تفسير سورة النور - 3- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة النور - المجلس الثالث

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٣﴾ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٤﴾ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٧﴾ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٨﴾) .

يقول الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر براءة عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها مما رُميت به من الزنى (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) سمعتم خبر قذف عائشة هذا توجيه وتأديب من الله للمؤمنين الذين وقعوا في عِرْض النبي صلى الله عليه وسلم حين أفاض بعضهم وتكلّم بهذا الكلام السوء (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) في (أنفسهم) قال العلماء في تفسيرها بأنفسهم حقيقة أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم ظنّوا بأنفسهم أي فكما أنه لا يليق بهم فأمّ المؤمنين لا يليق بها أن تفعل من باب أولى، وقد فعل ذلك أبو أيوب الأنصاري t وامرأته فقد جاء عند الإمام محمد ابن إسحاق أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ معناه أن الحديث انتشر حتى تكلم الناس به فى بيوتهم، قال نعم، وذلك الكذب، مباشرة حتى لم يجعل لنفسه مجالاً لأن الشيء يُقال اِكذب اِكذب حتى يصدّقك الناس فهو نفى مباشرة قال وذلك الكذب. ثم سأل أم أيوب قال أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ يعني هل يا أم أيوب أنت تفعلين الزنى؟ قالت لا، والله ما كنت لأفعله، قال فعائشة خيرٌ منك.انظر هذا البيت الذى رُبي! قال عائشة خير منك قال فعائشة والله خير منك. وهذا هو اللائق أن يقول أن هذه الآية نزلت في أبي أيوب يعني لما سمعت هذا الخبر عن عائشة وأنا أقول هذا تأديب للمؤمنين عامة جاءك خبر عن فلان من الناس قِس ذلك على نفسك أيليق هذا بك وبأهل بيتك؟ كما قالت أم أيوب لا، استنكرت كيف؟ أنا أفعل! صعب، قال والله عائشة خير منك. وقال بعض العلماء عبّر بالنفس هنا عن الإخوان أي ظنّ المؤمنين والمؤمنات بإخوانهم خيراً فجعلهم بمنزلة النفس الواحدة من أخوتهم أي ظنوا بهم خيراً كما قال الله تعالى (اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ (54) البقرة) أي يقتل بعضكم بعضاً أيهم أرجح؟ كِلا الأمرين، أن تظن في نفسك وأن تظن ذلك بإخوانك، هذا أدب. وقالوا ما يكفي أن تظن في نفسك ما يكفي أن يكون ذلك في قلبك فقط لا بد أن تتكلم وتنافح وتدافع (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) إفك فقط لا، (ِإفْكٌ مُّبِينٌ) يعني واضح الإفك واضح الكذب، هل يليق ببيت النبوة هل يليق بالصدّيقة بنت الصديق؟! لا يكفي أن تظن أن تقول والله ما أتوقع هذا بل لا بد أن تكذِّب الخبر (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) ظنّ المؤمنون يعني هلّا ظنّ المؤمنون. (هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) لماذا إفك مبين؟ لو تأملنا القصة التى ذكرت لكم قبل قليل فإن رمي عائشة هو من صنيع المنافقين وإلا فمجيء أم المؤمنين راكبة جهراً على راحلة صفوان فى وقت الظهيرة والجيش بكامله يشاهدون ذلك ورسول الله e بين أظهرهم هل هذا فعل الزانية؟! حاشاها. إلا كانوا تأخروا حتى يدخلون ليلاً ولا يدري بهم أحد. ولذلك قال عز وجل (وَقَالُوا) أي بألسنتهم وأسمَعوا من حولهم (هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ). ثم قال الله عز وجل (لَوْلَا) أي هلّا (جَاؤُوا عَلَيْهِ) أي جاؤوا على ما قالوا برمي عائشة بالزنى (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) يشهدون على صحة ما جاؤوا به. إن كان هذا في المسلمين فيما بينهم ففي عائشة رضى الله عنها أولى وفي بيت النبوة أولى وأحرى (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء) ولن يأتوا بالشهداء لأنه لا حقيقة له (فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي في حكم الله كاذبون فاجرون مفترون. ثم قال الله I (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أيها الخائضون فى شأن عائشة لولا فضل الله عليكم بأن قُبلت توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم وهذا الحديث فيمن حُدّ (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُم فِيهِ) من قضية الإفك وما تحدّثتم به (عَذَابٌ عَظِيمٌ) هنا مبهم لكنه أشد مما حصل للقاذف من عقوبة الدنيا من الجلد والتوبيخ. يقول ابن كثير رحمه الله عند هذه الآية -وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة- فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أُبي وأضرابه فليس أولئك مرادين في هذه الآية لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يُعادل هذا ولا ما يعارضه. ثم ذكر قاعدة جميلة ابن كثير رحمه الله قال: وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعلٍ معين يكون مطلقاً مشروطاً بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه. ثم قال الله I (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) تلقّون ماذا؟ حادثة الإفك، خبر الإفك، قصة الإفك أي يرويه بعضكم عن بعض هكذا تقولونه بألسنتكم ليس عن علم، ليس عن مشاهدة، يرويه بعض عن بعض سمعت فلان عن فلان عن فلان يقول عائشة فعلت كذا وكذا تقول من قال؟ قال سمعته من فلان وفلان، وهذه سمعته عن فلان هذه من أوهى الأحاديث وأضعفها. (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم) القول لا يمكن أن يكون بغير الأفواه فلماذا قيّده الله U هنا بالأفواه مع أنه لا يكون إلا بالأفواه؟ يقول العلماء لبيان أن هذا الإتهام ليس له أساس وواقع وإنما هو كلام يدور في الأفواه فقط. أُنظروا الآيات كيف برئت عائشة ويأتي هؤلاء الروافض قبّحهم الله الصمّ البكم يرمونها رضي الله تبارك وتعالى عنها! الروافض الذين وصفهم أحد السلف بقوله أنهم لو كانوا طيوراً لكانوا رَخَماً ولو كانوا دواباً لكانوا حميراً أخس الحيوانات ولا يُعرَف عن قوم أحلّوا الكذب سواهم، يبرئها الله تبارك وتعالى من فوق سبع سموات ويرمونها؟! انظروا كيف قرر القرآن براءتها.

يقول (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) ليس عن علم ليس عن مشاهدة إنما هو أخبارعن فلان وفلان (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم) وقيّد القول بالأفواه مع أنه لا يكون القول إلا بالأفواه لبيان أن هذا الإتهام إنما هو إتهام فقط يلاك بالألسن لا حقيقة له لا وجود له كلام يدور في الأفواه فقط (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) أي تقولون ما لا تعلمون ليس عندكم أدلة، ليس عندكم وبراهين بل الأدلة والبراهين هي بضد قولكم، الأدلة والبراهين والقرائن مجتمعة على ضد ما تقولون به وتتهمون به عائشة رضى الله عنها. (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) أتحسبون أن رمي أم المؤمنين عائشة وبيت النبوة وعرض محمد e هيّن؟!! (وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) تحسبون ذلك يسيراً؟! لو لم تكن زوجة النبي e لما كان هيناً، فكيف وهي زوجة النبي e؟! كيف يقال في زوجة النبي e ما قيل؟! الله يغار لهذا I، الله لا يُقدر زوجة نبي من أنبيائه ولذلك لما قال الله في سورة التحريم (فَخَانَتَاهُمَا(10) التحريم) ليس المقصود الخيانة الزوجية وإنما خانتاهما بمخالفتهما لدينهما وإن الله لا يرضى لنبي أن يتزوج امرأة غير عفيفة. وفي الصحيحين مصداقاً لقوله تعالى (وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض" وفي رواية "لا يُلقي لها بالاً". ثم قال الله  I زيادة (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) توجيه آخر (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) تأديب آخر بعد التأديب الأول بعدما أمرهم بالظن خيراً وبتكذيب الخبر قال (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) وألا يُشعر به نفسه وألا يتكلم به وألا ينقله فإن الأخبار والنقل والإشاعات كم سببت من الويلات فإذا علق بنفسه، لنفرض أنه قد علق بنفسك شيء مما قيل فلا تتكلم (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا) ما ينبغي أن نتكلم بهذا الكلام ولا نتفوه به ولا نذكره لأحد (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) سبحان الله أيقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحبيبة خليله! ثم قال الله I موجهاً لهم (يَعِظُكُمُ اللَّهُ) أي ينهاكم ويتوعدكم (أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) أي أن يقع منكم ما يشبه هذا أبداً فيما يُستقبل، لمّا وجههم فيما مضى حذّرهم وأنذرهم فيما يُستقبل أن لا يتكرر. ففي هذه المرة تيب عليهم وحٌدوا لكن في المرة القادمة إن تكلموا لا يدرون ما الله U سيكتب عليهم أو بماذا يحل بهم. ولهذا قال (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إغراءً لهم بالإيمان أي أن هذا ليس من خلق المؤمنين، إن الحديث بهذه القضايا وذكرها في المجالس بل والظنّ والخواطر بها ليس من أخلاق أهل الإيمان ليس من أخلاق المؤمنين. إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظّمون رسوله e. ثم قال الله (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ) أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي عليم بما يُصلح عباده حكيم في شرعه وقدره.

بعد هذه التوجيهات وهذه الآداب التي وجه الله U بها المجتمع المسلم حينما تنتشر فيه مثل هذه الشائعات أتى التأديب الثالث وهذا عامٌ في كل مجتمع. قال الله I (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) ماذا نفهم من هذه الآية؟ هل قضية الذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين ينشرونها بكل ما تحمله؟ أو أن مجرد الحديث بها والقذف وتداول الأخبار من محبة الفاحشة وإشاعة الفاحشة ونشرها وهذا وعيد شديد . لماذا جعل الإسلام حدّ القذف صارماً فى هذه القضية؟ لأن الأصل في المجتمع المسلم الطُهْر والعفاف وتداول مثل هذه الأخبار إنه مما يهوّنها على الناس فإن الناس إذا سمعوا بالأخبار هذه الأخبار كثيراً يقولون كثرة الإمساس تقلل الإحساس ولذلك أوصد القرآن كل باب يخدش طهارة هذا المجمع وعفافه ولذلك قلنا لكم أن مقصود سورة النور هو الطهر والعفاف والستر وبيان الطُهْر وأن يحافظ هذا المجتمع المسلم.

ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أي الذين يختارون وهذا تأديب لمن سمع شيئاً من الكلام السيء فقام في ذهنه شيء منه وتكلم به فلا يُشيعه ويذيعه فقال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، ما جزاؤهم؟ (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ما هو العذاب الأليم الذي في الدنيا؟ قال بعض العلماء الحدّ حدّ القذف إن أشاع في فلان وتكلم في فلان هذا أحد الأقوال في المسألة بأن العذاب الأليم في الدنيا هو الحدّ وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله ولذلك قال (وَالْآخِرَةِ) أي وفي العذاب. لكن يشكل على هذا لو فسرنا العذاب الأليم في الدنيا بالحدّ ظهر عندنا إشكال وهو أن الحدود كفارات فكيف يعاقَب في الآخرة؟ لأنه قال (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)؟ والجواب عن هذا أن نقول إن العذاب الأليم المراد به في الآية عامٌ فى الحدّ وغيره من أنواع المصائب. فيكون الحدّ على الفعل وهو القذف إذا قذف، وهذا في الدنيا وعذاب الآخرة على محبة إشاعة الفاحشة لأنها من أعمال القلوب والتي لا يطّلع عليها إلا الله I فربما يموت ولم يتب منها. حتى تتبين لكم هذه الآية: إنسان قذف فلاناً بالزنا ماذا يجب أن نفعل به؟ نُلزِمه بالبيّنة أربعة شهود إذا لم يأت بالبينة نجلده الحدّ ونرد شهادته ونحكم عليه بالفسق فإن تاب وكذّب نفسه تُقبَل شهادته على القول الصحيح ويرتفع عنه الفسق على القول الصحيح. لكن الآية هل تتعرض للقذف أو تتعرض للعمل القلبي؟ تتعرض لعمل قلبي (يحبون) المحبة أين محلها؟ القلب ولذلك قال الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أحياناً إنسان يشيع الفاحشة ويتكلم بأشياء ويشيع بأصناف سواء بالقذف أو بغيره أم بنشر الفاحشة أو بأسبابها أو تهيأتها هذا ما جزاؤه هل يُحَدّ؟ هذه القضية ليس الحديث فيها عن القذف خصوصاً لأن القذف أحد أنواع محبة الفاحشة ولذلك هنا نقول أن العذاب الأليم فى الدنيا هو جملة المصائب التى قد يُبتلى بها الإنسان نتيجة محبته لإشاعة الفاحشة، وفي الآخرة يعذَّب كذلك ودليلنا على أن هذه الآية أعمّ من قضية القذف خاتمة الآية لأن خاتمة الآية يُترجم عن معناها إذ قال الله I (واللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي يعلم ما في قلوبكم. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) قررتُ لكم أن هذه الآية أعمّ من قضية القذف حتى نقول إن العذاب الأليم هو الحدّ وأن إشاعة الفاحشة تكون بالقذف وغيره. ويرى ابن عطية رحمه الله أن محب إشاعة الفاحشة كأمر المحاربين الذين قد توعِّدوا بالصلب وفي الآخرة بالعذاب يعني يقول إن أمرهم عظيم فكما أنهم يُعاقبون فى الدنيا يعاقبون كذلك في الآخرة الذين قال الله تعالى فيهم (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) المائدة) مع أنهم أقيمت عليهم هذه الحدود يقول ابن عطية إن أمر محبي الفاحشة أمرهم عظيم كأمر هؤلاء المحاربين الذين أُقيمت عليهم الحدود ومع ذلك لهم في الآخرة عذاب عظيم. ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) جواب (لولا) محذوف تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بذنوبكم ولم يستركم ولعذّبكم لكنه I رؤوف بعباده رحيم بهم فتاب على من تاب في هذه القضية وطهّر من طهّر بالحدّ الذي أُقيم عليه.

ثم قال الله I مبيناً أن كل ما حصل إنما هو من إتّباع خطوات الشيطان، فقال I (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كل هذا إرشاد للمجمتع المسلم في هذه القضايا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي طرائقه ومسالكه وما يأمر به والشيطان لما يُطلَق يراد به الشيطان الأكبر الذي هو إبليس والشيطان قال العلماء مأخوذ من شَطَن بمعنى أن النون أصلية أي بعُد ومنهم من قال من "شاط" إذا احترق. (لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي طرائقه ومسالكه وما يأمر به، لماذا؟ النتيجة (وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأوجزها وأبلغها وأحسنها فخطوات الشيطان عمله ونزغاته. قال قتادة كل معصية فهي من خطوات الشيطان، وهذا صحيح. ثم قال I (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي حينما اتبعتم خطوات الشيطان والخطوات جمع خُطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فكأن المعنى لا تمشوا في سبيله وطرقه من الأفعال الخبيثة لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر والفحشاء ما فحش والمنكر ما استنكرته النفوس. ثم قال I (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً) أي أنه لولا فضل الله I لما تبتم ولما وقعت التوبة عليكم ولما وفقكم لتزكية نفوسكم من شركها وفجورها كما قال الله سبحانه وتعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) الشمس). (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) أي من خلقه فيضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغيّ. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) انظروا خاتمة الآية، أي سميع لأقوال عباده عليم بمن يستحق منهم الهدى والضلال. إلى هنا تكون الآيات الخاصة بعائشة رضي الله عنها قد انتهت والتي قالت أُنزلت فيّ عشر آيات.

 

ثم قال الله I (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى) وسبب نزول هذه الآية أن ممن وقع في عرض عائشة مسطح ابن خالة أبي بكر t وكان رجلاً فقيراً فكان أبو بكر يُنفق عليه فكأن أبا بكر اِستكثر أن يقع في عرض ابنته وهو يأكل من صدقاته فحلف ألا يطعمه، الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه. يعني شيء كبير لو كنت يا مسطح من سائرالناس كان ربما يكون الأمر هيّن ولكن أنا أنفق عليك ولما يتكلم الناس بأمر تكون أنت أول المتكملين يا مسطح؟! فقال والله لا أُنفق عليه أبداً معاقبة له، فأنزل الله I ، انظروا مصداق قوله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) حتى مسطح الذي رمى عائشة رأف به الله I فقال (وَلَا يَأْتَلِ) معناه يُقصِّر من أَلَوْتُ الشيء أي قصّرت فيه وقيل من الأليّة وهي الحَلِف أي لا يحلف (أُوْلُوا الْفَضْلِ) أي أهل الطول والصدقة والإحسان والزيادة ويقصد به في هذه الآية أبو بكر t (وَالسَّعَةِ) أي الجِدَة (أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يقولون كلها اجتمعت في مسطح من أولي القربى كان ابن خالته وكان مسكيناً فقيراً وكان من المهاجرين، أي لا تحلفوا ألا تصلوا قرابتكم من المساكين والمهاجرين وهذا في غاية الترفق والعطف. ثم قال الله I (أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ) المسكين إذا أُطلِق فهو يدخل فيه الفقير والمسكين وإذا ذكر المسكين مع الفقير كما فى آية الزكاة فالمراد به المسكين الذي يجد بعض كفايته وأما الفقير الذي لا يجد شيئاً، فهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) أمرهم بالعفو والصفح أي عمّا تقدّم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حِلْمه تعالى وكرمه، والصفح أبلغ من العفو لأنه قال وليعفوا ويزيدون على ذلك بالصفح أيضاً لأن الصفح أبلغ من العفو وأخصّ منه فالعفو هو ترك المعاقبة على الذنب الذي يستحقه الجاني بمعنى الإنسان لما يعفو عن فلان أي لا يعاقبه، أما الصفح فهو خلق زائد بحيث لا يكون معه تثريب ولا تعنيف فهو أبلغ. قد يقول عفوت عنك ولا تعد لهذا ثانية وإذا تكرر منك سأفعل وأفعل لكن في الحقيقة هل هو عاقبه؟ ما عاقب، هذا يسمى العفو لكن الله أمر بالعفو وزيادة عليه الصفح فهو أبلغ وهو العفو الذي لا تثريب معه أن يعفو وكأن شيئاً لم يكن فهو التغاضي عن الذنب تماماً كأنه ما فعل الذنب ونسيانه مطلقاً ولذلك قال (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) لماذا أمرهم الله تعالى بهذا؟ قال (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) الجزاء من جنس العمل، أنتم تذنبون وتخطئون ألا تريدون الله I أن يعفو عنكم بل وليس يعفو يصفح كأن شيئاً لم يكن؟ فقال أبو بكر t بلى والله إني لأحب ثم أجرى على مسطح ما كان يفعله. (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) إغراءٌ لهم بأن يكون هذا الخُلُق سائداً في المجتمع المسلم رجاء مغفرة الله I فلهذا كان الصدّيق وكانت بنته الصديقة رضي الله تبارك وتعالى عنهما.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل