دأب الصالحين وركْبُهُم

دأب الصالحين وركْبُهُم

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 ذاق النبي صلى الله عليه وسلم لذة مناجاته قائمًا لربه جلّ وعلا كل ليلة وسَمَت روحه الشريفة بهذه الرحلة الإيمانية وقد شرّفه ربه بفرض قيام الله عليه خاصة في بداية البعثة ليكون له من الله تعالى المدد الذي يعينه في طريق الدعوة الشاق المليء بالأشواك والعقبات الكؤود فكان عليه الصلاة والسلام خير متزوّد من هذا الزاد لم يكلّ ولم يملّ ولم يتعب ساعة من ليل فكان صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه شوقًا للمناجاة الربانية التي يرجع منها محمّلًا بالعطاءات والكرامات والرحمات والسكينة والطمأنينة والرضى فيتقوى بها إلى أن يحين موعد الرحلة القادمة...

وهذه المشاعر وهذا الشوق لهذه المحطة الإيمانية الليلية كان قبل رحلة الإسراء والمعراج فهل لنا أن نتخيل كيف صار الشوق وكيف ارتقت المشاعر في قيام النبي صلى الله عليه وسلم بعدها؟ كان قد علِمَ علم اليقين بموعود الله تعالى له ونزلت عليه آيات الوحي خاصة من بين سائر الخلق ثم رآه عين اليقين فاستقر في قلبه حق اليقين فسبّح باسم ربه العظيم...

ونبينا صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه تعالى (بالمؤمنين رؤوف رحيم) المتخلّق بخلق الله عز وجلّ الرؤوف الرحيم بعباده يحب المؤمنين بحب الله لهم ويرأف بهم ويحب لهم الخير وهو القائل: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" فكان لزامًا أن يكون هو أول من يحب لإخوانه ما يحبه لنفسه وما ترك في دعوته أمرًا من أمور ديننا ودنيانا إلا دلّنا عليه فداه روحي عليه الصلاة والسلام. قد ذاق فعرف وبلغ المنزلة ولأننا نحن فقراء إلى هذه المعرفة وهذه المنزلة ونحتاج أن نبدأ التذوق لنصل إلى اليقين والمنزلة المنشودة وهذا لا يكون إلا إذا عرفنا أهمية هذه المنزلة وحاجتنا للارتقاء لها... من هذا المنطلق حثّ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على أن ينالوا من هذا الخير العميم والرزق الذي يغفل عنه الكثير ودلّهم على الزاد الذي يحتاجه كل مسافر بل كل عابر سبيل ونحن في هذه الدنيا كعابر سبيل...

قال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قُربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة عن الجسد" (الجامع الصحيح للترمذي)

فيا من تريد أن تنضم لركب الصالحين فعليك بدأبهم أولًا..

هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين فعلّمهم أنهم:

إذا تاقوا للإنضمام بركب عباد الرحمن ركب الصالحين من عباده فعليهم بقيام الليل (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿٦٣﴾ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴿٦٤﴾ الفرقان)

وإذا طمحوا أن يلقبوا بالمتقين فعليهم بقيام الليل (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ الذاريات)

وإذا حرصوا على أن يكونوا من أولي الألباب القانتين فلا يفوتهم قيام الليل (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٩﴾ الزمر)

وإذا رغبوا بإجابة دعائهم فليغتنموا ساعات التنزل الإلهي والإجابة في ثلث الليل الأخير لعل الله يجيبهم كما أجاب من قبلهم من الأنبياء والصالحين ألم تبشّر الملائكة زكريا بيحيى عليهما السلام وهو قائم في محرابه؟ (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٣٩﴾ آل عمران)

وإذا أرادوا المدد الإلهي والتزود لتحمل تكاليف الحياة وثقلها فعليهم بقيام الليل (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾ المزمل)

وإذا تحسروا على سيئاتهم وتمنوا أن تبدّل حسنات فعليهم بقيام الليل (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴿114﴾ هود)

وإذا تاقت نفوسهم وقلوبهم لرضى الله عز وجلّ فعليهم بكثرة التسبيح آناء الليل والذكر والتسبيح والصلاة والقرآن قيام (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)

وإذا أرادوا عناية الله تعالى بهم ورعايته لهم وأن يُصنعوا على عينه ويبتغونه وليًا ناصرًا وكيلًا فليتقلبوا في الساجدين (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٤٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴿٤٩﴾ الطور) (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٢١٧﴾ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٢١٨﴾ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴿٢١٩﴾ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٢٢٠﴾ الشعراء)

وإذا أحبوا صحبة نبيهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فعليهم بقيام الليل (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٠﴾ المزمل) وفي الآية تخفيف على المؤمنين ومراعاة لأحوالهم فليكن لكل منهم نصيب من القيام بحسب استطاعته والله غفور رحيم.

جميعنا نتمنى أن نكون من كل هؤلاء فلم لا نعزم النيّة إذن للسعي لنيل هذا الشرف فإن لم نتمكن من بلوغ أعلى الدرجات فلا يفوتنا بلوغ إحداها على الأقل ولنصدق مع الله تعالى يصدقنا ومن أدام طرق الباب لا بد وأن يُفتح له ويؤذن له بالدخول...

تريد مناجاة الله؟ تريد معيته؟ قيامك لله في دلجة الليل مناجاة مع الله سبحانه، معيّة وقُرب، خلوة بالمحبوب، فقُم لربّك وأطلق العنان لدموعك ولا تُحرجك إن فاضت عيناك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تبتل لحيته وموقع سجوده لشدة بكائه خشية لله وحبًا له ولا تُحرجك كلماتك المتلعثمة ولا نحيبك بين يدي العزيز ذو الجلال والإكرام والهيبة والعظمة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الليل ولجوفه أزيز كأزيز المرجل (صوت الماء وهو يغلي).. فيا رب أيّ رهبة وأيّ خشية وأي ّمهابة وعظمة وجلال لك يا الله! وأيّ لطف ورأفة ورحمة ومحبة وجمال!!

يا رب، في مقام المناجاة بين يديك لا حُزن ولا قلق ولا همّ ولا حَزَن، فامنن علينا يا رب برحمة ومغفرة منك تمحو بها أوزارًا تحول بيينا وبين القيام بين يديك وأفِض علينا من بحار جودك وكرمك التي لا تنفد ومن خزائن رحمتك ورزقك التي لا تنضب وأحسن قيامنا بين يديك ولا تحرمنا خير ما عندك بشرّ ما عندنا ووفقنا لنكون من المقتدين بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم واجزه عنا خير ما جزيت نبيًا عن أمته حتى نلقاه على الحوض وتمنّ علينا بصحبته ثم تكشف لنا الستر حتى نراك...

 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل