معراج الروح والمقام المحمود

معراج الروح والمقام المحمود..

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

قال الله تعالى في مفتتح سورة الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾) وقال في وسطها (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الإسراء) وختمها بقوله عز وجلّ (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿١٠٥﴾ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴿١٠٦﴾ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿١٠٨﴾ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿١٠٩﴾ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١١٠﴾)

فالأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بالتهجد من الليل لم يُذكر في هذه السورة تحديدًا لغير حكمة وتناسب مع السورة وإشارتها إلى تلكم الرحلة الأرضية السماوية الفريدة التي شرّف الله تعالى عبده محمدًا صلى الله عليه وسلم بها والتشريف له تشريف لأمته التي آمنت بدعوته وصدّقته واتبعت النور الذي أُنزل إليه من ربه. والمتأمل لهذه الآيات في السورة يستشعر هدأة الليل وسكونه فلا يسمع فيه إلا زجل مسبِّحين هنا ونشيج ساجدين خاشعين هناك يبكون وقد خرّوا للأذقان سجّدا.. فيا رب ما هذه العلاقة الروحانية الراقية بين الليل والقرآن والصلاة؟! ما أعظمها وما أشد تأثيرها على قلب العبد الذي يصطفيه الله لهذا المقام بين يديه كل ليلة!! تسري روحه كل ليلة ثم تعرج إلى مسقط رأس الصلاة ومنشئها فتقطف ثمار البركة غضّة طرية من أغصانها الوارفة العظيمة...

ويا رب ما حاجة العبد لهذه الرحلة الاستثنائية؟

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾ المزمل) في بداية البعثة أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل ليزوّد به لمهمته الأرضية أولًا ليتلقى وحي السماء القرآن العظيم وكأن هذا الهدوء والسكينة في جوف الليل تعطيه وتعطي كل مؤمن قوة خارقة ليست من قوى الأرض الضعيفة بل تمدّه بقوة سماوية من القوي سبحانه الذي لا يقهره شيء.. ومع أن الخطاب في الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه خطاب عام لأمته من بعده كون كلّ فرد منهم هو داعية إلى الله ربه جلّ وعلا ويحتاج لأن يتزود الداعي إلى الله بالصبر على طاعة الله والصبر على تحمل المكاره والأذى في سبيل دعوته التي تصلحه هو أولًا ثم تُصلِح به من حوله لأن الداعي إلى الله صالِح مُصلِح..

وفي هدأ الليل وتلاوة القرآن في الصلاة يحصل التدبر وتطرق الآيات قلب القائم بين يدي ربه فيتأثر بها ويخضع ويرقّ قلبه لآيات البشارة والجزاء في الجنة ويرجف قلبه خوفًا من آيات النذارة والعقاب ويخشع لآيات العظمة الإلهية والقدرة في الخلق والكون فيتواضع أمامها فتخشع جوارحه وعندما يدعو ربه في سجوده يكون دعاؤه صادقًا من قلب قد عظّم الله تعالى وآمن به إلهًأ وربًا وخالقًا ورازقًا ومدبّرا ووكيلًا وناصراً ومؤيدًا يدعو بلسان قلبه وحاله لا بلسانه فيكون بإذن الله أقرب للإجابة من القريب الذي (يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين)...

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الإسراء) والتهجد من الهجود وهو من الأضداد بمعنى نام وبمعنى سهر والتهجد هو التيقّظ بعد رقدة ولذا أطلق على القيام إلى الصلاة بعد النوم أما القيام فهو أعم لأنه يعني قضاء الليل أو جزءا منه في ذكر الله أو الصلاة أو تلاوة القرآن.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتهجد من الليل نافلة أي زيادة على ما افترضه الله تعالى عليه امتثالًا لأمر الله وتقرّبا إليه وشكرًا له على عظيم نعمه ورغبة بما عند الله تعالى (عسى ربك أن يبعثك مقامًا محمودًا) وهو المقام الذي نسأل الله تعالى أن يرزقه إياه عقب كل أذان تحديدًا لعله لهذه العلاقة الوطيدة بين الصلاة والليل والنبي صلى الله عليه وسلم والمقام المحمود وكأنه والله تعالى أعلم أنه صلاة التهجد هي باب يفتحه الله تعالى لعباده كل ليلة نافلة لهم عسى أن يبعثهم أيضًا مقامًا خاصًا بكل واحد منهم وكأن لكل عبد مقام خاص لا يناله بعد رحمة الله إلا بالتقرب الخالص إلى الله تعالى بهذا المعراج الليلي تهجّدا ونافلة فهذا وقت يغيب المصلي عن أعين الناس فلا رياء ولا سُمعة في هذا التهجد.. إنما إخلاص تام لله تبارك وتعالى يرجو ما عنده ويتودد إليه ويتقرب منه ويدعوه خاشعا متضرعا باكيا ساجدا.. ولن يبلغ أحد منا صفة تهجّد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أعبدُ الخلق لله لكن كل عبد يتهجد بقدر وسعه فالله الرحيم لا يكلف نفسًا إلا وسعها والله عليم بحال عباده. والعبد المؤمن شرفه في صلاته بالليل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أرسل النبي بشرًا ليسهل الاقتداء به والتأسي به في عبادته وأخلاقه وتعاملاته.

والحديث عن قيام الليل طويل طويل وله بقية إن شاء الله تعالى...

اللهم ارزقنا قيام الليل وشرّفنا بالتهجد من الليل نافلة لنا عسى يا رب أن تبعثنا مقامًا عندك بفضلك وكرمك وإحسانك فتفضّل علينا يا ذا الجود والمنّ والإكرام والإحسان ولا تجعلنا من المحرومين الذين بال الشيطان في آذانهم فناموا ليلًا طويلًا ما قاموا فيه ولو بركعة واحدة..

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك..



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل