تفسير سورة النور - 4- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة النور - المجلس الرابع

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٢٦﴾)

كنا تكلّمنا  عن قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقلنا أن سبب نزول هذه الآية مسطح بن أتات رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقلنا أنه قد اجتمع في مسطح الأوصاف الثلاثة أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كما قلنا أنه لما ثبت لمسطح الهجرة في سبيل الله تبيّن لنا أن الكبائر لا تحبط الأعمال إذ أن مسطح وقع في كبيرة من الكبائر وهي القذف ومع ذلك أثبت له الهجرة في سبيل الله فدلّ ذلك على أن الأعمال إنما تحبط بالشِرك إذا مات الإنسان على ذلك كما قال سبحانه (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (65) الزمر). ثم وقفنا عند قوله I (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) الرمي هو القذف بالزنى، يرمون أن يقذفونهن بالزنا. والمحصنات يدخل فيها الرجال قطعاً وخُصّت النساء لأن القذف في حقهن أشنع أو نقول أن هناك تقدير وهو:إن الذين يرمون الأنفس المحصنات الغافلات المؤمنات ليدخل في نفس الآية الرجال والنساء. المحصن هنا ما المراد به؟ العفيف. وقلنا أن المُحصَن في القذف يختلف تعريفه عن المُحصن في الزنا والمراد في هذه الآية القذف ولذلك المراد بالمحصن هنا والمحصنات أي العفيفات. (الْغَافِلَاتِ) الغافلات جمع غافلة وصفٌ آخر للمحصنات والمراد به أنه لم يخطر لها بالُ فِعل الفاحشة لبُعدها عنها وهذا من كمال عفّتها فكيف تُرمى؟! مُحصنة بل زيادةً عن ذلك غافلة لم يخطر على بالها لم تحدِّث بها نفسها. ثم قال الله I (الْمُؤْمِنَاتِ) وصفٌ زائد، و(الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) خرج مخرج الغالِب فإن الغالب في المُحصنة وهي العفيفة أن تكون مؤمنة وأن تكون غافلة عن فِعل الفاحشة. (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله I. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا من بقية قصة حادثة الإفك ولها ارتباط بها فإن عائشة رضي الله عنها محصنة وغافلة ومؤمنة بل أثتت لها خادمتها أنها غافلة أن الداجِن تأتي تأكل من يدها وتذهب من غفلتها فلا يخطر على بالها فعل الفاحشة رضي الله عنها. وهي عامة في كل نساء المسلمين وعائشة تدخل في هذه الآية دخولاً أولياً لا سيما وهي سبب نزول هذه الآيات. وقد قررنا أن بقية أزواج النبي e كعائشة على القول الصحيح. بعض أهل العلم خصّ هذه الآية بعائشة قال إن هذه الآية سيقت مساق أي مخصوص بها عائشة فقط وليست عامّة والسبب في ذلك أنه لم يُذكَر فيها حدّ القذف، لا يوجد في الآية حدّ القذف خلاف الآية الأولى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وهنا في هذه الآية قال (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)لم يذكر حدّاً ولذلك ذهب بعض أهل العلم أن هذه الآية خاصة في عائشة لعدم ورود الحدّ فيها وأن من قذف عائشة فله اللعن في الدنيا والآخرة وله العذاب العظيم. ويرى بعض أهل العلم أن الآية عامّة وليست في عائشة خاصّة، وهذا هو رأي ابن جرير الطبري إمام المفسرين وتابَعَه على ذلك ابن كثير رحمة الله عليهم. أما ما الإجابة بعدم ذكر الحدّ فقالوا الإجابة في ذلك أن هذه الآية أتت مجملة فسّرتها الآية الأولى التي في أول سورة النور التي ذكرت الحدّ (لهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا) أي الحدّ المذكور في الآية الأولى. ومن العلماء من أجاب أن هذه الآية نزلت أولاً بدون ذكر التوبة إذ لم يُذكر في هذه الآية توبة (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) لم يُذكَر توبة ولم يُذكَر حدّاً ثم نزلت الآية التي في أول السورة والتي ذُكر فيها التوبة ولا شك أن القذف من الموبقات. وهل يصحّ أن نقول أن هذه الآية نزلت فيمن لم يُقَم عليه الحدّ فله اللعن لأن كثيراً من الناس يقذِف ولا يشهد عليه أربعة أنه قذف فهذا وعيد آخر لمن لم يُقم عليه حدّ القذف. بمعنى أنه ليس معنى أنه قد لم يستطع أن يُقم عليك الحدّ أنك قد سلِمت من هذا القذف، نستطيع أن نقول هذا؟ أنا أقوله الآن بنفسي فإن قاله أحد من أهل العلم فأنا أقول به لأني لم أجد أحداً قال به ولكنه شيء انقدح في نفسي وقلت لم لا تكون هذه الآية فيمن قذف ولم يتُب ولم يُطَهّر بحدّ وتلك الآية فيمن تاب وطُهِّر بالحدّ، فإن وجدتم أحداً قال به فأنا أقول به وهو يجمع بين الآيتين والله تبارك وتعالى أعلم. ولا شك أن القذف من السبع الموبقات كما جاء في السُنّة، جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" يعني المُهلِكات، وذكر السابعة منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات". (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) يذكر بعض أهل العلم مسائل اللعن عند هذه الآية، فهل يجوز لعن الكافر؟ قال بعض أهل العلم الذي مات على كفره وعُلِم كفره كفرعون وهامان يجوز، كما أن لعن الكافرين على وجه العموم جائز أما لعن الكافر المعيّن فهل يجوز؟ نقول لا يجوز، والسبب لأن اللعن هو أن تدعو عليه ببقائه على كفره والمسلم ليس بلعّان، المسلم خُلُقُه هداية الناس لا الدعاء عليهم بالبقاء على الكفر والفسق. إذن الكافر المعين والفاسق المعين فيه خلاف بين أهل العلم بين جواز لعنه وعدم جوازه والأولى عدم فعل ذلك لأن اللعن يقتضي الدعاء على الملعون بالبقاء على الكفر أو الفسق.

ثم قال الله I متوعِّداً محذِّراً وهذا مما يعضد ما قلت لكم أن هذه الآية لعلها تكون فيمن لم يُقَم عليه الحد ولم يتُب (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إن لم يشهد عليك الناس ويقيمون عليك الحدّ فإن لسانك ويدك ورجلك شاهد عليك بما قذفت به ذلك المؤمن البريء. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سواء بالقذف أو بغيره وقد جاء في حديث أنس بن مالك قال كنا عند النبي e فضحك حتى بدت ونواجذه، فقال أتدرون ممَ أضحك؟ فقلنا الله ورسوله أعلم، قال: من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول لا أجيز شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكِرامِ عليك شهوداً فيُختَم على فيه ويقال لأركانه إٍنطقي فتنطق بعمله فتشهد اليد وتشهد الرِجْل ويشهد الفرج ويشهد اللسان ثم يُخَلّى بينه وبينه الكلام فيقول: بُعْداً لكنّ -أي أيتها الأعضاء- وسُحقاً فعنكنّ كنت أناضل، يعني عنكنّ أن تمسكنّ النار كنت أناضل.

ثم قال الله I (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) قال ابن عباس أي حسابهم وكل ما في القرآن (دِينَهُمُ) فمعناه حسابهم وكذا قال غير واحد من أهل العلم. (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) قُرِئت الحقَ بالفتح (الحقَ) صفةٌ للدين وقُرِئت (الحقُ) صفةٌ لله تبارك وتعالى لفظ الجلالة أي يوفيهم الله الحقُّ دينَهم وهي قراءة شاذّة. (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) أي الثابت أن وعد الله I ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جورَ فيه.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) الخبيث هو الرديء كما قال تعالى (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ (267) البقرة) أي الرديء منه. ما معنى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)؟ اختلف فيه أهل التفسير على قولين:

Ø   القول الأول الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال أي الخبيثين من الرجال يقولون القول الخبيث. والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول إلى آخره. فالحديث عن القول لارتباطه بحادثة الإفك ولأن الله عز وجل قال بعدها (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) واختار هذا ابن جرير الطبري رحمه الله ووجّه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القُبح من الناس والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق لعائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ولذلك قال (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ)

Ø   القول الثاني أن المراد بذلك الأشخاص: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، تعريض بمن؟ النبي صلى الله عليه وسلم طيب فلا بد أن تكون زوجته طيبة فالمراد به الأشخاص. هل هناك تعارض بين القولين؟ لا تعارض بين القولين فالقول الثاني يعود باللازم على القول الأول. أي معنى القول الثاني ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل البشر.

ثم قال I (أوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) لم يقل أولئك مبرأون من الإفك لماذا نصّ على القول هنا؟ قال للعلماء للإشارة إلى أن الإفك بكامله لم يعدو أن يكون قولاً لا حقيقة له لا واقع له، لا أساس له لا يعدو أن يكون قولاً (أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي عن بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان. (لَهُم مَّغْفِرَةٌ) أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب لأن الإنسان إذا ابتلي أُعطي من الحسنات أو غُفِر له من السيئات. الابتلاء إما أن يكون رفعةً في الدرجات أو مغفرةً للسيئات لذلك قال (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) اي عند الله في جنات النعيم وفيه وعدٌ بأن تكون زوجة النبي e عائشة زوجةٌ له في الجنة. بهذه الآية يكون قد انتهى الحديث عن حادثة الإفك، المجموع 16 آية عشرٌ خاصة بعائشة وستةٌ متصلة بحادثة الإفك.

ثم قال الله I بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) الآن بدأ بأدب شرعي جديد وهو من الآداب التي تحفظ المجتمع المسلم وتحترم خصوصيته وهو خُلُق رفيع لأن الله عز وجل قد جعل لهذه البيوت حُرمة فناداهم باسم الإيمان إغراءً لهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) أي البيوت التي تسكنونها سواء تلك البيوت التي ملكتموها أو التي استأجرتموها فإن المستأجِر مالِك، لا أحد يقول أنت مستأجر ليس لك دخل صاحب البيت الأصلي يقول الله أمرنا أن لا ندخل البيوت معه مفتاح ويدخل على بيوت الناس التي أجّرهم ويقول أنا صاحب البيت، نقول لا، الله I قال (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) أي التي تسكنونها لا يقصد فقط التي تملكونها، التي تسكنونها سواء كانت ملكاً أو إيجاراً. (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) استفعال من الأُنس الذي هو ضد الوحشة وهو رأي الطبري رحمه الله، وقال آخرون أن الاستئناس هنا بمعنى الاستئذان والأول أرجح لماذا؟ لأن الاستئناس أعمّ من معنى الاستئذان، ربما يؤذن للإنسان ولا يستأنس به، فإذن قال الله U (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) ويدخل فيه الإستئذان لأن الاستئذان أول باب من أبواب الاستئناس لكن الاستئناس أعم ربما يستأذن الإنسان وأنت تدعه يدخل ولا تدري ماذا يريد، فأمرنا الله عز وجل أن ندخل بيوت الغير حينما نستأنس أي يستأنسون بنا أي استفعال من الأنس يأنسون لنا. ثم قال سبحانه وتعالى (وَتُسَلِّمُوا) أمرهم أن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا ويحصل بهم الأنس ويسلّموا بعده فيستأذنوا قبل الدخول ويسلّموا بعده. قال بعض أهل العلم أن سبب نزول هذه الآية فيما ذكره الطبري أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني فيها والد ولا ولد وأنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية. وقد جاء في السُنة آداب الاستئذان منها أن الاستئذان ثلاث فإن أذن للإنسان وإلا يرجع، الأمر الثاني –وكل هذا من باب احترام حرمة البيوت - أن لا يقف تلقاء الباب. جرت العادة في القرى والهِجَر أن تكون الأبواب مفتوحة ففتح الباب ليس إذناً بالدخول فلا بد من الاستئذان ولا بد من السلام بل فضلاً على الاستئذان أن يحصل بك الأُنس. من الآداب التي وردت بها السنة في الاستئذان أن لا يقف أمام الباب ربما فتح الباب فكشف ما بداخله وإنما يكون يميناً أو شمالاً. من الآداب أن لا يطّلع من النوافذ، من الثقب، فإن النبي e قد أهدر عين من رأى. وهذه كبيرة أن يهدر دم من اطّلع على بيوت الناس! من آداب الاستئذان أن يعرّف بنفسه بعض الناس يقول من؟ يقول أنا، من أنت؟! لا بد أن تقول أنا فلان ابن فلان، أو تقول أبو عبد الله! قد يعرفون عشرة أبو عبد الله، أبو عبد الله يريدونه أن يدخل وتسعة لا يبغونهم! فلا بد أن تُخبر بشيء يحصل به الأنس تقول أنا فلان ابن فلان. ولذلك أخرج جماعة عن جابر قال أتيت النبي e في دين كان على أبي فطرقت الباب قال من؟ قلت أنا، فقال النبي e أنا، أنا! كأنه كرِه ذلك. من أنت؟ وكُره النبي e لأنه لا يعرف صاحبها حتى يفصح عن اسمه أو كنيته المشهور بها وإلا يستطيع كل إنسان أن يعبّر عن نفسه بقوله أنا فلا يحصل المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية. أيهما يقدّم الاستئذان أم السلام؟ الله I قال (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) وقلنا أن من أعلى أبواب الاستئناس الاستئذان، وجاء في السُنّ’ أن رجلاً استأذن على النبي e فقال إرجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟، ففي الآية قدّم الاستئذان وفي الحديث قدّم السلام، فهو قال السلام عليكم أأدخل؟ (أأدخل) هذا هو الاستئذان، السلام عليكم هو السلام وأأدخل هو الاستئذان فأيهما يقدّم؟ الآية قدّمت الاستئذان والأحاديث كما قلنا قدّمت السلام. قال بعض أهل العلم، جمهور أهل العلم يرى أنه يقدّم السلام لماذا؟ قالوا لأن السُنّة مفسِّرة للقرآن والقرآن هل أتى بالترتيب أو بالعطف بالواو التي لا تقتضي الترتيب؟ أتى بالعطف بالواو التي لا تقتضي الترتيب قال (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) لم يقل "ثم تسلّموا". العطف بالواو لا يقتضي الترتيب فلما أتتنا السُنّة وبيّنت أنه يُبدأ بالسلام ثم الاستئذان نقول إنّ السنة مفسِّرة للقرآن وعلى هذا فالأولى أن يبدأ الإنسان بالسلام جمعاً بين الآية والحديث. بماذا يكون الاستئذان؟ الحديث ذكر "أأدخل؟"، هل نلتزم بهذه الكلمة؟ أو هناك صيغ أخرى يمكن أن نستأذن بها؟ نقول إن الاستئذان يحصل بأيّ كلمة يُفهم منها طَلَبُ الإذن عُرفاً دقّ الباب، ضرب الجرس، المهم أيّ شيء أو أيّ كلمة يُفهَم منها الإذن عُرفاً فيَصدُق عليه معنى الاستئذان. (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ) يعني أن هذا الخُلُق الذي أرشدناكم إليه خيرٌ لكم، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لوجود المصالح، تصوروا أن هذا الخُلُق ليس موجوداً بين الناس؟ ماذا سيكون حالهم؟ هل سيكون للبيوت حرمة؟ لا، ولذلك من انتهك حرمة البيوت فقد خالف هذا الهديَ القرآني والهدي النبوي ولذلك عُبِّر عن الاستئذان بالاستئناس يعني لا يكفي مجرد الإذن، إمعان في قضية الخلق لا بد أن يحصل المقصود من دخولك وهو الاستئناس، وأن تلقي التحية وهي السلام فهو خيرٌ للطرفين لمن؟ للمستأذِن وللمستأذَن خيرٌ لكم، خيرٌ لِكِلا الطرفين المستأذِن إن كان في حال لا يريد أن يأذن فلا يأذن ويكون عدم إذنه بألّا يُجيب. إذا ما أجاب يستمر في طرق الباب؟! يضرب الجرس إذا ما أجاب يضرب الباب بحصاة كبيرة جداً؟! ويضرب بوق السيارة؟! هذا إزعاج، أنت أُمِرت بالاستئذان ثلاثاً فإذا لم يؤذن لك فهو لا يخلو من أمرين إما أن يكون صاحب البيت غير موجود وإما أنه لا يريد أن يأذن لك وهذا من حقّه إما أن الوقت غير مناسب أو هو لا يريدك مشغول بشيء معين لا يريد أن يأذن لك. فلك أن تستأذن ثلاثاً فقط فإن أُذِن لك وإلّا ترجع (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). قال سبحانه وتعالى (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) وذلك لما فيه من التصرف في مُلك الغير بدون إذنه، أنت تعلم أن البيت ليس فيه أحد، ما معنى الاستئذان؟ أتسور الباب والسور وأدخل؟! (فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي إذا ردّكم من الباب قبل الإذن أو بعده كأن يقول أخي الكريم أعتذر الآن عن استقبالك لكذا وكذا أو أعتذر الآن عن استقبالك، لا تزعل عليه لا تتضايق منه. قال بعض المهاجرين طلبت عمري كله هذه الآية فما وجدتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي إرجع فأرجِع وأنا مغتبط لقوله (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ُوَ أَزْكَى لَكُمْ) هذه تزكية. (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا) أي في هذه البيوت التي هي بيوت الغير، هذا هو معنى الآية. وقال مجاهد إن لم يكن لكم فيها متاع وضعّفه الطبري وابن عطية.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ) هذه الآية الكريمة أخصّ من الآية التي قبلها وهي تقتضي جواز دخول البيوت التي ليس لها أحد إذا كان فيها متاع، كيف إذا كان فيها متاع؟ هل هناك بيوتاً ليس لها أحد؟! قال العلماء المقصود بالمتاع هنا لا يُقصد به الأدوات يعني أن فيها أدوات لكم داخل هذه البيوت وإنما المقصود المنفعة لكم، أي ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة، ما هي البيوت غير المسكونة؟ يقول العلماء كبيت الضيف كانت العرب تضع بيتًا بعيداً عن بيوتهم يسمونه بيت الضيافة هذا ليس له أحد بمعنى أنه قد فُتِح وأُذن لكل من أتى أن يدخل، فيها متاع لكم أي فيها منفعة لكم لأنك إذا دخلت ضُيّفْت وهي موجودة الآن في بعض القرى يجعلون بيتاً مستقلاً بيت شعر أو غيره للضيافة  ليس فيه حرمة لا يمكن أن ترى فيه ما تكره، هو معدّ للسائرين. ومن العلماء من قال أن بيوتاً غير مسكونة مثل البيوت المهجورة وأنت مسافر الآن تجد بعض البيوت مبنية لم تنتهي بعد تستظل بها ساعة ساعتين وتمشي، فيها منفعة لك تستظل بظلها. قال بعض العلماء "وبيوت مكة" بيوت مكة فيها منفعة لك انظر أي بيت فندق زمزم أو شركة مكة وادخل فيها، ما رأيكم؟! انظر الفنادق المحيطة بالحَرَم وادخل بسم الله! مجاناً! فيها منفعة لك أنت تصلي في الحرم وتستظل وترتاح! هذا على قول من قال هذا القول على قول من قال أن بيوت مكة لا تُملك أصلاً هناك بعض أهل العلم يرى أن بيوت مكة والتي حول الحرم لا تُملك ولا يجوز أن يملكها شخص وإنما هي لعامّة المسلمين، وهذا القول ضعيف والصحيح أنها تُملك وقد أثبت النبي e أن لعقيل داراً "وهل ترك لنا فيها عقيل من رباع ودور". لذلك ليس المقصود بيوت مكة أن ينظر الإنسان أحسن فندق ويدخل فيه! لا. وقال بعض أهل العلم المراد بيوتاً غير مسكونة الفنادق، منازل الأسفار وهي الفنادق التي في طرق المسافرين ذكر ذلك قتادة ومجاهد فقالوا أن المراد بالآية هي الفنادق، كيف الفنادق؟ تختار فندقاً وتدخله؟! ما المقصود بالفنادق؟ كان العرب يضعون بيوتاً يستقبلون بها الناس ويسمونها فندقاً، الآن الفنادق خمس نجوم وسبع نجوم وثلاث وأربع نجوم وهي غالية الآن وغير مسموح لك أن تدخل إلا بمالك، فالإنسان لا يأخذ هذه الأقوال ويطبقها على واقعه فإن المصطلحات تختلف. ويدل هذا على أن الفنادق موجودة من قديم حتى قال القرطبي رحمه الله في تفسيره يقول أن إكرام الضيف لا يجب في هذا الوقت قالوا لماذا؟ قال ينزل في الفندق لأنه كان يسكن في قرطبة في إسبانيا، قال من لم يجد له منزلاً ينزل في فندق، هذا رأيه رحمه الله، وعلى كل حال المقصود (ليس عليكم جناح) رفع الحرج أن ندخل بيوتاً غير مسكونة ليس لها صاحب، فيها متاع ليس المقصود فيها أدوات وإنما فيها منفعة لنا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) ختم هذه الآية بتحذيرهم من دخول بيوت غير المسكونة أو أن تدخل شيئاً ليس لك فيه منفعة سواء كان مسكوناً أو غيره (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). إذن البيوت المراد التي ليس لها ساكن والمتاع المراد به الذي فيه منفعة الاستظلال. وقلنا أن من قال أن المراد بها بيوت مكة هذا على قول من قال أن بيوت مكة لا تُملك وهو قول ضعيف. ومن قال أن المقصود بها الفنادق فإنه لا يعني بها الفنادق التي تؤجّر وإنما أراد بها الفنادق التي كانت في السابق والتي كانت تعدّ للمسافرين مثل ما يسمى مدائن الحجاج. مدائن الحجاج لا يحتاج الإنسان أن يستأذن هي أعدّت له يرتاح فيها ساعة ساعتين ينام فيها ليلة ثم يكمل بقية سفره فهي منازل المسافرين التي أعدّت قصداً لهؤلاء المسافرين، هذا المراد بهذه الآية. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل