مثنى وثلاث ورباع، تأمل في عدد ركعات الصلاة

مثنى وثلاث ورباع

تأمل في عدد ركعات الصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 العبد يتلقى أوامر الله عز وجلّ وتشريعاته بالتسليم المطلق قائلًا (سمعنا وأطعنا) ويتلقى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية بالاتّباع والتأسي والاقتداء لأنه عليه الصلاة والسلام خير من عَبَدَ الله سبحانه وتعالى وامتثل لأوامره وطبّق تشريعه. علّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي ما ينطق عن الهوى كيفية الصلاة وبيّن لنا عدد ركعاتها فعرفنا أن صلوات الفرائض هي: الفجر ركعتان والظهر والعصر والعشاء أربع والمغرب ثلاث ونحن نصليها هكذا لأنها تشريع رباني لا يمكن لأحدنا أن يختار أكثر من هذا العدد ولا أقل مهما كان يحب هذه الصلاة وإنما نلتزم بالعدد الشرعي ومن أراد الزيادة فعليه بالنافلة مثنى مثنى في أي وقت من ليل أو نهار إلا الأوقات المنهي عنها (من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح ، وحين يقوم قائم الظهيرة إلى أن تزول، ومن صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس) (روى مسلم (1373) عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ : ( ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ )

ولأن الله سبحانه وتعالى هو الحكيم فلا بد أن لكل أمر منه حكمة نؤمن بها إن خفيت علينا أو جُلّيت لنا وهذا لا يتعارض مع محاولتنا للتأمل والتدبر في هذه الحكم لعل الله تعالى يفتح لنا شيئا منها فيزيد إيماننا كما قال إبراهيم عليه السلام (ولكن ليطمئن قلبي). ومن خلال التفكر والتأمل في عدد ركعات الصلوات المفروضة وتناسبها مع وقتها أقول والله تعالى أعلى وأعلم:

نجد أن أقل الصلوات في عدد ركعاتها هي صلاة الصبح وكانت قرآءة النبي صلى الله عليه وسلم فيها طويلة لقول الله تعالى (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء: 78] وقال بعض العلماء في تفسير الآية أنها حثٌ على تطويل القرآءة في صلاة الفجر وهو وقت تتعاقب فيه ملائكة الليل والنهار تشهد الصلاة. بينما صلاة الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات تنوعت قرآءة النبي صلى الله عليه وسلم فيها فكان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في صلاتي الفجر والظهر ، ويتوسط في صلاة العصر والعشاء ، ويخفف ويقرأ من قصار السور في صلاة المغرب وجاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة "كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ" (رواه النسائي وصححه الألباني). والمفصّل هي سور القرآن من سورة ق إلى سورة الناس، طواله من ق إلى النبأ وأواسطه من النبأ إلى الضحى وقصاره من الضحى إلى الناس.

ولعل التأمل في عدد الركعات والقرآءة يوصلنا لتلمس شيء من بديع هذا التشريع ورحمة الله تعالى بعباده وعنايته بأحوالهم كيف لا وهو خالقهم ومربّيهم؟! صلاة الصبح ركعتان فقط ولعل هذا لأنها في وقت إما أن يكون العبد نائمًا ويستيقظ من نومه لأدائها فيكون خالي الذهن صافي القلب والسريرة لم تتناوشه بعد مشاغل اليوم والعمل فيُطلب منه أن يصلي ركعتين فقط يطيل فيهما في القرآءة ليتدبر ويتأمل في آيات القرآن فيشحن قلبه بنورها حتى ينطلق بعدها إلى عمله نشيطًا مباركًا له في يومه، وإما أن يكون العبد قد قام شيئًا من الليل متهجدًا فلا يشق عليه بكثير ركعات وإنما يصلي ركعتي الفجر ثم ينصرف إلى متابعة يومه مبارك له فيه مشرق القلب والوجه بقيامه لربه وصلاته.

ثم صلاة الظهر والعصر هما خلال النهار يتخللان العمل والتجارة والبيع والشراء فلعل في كونهما أربع ركعات إعانة للمصلي على استحضار قلبه الذي انشغل بأمور الرزق والعمل ولعله في الركعة الأولى كان منصرف الذهن ولم يحصل له خشوع وما زالت تجارته تشغل فكره وقلبه فتأتي الركعة الثانية والثالثة والرابعة فيطمئن في كل واحدة منها أكثر من سابقتها ولعله يستدرك في كل ركعة ما فاته فيما قبلها من خشوع أو حضور ذهن وقلب فلا ينتهي من صلاته إلا وقد حصل له فيها شيء من الخشوع ويا حسرة من صلى الركعات الأربع ولم يحضر قلبه بعد!! ولعل إطالة القرآءة في صلاة الظهر كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تصب في هذا الباب لتوقظ قلب المصلي وتنزعه من انشغاله بالدنيا لتعيده للحقيقة الثابتة أن الآخرة خير وأبقى. 

وصلاة العصر أربع ركعات والقرآءة فيها مخففة ولعل هذا يناسب وقتها لأنها وقت قيلولة وراحة بعد العمل فتزيد الركعات ليتيقظ الإنسان المتعب فالحركة تنشّطه وتوقظه ولا يطيل القرآءة فيها تخفيفًا عنه فيفرغ من صلاته ويرتاح ليتقوى على بقية يومه.

أما صلاة المغرب فهي ثلاث ركعات وقرآءة النبي صلى الله عليه وسلم بقصار المفصّل فيها لعل هذا يتناسب مع قصر الوقت بين صلاتي المغرب والعشاء ولعله والله أعلم مرحلة توسّط بين ركعتي وأربعة في وقت هو بين نهار طويل يقضى أغلبه في العمل وبين ليل فيه السكون والراحة والمناجاة. ولا نسأل إذن لماذا كانت ثلاثا وليس اثنتين ولعلها لو كانت اثنتين لسألنا لماذا لم تكن ثلاثا أو أربعا! فنقول الله تعالى أعلى وأعلم وله الحكمة المطلقة في كل أمر وإنما المسألة محاولة تلمس شيء من الحكم لا كلها فهذا محال!

أما صلاة العشاء فهي أربع ركعات وهي الصلاة الخاتمة لصلوات اليوم والإنسان يحتاج بعدما أشغلته أمور الدنيا والعمل والرزق والتعاملات والأولاد يحتاج بعد يوم طويل إلى شحنة إيمانية جديدة يمكنه بعدها من النوم هانئ البال مطمئن القلب قد غسل أدرانه التي علقت به فتطهره صلاته كما يغسل بدنه وثوبه ويلقي عنه ثوب العمل فلا يبقى من درنه شيء. وبين الصبح والعشاء ساعات طويلة قد لا يوفّق لقيام الليل فعلى الأقل تكون صلاة العشاء له زادًا إيمانيًا إلى أن يُصبح. لكنه لا يليق بمؤمن أن تمر عليه ساعات الليل دون أن يأخذ حظه ورزقه من المناجاة الربانية تثبته وتمسح عن قلبه كل همّ وغمّ وتقرّبه من ربه الكريم الذي يتنزل في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟

تخيل خسارتنا لو كانت الصلاة في كل فريضة ركعة واحدة وسهونا فيها ولم نخشع؟! كيف سيكون رصيد صلواتنا؟!! الله المستعان! فلنحمد الله تعالى على هذه النعمة التي لم نفكر فيها من قبل وهي نعمة عدد الركعات لكل صلاة فما أحكم الله سبحانه خير الحاكمين وما أشد غفلتنا وجهلنا!!

هذا في الفرائض ولو تأملنا في السنن المؤكدة لوجدنا أن أكثرها يكون مع صلاة الظهر (أربعا قبلها وركعتان بعدها أو أربع) وأما الصبح فركعتان قبلها والمغرب ركعتان بعدها والعشاء ركعتان ثم الشفع والوتر والعصر ليس له سنة مؤكدة وإنما كان صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا قبلها أحيانًا "رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعا" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر) ولعل في عدد ركعات هذه السنن المؤكدة ما يقوي ما ذكرته في الفرائض والله أعلم.

اللهم لك الحمد على ما شرعت لنا وفرضت علينا سبحانك أنت العزيز الحكيم، ربنا اغفر لنا تقصيرنا وثبت قلوبنا على طاعتك وعلّمنا علمًا ينفعنا وافتح قلوبنا ومسامعنا لذكرك وارزقنا التفكر في آياتك العظيمة من حولنا وفي أنفسنا وفي عباداتنا وارزقنا اليقين واهدنا للحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل