بين الكعبة وسدرة المنتهى، الصلاة رحلة امتنان

بين الكعبة وسدرة المنتهى، الصلاة رحلة امتنان

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 عندما ترك إبراهيم الخليل زوجه هاجر وولده إسماعيل في بطن مكة دعا الله عز وجلّ قائلًا (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ إبراهيم) لم يكن هناك بيت لله تعالى بعد ولم يكن هناك كعبة ولا قِبلة، ثم دعا (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ إبراهيم) دعا ربه أن يجعله مقيمًا للصلاة ومن ذريته من يقيمون الصلاة فادّخر الله عز وجلّ له هذه الدعوات ثم أمره بعد سنوات أن يرفع القواعد من البيت الذي سيكون أول بيت وُضِع للناس وقبلة المسلمين في صلاتهم، فصلّى إبراهيم الصلاة على الهيئة التي شرعها الله تعالى له. وإبراهيم عليه السلام هو إمام المسلمين الحنفاء وأبو الأنبياء (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿٧٨﴾ الحج) وهذه الآية ختمت بها سورة الحج التي فيها أمر إبراهيم عليه السلام بأن يؤذّن في الناس بالحج لبيت الله الحرام الذي رفع قواعده كما أمره ربه جلّ وعلا فجاءه الناس من كل فج عميق يلبّون هذا النداء على مدى السنين والأزمان..وتتوالى مواكب الأنبياء كلٌ منهم حجّ البيت وصلّى قال تعالى لموسى عليه السلام عند اصطفائه وتكليفه بالنبوة (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ طه) فصلّى على الهيئة التي شرعها الله تعالى له.

وتمضي الرحلة حتى يُبعث نبينا صلى الله عليه وسلم في مكة والناس لا تزال تقصد البيت الحرام والأفئدة تهوي إليه استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، وأُمر صلى الله عليه وسلم باستقبال القدس وهو في مكة، وكان يجمع بين استقبال القبلتين فيصلي بين الركنين فيكون مستقبلاً القدس والكعبة بين يديه وكان يصلي على الهيئة التي شرعها الله تعالى له وللمؤمنين حتى جاءت الرحلة المباركة رحلة الإسراء والمعراج فأُسري به ليلًا من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى حيث صلّى بالأنبياء جميعًا، هو إمامهم وخاتم الأنبياء والمرسلين ثم عُرج به إلى السماء حتى وصل سدرة المنتهى وكلّفه الله جلّ وعلا بالصلاة فرضّا على كل مسلم خمس مرات في اليوم ورجع النبي صلى الله عليه وسلم مكة وصار المسلمون يصلّون كما يصلي نبيهم حتى جاء الأمر بتحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة تكريمًا وإرضاء للنبي صلى الله عليه وسلم (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: 144] وأمر الله عز وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴿٣١﴾ إبراهيم) ومنذ تلك اللحظة والمسلمون يتوجهون إلى الكعبة في صلاتهم بأجسادهم وقلوبهم.

وعندما نستعرض هذه الرحلة نستشعر أهمية أن يكون استقبال الكعبة شرطًا من شروط الصلاة فهي كما أراها والله أعلم رحلة امتنان يومية:

·         امتنان لله جلّ وعلا أولًا لأن الكعبة أول بيت وضع للناس بيته الذي شرّف عباده بالتوجه إليه في صلاتهم وقصده في حجهم وعمرتهم، قبلة واحدة لجميع المسلمين رمز إقرارهم بوحدانية الله تعالى ورمز وحدتهم في المقصد والهدف والقلب والمصير..

·         وامتنان لأبي الأنبياء والحنفاء إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل اللذان رفعا قواعد البيت ووامتنان لدعاء إبراهيم (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) ونحن ندخل في (من) هذه، أنا وأنت وأنت، فنحن من ذريته بفضل الله تعالى وأيّ شرف لنا هذا النسب!.

·         وامتنان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الذي تاقت نفسه تقلّب وجهه في السماء لتكون الكعبة قبلته وقبلتنا من بعده فاستجاب الله تعالى له..

ولعل هذا الامتنان يتمثل فعليًا في صلاتنا فنتوجه إلى الكعبة بوجوهنا وقلوبنا توحيدًا لله تعالى وقوليًا في الثناء على الله تعالى امتنانا والدعاء لأبي الأنبياء وخاتمهم في الصلاة الإبراهيمية مرة بعد مرة ليستقر في قلوبنا أننا بهم نقتدي (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 90] حتى نكون معهم على الصراط المستقيم صراط المنعَم عليهم كما نردد في الفاتحة كل ركعة..

في المرة القادمة التي نفرش فيها سجادة الصلاة باتجاه القبلة لنتفكر قليلًا في هذه الرحلة ومعانيها فاستقبال القبلة ليس اتجاهاً مكانيًا وحسب! فهل نستشعر عظيم منّة الله تعالى علينا بها؟! وهل نستشعر حق أبينا إبراهيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتتحرك قلوبنا شوقًا للقائهم ونحن نصلي عليهم؟!

يا رب إنا نشهدك أنا نؤمن بجميع أنبيائك ورسلك ونحبّهم فاجعلنا يا رب ممن يقتدي بهداهم ووجّه قلوبنا إلى مرضاتك واهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..

 رب اجعلنا مقيمي الصلاة على ملّة أبينا إبراهيم وسنّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واحشرنا في زمرتهم يا حيّ يا قيّوم يا ذا الجلال والإكرام..



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل