قد اختصت بها النساء فأعاد الأمر بغضّ البصر وحفظ الفرج ليعطف ما بعده عليه من عدم إبداء الزينة، إلى آخره. إذاً السبب أحد أمرين أو كِلا الأمرين لتأكيد التزام النساء بذلك ولرفع اختصاص الرجال، الأمر الثاني لأن هناك أشياء تنفرد بها النساء فأراد عطف هذه الأشياء عليها ولذلك أعاد الأمر بحفظ الفرج والغضّ من البصر فقال (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ). والكلام في سبب مجيء (من) هنا كالحديث في الآية السابقة. قال ابن عطية رحمه الله: "أمر الله سبحانه وتعالى النساء في هذه الآية بغضّ البصر عن كل ما يُكرَه من جهة الشرع النظر إليه". لعلّ أحداً يقول: هل يجوز للمرأة أن ترى الرجل؟ نحن قلنا إن الرجل لا يجوز له في الآية السابقة أن يرى المرأة إلا ذوات المحارم، لأنها موضع الفتنة. فهل يجوز للمرأة أن ترى الرجل؟ اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله على قولين:

Ø   القول الأول: أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة واحتج كثيرٌ منهم بما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله e وميمونة قالت: "فبينما نحن عنده فأقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها وذلك بعدما أُمِرنا بالحجاب، فقال رسول الله e احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله e: أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

Ø   وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بشرط عدم وجود الشهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله e جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت، وهذا والله تبارك وتعالى أعلم هو الأقرب.

قال I (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قال سعيد بن جبير: عن الفواحش، وقال قتادة: عما لا يحلّ لهن، وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية أُنزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى إلا هذه الآية (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) أن لا يراها أحد. قال ابن عطية جامعاً لهذه الأقوال: أمر الله النساء بهذه الآية بغض البصر عن كل ما يُكره من جهة الشرع النظر إليه.

ثم قال الله I (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) اختلف العلماء رحمهم الله في المستثنى هنا، الله أمر النساء أن لا تبدي زينتها إلا ما ظهر منها فما هو المستثنى هنا؟

قال ابن مسعود t (هذا القول الأول): كالرداء والثياب (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي ما لا يمكن إخفاؤه من زينتها كردائها وثيابها هل يمكن أن تستر ثيابها؟ لأنها تسترها بعباءة والعباءة تحتاج إلى ستر فقال: استثني ما لا يمكن إخفاؤه من زينتها ومراد ابن مسعود t أي الزينة المكتسبة التي ليست من أصل الخِلْقة، فقوله: الرداء والثياب، مراده الزينة المكتسبة التي ليست من أصل الخلقة.

وقال ابن عباس t: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي وجهها وكفّيها فأُمِرت بألا تُظهر من زينتها إلا وجهها وكفّيها أي الزينة الخَلْقية هذا مراد ابن عباس t أيهما أرجح؟ تفسير ابن مسعود هنا أو تفسير ابن عباس؟ لو تأملنا ألفاظ القرآن وهذه قاعدة مهمة- لوجدنا أن القرآن ذكر الزينة ما يقرب من 17 مرة، تأملناها وسبرناها وجدنا أنه يريد بها الزينة المكتسبة لا الزينة التي هي من أصل الخلقة فقول الله U : يا ابن آدم (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (31) الأعراف) المراد به الزينة المكتسبة لا الزينة الخَلْقية، قال الله سبحانه وتعالى (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا (60) القصص) وقال سبحانه وتعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) النحل) وقال سبحانه وتعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ (46) الكهف) فكل هذا يدلّ على أن الزينة حينما تُذكر في القرآن فإنه يريد بها الزينة الخارجة عن أصل المزيّن بها ولا يراد بها بعض أجزاء المزيّن بها وبالتالي فإذا أعملنا هذه القاعدة القرآنية والتي نصّ عليها الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان نجد أن قول ابن مسعود رضي الله عنه هو الراجح وأن المستثنى هنا في هذه الآية (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي الزينة المكتسبة التي لا يمكن إخفاؤها. وهذه الآية متعلقة بآيات الحجاب التي في سورة الأحزاب وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان وتوضيح عند قوله I (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) فهناك بسْطُ المسألة والغرض هنا في هذه الآية هو بيان أن الزينة التي استثنيت من عدم إبدائها هي الزينة المكتسبة التي لا يمكن اخفاؤها وهو رأي ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه. ولذلك قال ابن عطية رحمه الله: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة، يقول: هذا الذي يظهر في الآية مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة، ويقع الاستثناء في كل ما عليها فظهر بحكم الضرورة فيما لا بدّ منه كإصلاح شأن ونحو ذلك فما ظهر -يقول ابن عطية- على هذا الوجه فهو معفي عنه. بمعنى أن المرأة مأمورة بأن تخفي زينتها فإن ظهر شيء بلا إرادة منها كأن أرادت أن تصلح شأنها فظهر شيء منها فهو معفو عنه. إذاً الآية مسوقة مساق حفظ زينة المرأة لأن ذلك من أسباب تحقيق غضّ البصر وحفظ الفرج.

قال الله I (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) الضرب هو الالقاء، وسمي ضرباً مبالغة في الستر، ما قال "ليلقين"، قال (وَلْيَضْرِبْنَ) مبالغة في ستر المرأة لزينتها. كانت المرأة في الجاهلية تأتي مسْفِحَةً بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها فأمر الله I نساء المؤمنات بأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، فمن أظهرت تلك الحالة فهي مشابهة لنساء أهل الجاهلية، وقد ميّز الله عز وجل نساء المؤمنات بالستر والعفاف وضرب خمرهن على جيوبهن كما قال الله I في سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ). (بِخُمُرِهِنَّ) الْخُمُرُ جمع خِمَار، وهو ما يخمّر به أي يغطّى به، (وَلْيَضْرِبْنَ) أي ليشددن (بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فلا يُرى منه شيء. تقول عائشة رضي الله عنها كما جاء في البخاري "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها".

قال I (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) البعولة هم الأزواج (أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) فهؤلاء هم محارم المرأة التي يجوز أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير تبرّج وتبهرج فتظهر من زينتها ما يظهر غالباً. تأملوا هذه الآية ذكر الأزواج والآباء وآباء البعولة والأبناء وأبناء البعولة والإخوان وبني الإخوان وبني الأخوات، ألا يوجد في المحارم ما لم يُذكَر في هذه الآية؟ المرأة فقط يجوز لها أن تكشِف لهؤلاء وغيرهم لا يجوز لها أن تكشف لهم وأن تُظهِر زينتها؟ لو تأملنا هذه الآية لوجدنا عدم ذكر العمّ والخال مع أنهم من المحارم فلماذا؟ العمّ والخال لم يذكرا في هذه الآية المسوقة مساق المحارم وكذلك لم يذكرا في آية الأحزاب فلماذا؟ هل نقول إن العمّ والخال تحتجب منهم المرأة؟ قاله بعض السلف وأظنه عكرمة لكنه قول ضعيف قالوا لأن الخال والعم ينعتوا البنات هذه لأبنائهم فمنعوا في هذه الآية من النظر لكن الصحيح أن العم والخال من المحارم. فلماذا لم يذكر العم والخال في هذه الآية؟ للعلماء رحمهم الله أولاً نتفق على أن العم والخال من المحارم وأنه يجوز للمرأة أن تظهر زينتها عنده أي تكشف له، لكن كيف نجيب عن الآية؟ الجواب أحد جوابين:

Ø   قالوا إن العمّ والخال إنما هما أتيا من جهة الأب والأم، فالعمّ أتى من جهة الأب والخال أتى من جهة الأم فأغنى ذكر الآباء والأمهات عن ذكرهم، ولذلك قال: عمُّ الرجل صنو أبيه كما جاء في الأثر، هذا جواب.

Ø   لكن عندنا جواب أقوى من هذا الجواب، هذا وإن كان تلمّس شيئاً من عدم ذكر العم والخال في هذه الآية فعندنا جواب أقوى وهو أن الله قد استغنى عن ذكر العمّ والخال في هذه الآية بذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات. إبن الأخ من أين أتى؟ من جهة العمومة فاكتفى بذكر الفرع عن الأصل، إبن الأخوات أتى من جهة الخؤولة فاكتفى بذكر الفرع عن الاصل. إذاً نقول إن الله I قد استغنى عن ذكرهم بأبناء الأخوة وأبناء الأخوات إذ مناط التحريم في أبناء الإخوة وأبناء الأخوات العمومة والخؤولة وهي ثابتة في أبناء الإخوة وأبناء الأخوات فيكون العمّ والخال من باب أولى إذا كان إبن الاخ أو إبن الاخت يجوز الكشف له فالعم والخال من باب أولى.

هل صوت المرأة عورة؟

اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين والصحيح أن صوت المرأة ليس بعورة وليست مأمورة بعدم الحديث فإنها كانت تحدِّث رسول الله e وتتكلم معه وكانت تقضي شؤونها لكن المنهي عنه هو الخضوع بالقول. المرأة منهية عن الخضوع بالقول وهو ترقيق الكلام (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ (32) الأحزاب) أمرٌ لزوجات النبي e فغيرهنّ من باب أولى.

قال الله I (أَوْ نِسَائِهِنَّ) اِختلف العلماء في المراد بنسائهن على أقوال، قيل: النساء المؤمنات، فإذا قلنا النساء المؤمنات، هل يجوز الكشف للمشركات؟ لا. وقيل: النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة، بمعنى اللاتي يخالطنها كثيراً رفعاً للحرج، وقيل: النساء مثلهن، وهذا هو الراجح أي النساء لا يجب أن تخفي المرأة زينتها عن المرأة مثلها.

قال الله I (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) أي من نساء المشركين، فيجوز لها أن تُظهِر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بحديث فاطمة رضي الله عنها عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك " لكن الآن قضية المماليك ليست موجودة الآن وإنما نشير إليها إشارة.

مسألة قبل أن ندخل في التابعين، المحارم هؤلاء هل هم على درجة واحدة؟ لا، ليس معنى أنهم ذُكِروا في هذه الآية أنه يجوز أن تُظهِر المرأة لهؤلاء كلهم بدرجة واحدة، قال ابن عطية رحمه الله: لكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب ليس كابن الأخت.

ثم قال الله I (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، يعني الذين ليس لهم همّ بالنساء، ليس له حاجة بالنساء. ثم قال الله I (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) العورة هو كل ما يستحيا منه يسمى عورة (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) لصِغَرِهم فمتى ما ظهروا على عورات النساء وميّزوا فإنهم تحتجب منهم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) النهي للمرأة لماذا؟ (لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أمر الله عز وجل لها أن تخفي ما ظهر من زينتها وأن لا تُظهِر ما خفيَ منها وكل هذا مزيد من الستر والعفاف، أمرها الله عز وجل أن تخفي ما ظهر من زينتها وألا تُظهِر ما خفيَ من زينتها قال (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) لأن بعض النساء كانت تلبس الخلاخل في أرجلها زينة فإذا مرّت من عند الرجال ضربت برجلها الأرض حتى يُسمع صوت خلخالها وهذا إغراءً للرجل، فأمرها الله عز وجل بأن يبقى المخفيّ مخفياً ولذلك قال الله I (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) قال السعدي رحمه الله: يؤخذ منه قاعدة سدّ الوسائل، فالأصل في ضرب الرجل في الأرض الإباحة، فلما كان وسيلة لعلم الزينة مُنِع منه، وقال ابن كثير: وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً فتحرّكت بحركة لتظهر ما هو خفيٌ منها دخل في هذا النهي، ليس المقصود فقط هو النهي عن ضرب الرجل بالخلخال بل هي منهية عن كل أمر يكون سبباً لظهور زينتها، ومن ذلك التعطّر والتطيّب عند خروجها فهذا منهيٌ عنه.

ثم ختم الله سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، لأن ذلك من أسباب الفلاح. قال العلماء: شروط التوبة: الاقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود، وشرطٌ رابع يتعلق بحقوق العباد وهو ردّها أو التحلّل منهم.

قبل أن نختم هذه الآية قال مكيّ عنها: ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية فإنها جمعت 25 ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، فهي من أكثر الآيات ضمائر.

 

من المسائل المتعلقة بهذه الآية عورة الرجل مع الرجل هذه يذكرها أهل العلم استطراداً وإلا هي غير مذكورة، عورة الرجل مع الرجل فيه خلاف بين أهل العلم والجمهور على أنها من السُرّة إلى الركبة وهو الراجح كما قال النبي e: " غطّي فخذك فإن الفخذ عورة ". عورة المرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل. عورة المرأة مع المحارم نقول يجوز للمرأة أن تُظهِر ما يظهر غالباً كشعرها ورقبتها ويديها ورجليها أي ما يظهر غالباً، إذ ليس ما تُظهِره عند زوجها كما تُظهِره عند بقية محارمها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل