تفسير سورة المؤمنون - 2- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة المؤمنون - 2-

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية 

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴿١٧﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴿٢٠﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) .

يقول الله I (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) قال السعدي رحمه الله في المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها: لما ذَكَر الله تعالى خَلْق الآدميّ، ذكر سَكَنَه، وتوفُّر النعم عليه من كل وجه. وقال ابن كثير رحمه الله: لما ذكر تعالى خلق الإنسان عَطَفَ بذِكْر خلق السماوات السبع وكثيراً ما يذكر تعالى خلق السماوات والأرض مع خلق الإنسان فهذه طريقة وعادة للقرآن كما قال I (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) وكذا في أول سورة السجدة والتي كان رسول الله e يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السماوات والأرض ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين. (سَبْعَ طَرَائِقَ) يعني سبع سماوات كما قال I (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) وقال I (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال في آية أخرى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ). فهنا قال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) ما معنى (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)؟ قال القرطبي رحمه الله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي في القيام بمصالحه وحِفْظِه وهو معنى الحيّ القيوم. وقال السعدي رحمه الله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) فكما أن خَلْقنا عامٌ لكل مخلوق فعلمنا أيضاً محيطٌ بما خلقنا فلا نغفل عن مخلوقٍ ولا ننساه، قال السعدي: وكثيراً ما يقرن الله بين خلقه وعِلمه كما قال I(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) وقال في آية أخرى (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) والسبب في ذلك أن خلق المخلوقات من أقوى الأدلة العقلية على علم خالقها وحكمته. ومعنى الآية أننا خلقناك أيها الإنسان وخلقنا فوقك هذه السماوات ولم نغفل عن القيام بمصالحك وما تقوم به حياتك، أي أننا لم نخلقك عبثاً ولم نخلقك هملاً ولم نخلقك ونهملك ونغفل عنك بل خلقناك وقمنا بمصالحك وهذا توطئة وتمهيد أننا خلقناك وأننا قمنا بمصالحك وما تقوم به حياتك من السكن والمأكولات والمشروبات ثم أرسلنا لك الرسل لماذا؟ لتوحِّد الله I، ولذلك سيأتينا في آخر الآية أن قول الله I (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) فقلت لكم أن بين فاتحة السورة وخاتمتها مناسبات أي أنه قد تقرر وقد مُهِّد أنك قد خُلِقْت وخلق لك ما تقوم به مصالحك، هل يكفي هذا؟ لا، مصالحك الجسدية هيئت لك كما أن مصالحك الروحية وهي بعث الرسل وإنزال الكتب كذلك، الهدف ما تدور في فلكه هذه السورة وهو تقرير توحيد الله I وإفراده بالعبادة ونبذ الشرك عن الله I.

ثم قال I (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) الآن بدأ يعدد نعم الله سبحانه وتعالى على عبيده التي لا تعدّ ولا تحصى منها إنزال الماء بقَدَر، ما المراد بالماء هنا؟

اختلف المفسرون فيه على قولين:

فقال بعضهم: أن المراد بالماء هنا المنزل هو ماء المطر،

وقال بعضهم: بل المراد هو الماء العذب من الأنهار الأربعة: سيحون وجيحون والفرات والنيل كما الآبار والعيون، ولذلك قال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء، قال ابن عطية معلقاً على قول مجاهد: يقيَّد هذا بالعذب وإلا فالأجاج ثابتٌ في الأرض مع القحط، أيهما أرجح؟ الذي هو المطر، ما يصح أن نقول كِلا القولين من نعمة الله I؟ يصح أن نقول أن المراد به المطر والمراد به الماء العذب في الأنهار والعيون والآبار وغير ذلك.

(فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض وجعلنا الأرض قابلةً له.

ثم قال الله I (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرّفناه عنكم إلى السباخ والبراري والبحار والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به كذلك لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل يأتي على أعلاها لفعلنا، أي أن الله امتنّ علينا بأمرين: بإنزال الماء وسكونه في الأرض وعدم ذهابه إلى البحر.

(فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ) أي أخرجنا لكم بما أنزل من الماء (جَنَّاتٍ) أي بساتين وحدائق ذات بهجة (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي فيها نخيل وأعناب، وخُصَت النخيل والأعناب هنا هذا مما كان يألفه أهل الحجاز في مكة والطائف وذُكِرت مثالاً، وقال السعدي: خصهما لفضلهما وكثرة منافعهما التي فاقت بها بقية الأشجار.

(لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ) (لكم فيها) الضمير يعود إلى ماذا؟ يحتمل عوده على الجنات ويحتمل على النخيل والأعناب، والأعمّ هو القول الأول لأنَّا قلنا أن النخيل والأعناب ذُكِرَت مثالاً.

(وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) هنا حرف العطف كأنه معطوف على شيئاً مقدّر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون، يعني كأن الآية (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) تنظرون إلى حسنه ونضجه (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).

ثم قال الله I (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) سيناء قرأت بفتح السين وبكسرها (سِينَاءَ) وكلاهما قراءات متواترة، والشجرة المقصود بها الزيتونة والطور هو الجبل قال بعض العلماء: لا يُسَمّى الجبل طوراً إلا إذا كان فيه شجر، فإن عَرِيَ عنها أي عن الشجر  سمي جبلاً لا طوراً، وطور سيناء هو طور سينين، الذي كلّم الله U عليه موسى بن عمران وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) أي تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن. (وَصِبْغٍ) أي أُدُم (لِلْآكِلِينَ) أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ. قال ابن عطية رحمه الله: والمراد في هذه الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى للصحة عنها ويدخل في معنى الزيتونة شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأمصار، فإن بعض الأمصار يستخرجون الزيت من أشجار أخرى غير شجرة الزيتون.

ثم قال الله I (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ) الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والماعز. (لَعِبْرَةً) أي في خلقها وسائر أخبارها ومنافعها (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) أي يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرثٍ ودم ويأكلون من حُمْلَانِهَا ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويُحَمِّلُونَهَا الأحمال الثقيلة إلى البلاد النائية كما قال I (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ (7) النحل) فكل هذا من نِعَم الله Iى. ثم قال الله I (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) نسقيكم قُرِئَت بالفتح (نَسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) وقُرِئَت (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا).

ثم قال الله I (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) قال ابن عطية: هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأُهلِكوا، وفي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهم ما حل بأولئك، ونوح أول نبي أرسل إلى الناس. إذاً بدأ الآن يقرر القضية التي أشرنا إليها وهي قضية توحيد العبادة لله I.

ما كان رد قوم نوح؟ (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) يعني السادة والأكابر (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) يعني هو مثلكم مخلوق مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون ويريد يقول أنا والله آتيكم بوحي من السماء يريد أن يتفضل عليكم وأن يكون أميراً عليكم يأمركم وينهاكم، وهذه الشُبْهة طالما ردّ بها أقوام الأنبياء دعوة أنبيائهم فإنهم كانوا يقولون (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) يعني يرسل بشر مثلنا لنتبعه يعطينا خلقاً آخر غير الخلق حتى يكون له فضل علينا أما أنت أيها البشر فإنك مخلوق مثلنا! وقد جاء في سورة الأنعام مر عليكم رد الله I عليهم هذه الشبهة إذ لو أنزل عليهم ملائكة وأرسلوا لقالوا هؤلاء ملائكة يتحملون ما لا نستطيع أن نتحمل، نحن بشر ضعاف لو أرسل إنسان مثلنا حتى يأمرنا بشيء نراه يفعله ونفعل مثله، فهم أرادوا الحجاج واللجاج ولم يريدوا أصلاً يعني أرادوا ردّ الدعوة فقط. (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) يعني مجنون فيما يزعم أن الله أرسله إليكم واختصّه (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) يعني انتظروا به ريب المنون واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.

(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) يخبر I عن نوح أنه دعا ربه ليستنصره على قومه كما قال في آية أخرى (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقال هاهنا (رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ). يقول الله I (فَأَوْحَيْنَا) استجيبت دعوته (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) جاء أمرنا بإغراق هؤلاء ونصرتك يا نوح. (وَفَارَ التَّنُّورُ) قال ابن عباس: التنور وجه الأرض، وقال ابن كثير: أي صارت الأرض عيوناً تفور حتى فار الماء من تنور النار الذي عادةً تخرج منه النار فخرج منه الماء معناه أن الأرض كلها قد فارت إيذاناً بالغرق ونُصرَة نوح u. (فَاسْلُكْ فِيهَا) أي أدخِل في هذه السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي من كل صنف ذكراً وأنثى لأن الله قد أمر بإغراق أهل الأرض كلهم إلا من سيبقى على ظهر هذه السفينة. وأن يحمل فيها أهله (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) من الذي سبق عليه القول؟ دل في آيات أخرى -وهذا من تفسير القرآن بالقرآن زوجته وابنه، زوجته كما في سورة التحريم وابنه كما في سورة هود. (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي لا يأتيك رحمة وشفقة عندما تراهم يغرقون فإن الله قد أمر بإغراقهم فلا محيد عن إغراقهم ولا شفاعة فأنت دعوت عليهم واستجيب لك. (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وقد امتثل نوح u كما قال في آيات أخرى ومرّت هذه السورة مفصلة وكان من عادة القرآن أن يأتي بالقصة موجزة ومبسوطة، فهذه القصة مبسوطة في سورة هود وقد مرّت عليكم (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا (41)).

قال الله I (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) فذكر ابتداء أمره وانتهاء سيره (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا) أي بعد إغراقهم وأن الأرض تأخذ هذا الماء. (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) أي هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين (لَآيَاتٍ) لحجج ودلالات (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.

ثم قال الله I (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) الضمير يعود إلى من؟ إلى قوم نوح (قَرْنًا آخَرِينَ) من هم القرن الآخرين؟ اختلف فيه المفسرون على قولين:

القول الأول: أن المراد بهم عاد فإنهم كانوا مستخلفين من بعد قوم نوح كما دلت على ذلك آيات أخرى.

وقيل المراد هنا في هذه الآية قوم ثمود ورجّحه ابن عطية، ابن عطية رحمه الله يرى أن المراد هنا في هذه الآية هم قوم ثمود لا قوم عاد ويستدل بسياق الآيات لأنه قال بعدها (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) والذين أُخِذوا بالصيحة هم قوم صالح u وهذا كذلك رأي ابن جرير الطبري رحمه الله أن المراد بهذه الآية (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) أي صالح.

ما المراد بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ

القول الأول: أنهم قوم عاد لأنهم هم الذين استخلفوا من بعد قوم نوح ونبيهم هود.

القول الثاني وهو رأي ابن عطية وابن جرير الطبري وهم من أئمة التفسير: قوم ثمود والدليل على ذلك سياق الآيات وأن الله I أخذهم بالصيحة، هو الأقرب نعم أنهم قوم ثمود، قال القرطبي رحمه الله تعليقاً على قول ابن عطية: وممن أُخِذَ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قوم شعيب فلا يبعد أن يكونوا هم، يضيف القرطبي قولاً ثالثاً يقول: وممن أُخِذَ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قوم شعيب فلا يبعد أن يكونوا هم، فقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا) لا يقصد الترتيب على القولين الثاني والثالث لا يقصد الترتيب الزمني (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) من هو الرسول؟ ترى مهم في الأقوال التفسيرية أن الإنسان يتسق الترجيح عنده، إن رجحنا أن القرن هؤلاء هم عاد فيكون الرسول هود، وإن رجحنا أن المراد بالقرن هنا ثمود فيكون صالح، وإن رجحنا أنهم أصحاب مدين فيكون شعيب، لماذا اختلف العلماء هنا؟ لأنه لم يُذْكَر اسم النبي ولا اسم القوم، ذكرت مجملة تفسَّر من آيات أخرى. قال (فَأَرْسَلْنَا) قرناً لم يذكر لا عاد ولا ثمود ولا أصحاب مدين (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا) كذلك لم يذكر من هو هذا الرسول. (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) كما قال نوح عليه السلام (أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) نفس الشبهة التي رد بها أصحاب نوح على نوح (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) ما فيه شيء يزيد عليكم، ثم عقبوا (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) كيف تطيعون بشر مثلكم يأمركم بأشياء؟! لماذا ما أنزل كما قالوا: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) إذا كان نازل القرآن لماذا ينزل على هود وإلا على صالح لماذا لا ينزل على كبار القوم؟

كما قالوا عن محمد e .

(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) إنكار للبعث (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ينزهون الله انظروا كيف الشبه (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) والله إنكم أنتم الكاذبون (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) هنا لما أيقن أنه لا فائدة من دعوتهم قال ماذا؟ (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فقال الله: استجاب الله دعوة نبيه كما قال النبي e : «  لكل نبي دعوة مستجابة ».

(قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) أي بمخالفتك وعنادك (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي هباءً، لا شيء (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي جعلناهم كما كانوا أمة تسير جعلناهم غثاء كغثاء السيل قد رموا من الصيحة، أخذتهم الصيحة فأصبحوا جيفاً (فَبُعْدًا) دعاء (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فإن رد دعوة الرسل من أعظم الظلم.

ثم قال الله I (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ) هنا في هذه السورة أراد أن يُجْمِل قصص الأنبياء لأنه قد بسطها في مواضع أخرى. (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء أمماً وخلائق (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) يعني يأخذون حسب ما قُدِّر لهم في كتاب الله I في اللوح المحفوظ قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وخَلَفاً بعد سلف (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يعني تتتابع، يتبع بعضهم بعضاً كما قال I (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) أراد أن يوجز يقول خلقنا خلقاً، أرسلنا رسلاً، علامتهم (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) يعني أمثال وأخبار وعبرة كما قال I (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) كما قال قبلها (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فالذي لا يؤمن هو الظالِم.

ثم قال I (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) يخبر I أنه بعث نبيه ورسوله موسى وأخاه هارون معيناً له ووزيراً إلى فرعون بآيات وحجج واضحات (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ما هي الآيات التي جاء موسى وهارون؟ العصا واليد هما السلطان المبين الذي وقع بهما التحدي لما قال (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) التي وقع بها التحدي هما آيتان العصا واليد ويدخل في سائر عموم الآية سائر آيات موسى u كالبحر والمرسلات الستة المذكورة في سورة الأعراف، هل من آيات موسى التوراة؟ الآن قلنا نحن (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) قلنا إن الآيات المذكورة هي العصا واليد التي وقع بهما التحدي ويدخل في عموم اللفظ بقية الآيات التي أُيد بها موسى، لكن هل التوراة يدخل هنا في هذه الآية؟ يدخل في هذه الآية، هل هناك قول آخر؟ هناك ملحظ مهم في سياق الآيات تأملوها، أحبّ إليّ أن تكتشفوها أنتم، العلماء قالوا: ليس المقصود في هذه الآية التوراة لماذا؟ لأن التوراة ما نزل إلا بعد إغراق فرعون فقد أُنزِلت على بني إسرائيل ولم تُنزَل على فرعون، لأن الله قال هنا (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) إلى من؟ إلى فرعون، ومعلوم أن التوراة إنما أُنزلت بعد إغراق فرعون ولذلك لا تخلطوا، بعض الناس يدور في فلكه أن التوراة قد أُيد بها موسى أمام فرعون وهذا لا يتسق لأن التوراة إنما أُنزِلت بعد إغراق فهي أرسلت إلى بني إسرائيل (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) أي قاصدين العلو بالظلم والكبرياء (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) أولاً قالوا لبشر لما أرسل، أرسل اثنين قالوا مثله بشرين، لو أرسل ثلاثة قالوا نؤمن لثلاثة؟! إذاً هم أرادوا ردّ الدعوة لم يريدوا قبول الدعوة أصلاً (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)؟! (وَقَوْمُهُمَا) قوم من؟ انظر الضمائر، قوم موسى وهارون هؤلاء البشرين. (لَنَا عَابِدُونَ) ما معنى عابدون؟ يعني هل هم يعبدونهم العبادة التي هي التوحيد؟ لا، يقصد أي خادمون متذللون يعني قوم الذين هم القبط قوم موسى أهله ومن أُرسِل فيهم لنا مسَخّرون مذللون كيف يرسل موسى منهم؟! كيف يكون هذا؟! (لَنَا عَابِدُونَ) الطريق المُعَبّد هو المُذَلّل، وعلو هؤلاء هو الذي ذكره الله U في آية أخرى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا). وقال السعدي: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) أي معبّدون بالأعمال والأشغال الشاقة، يعني كانوا لنا عمّالاً كانوا يخدموننا هؤلاء (لَنَا عَابِدُونَ) يعني خادمون مطيعون متذللون خدم كيف يرسل موسى منهم؟! (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) ما نوع الهلاك هنا؟ الغرق، تفسير القرآن بالقرآن.

ثم قال الله I (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) هنا (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) ما هو الكتاب؟ التوراة، متى آتى موسى الكتاب؟ بعد إهلاك فرعون. (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) يُخبِر تعالى عن عبدٍ من عباده وهو عيسى u، ابن مريم من هو؟ نُسِبَ لأمه لأنه لم يكن له والد (وَأُمَّهُ) من هي؟ مريم. (آيَةً) أي حجة قاطعة على قدرة الله I فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكرٍ وأنثى. (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) الربوة هي المكان المرتفع من الأرض وهو أحسن ما يكون فيه النبات حتى بعض الأحياء في المدن إذا وجدوا مكان مرتفع سموها ربوة لأن هواءها يكون جيداً، أحسن ما يكون النبات في المكان المرتفع. (وَآوَيْنَاهُمَا) يقول السعدي هذا والله أعلم (وَآوَيْنَاهُمَا) أي وقت وَضْعِ مريم لعيسى (إِلَى رَبْوَةٍ) أي آوينا مريم (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) ما هي ذات القرار ومعين؟ اختلف المفسرون فيها على قولين:

Ø   القول الأول: أنها أنهار دمشق، ودمشق معروفة بكثرة الأنهار كما في غوطتها وغيرها، غوطة دمشق مشتهر فيها كثرة الأنهار والعيون.

Ø   وقيل: أنه بيت المقدس الربوة التي ذات القرار والمعين هي بيت المقدس وهذا هو الراجح ورجحه ابن عطية رحمه الله وهو المذكور في قوله تعالى في سورة مريم (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي شرق بيت المقدس لما جاء وضعها.

(إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) المعين هو الماء الجاري وهو النهر وهو الذي قال الله I (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا). لما ذكر الرسل وموقف أتباعهم منهم قال I (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) يقول ابن كثير رحمه الله: أمر الله عباده المرسلين أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، انظروا الاستنباط! يقول: فدلّ هذا على أن الحلال عونٌ على العمل الصالح. المطعم الحلال والمأكل الحلال والمشرب الحلال من أعظم الإعانة على العمل الصالح، والذي يأكل حراماً ويشرب حراماً يكون من أقوى المثبّطات لترك العمل الصالح لأنه قال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) وعطف عليها (وَاعْمَلُوا صَالِحًا).

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قال الحسن البصري: أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم ولكن قال: انتهوا إلى الحلال، فقوله: (الطَّيِّبَاتِ) ليس المقصود به أطايب الطعام وإنما هو الحلال، الأكل الحلال أيّاً كان حلال فهو طيب وأيّاً كان حراماً فهو خبيث وإن كان من أشهى المأكولات. وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يا أيها الناس إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغٌذّيَ بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!! » وتعلمون أن أعظم الأعمال الصالحة هو الدعاء، من أعظم أبواب العمل الصالح هو الدعاء.

ثم قال الله I (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي دينكم معاشر الأنبياء واحد اتفقت الشرائع ودعوة الرسل على التوحيد ولم يختلفوا واختلفوا في تفاصيل الأحكام الشرعية. أي دين الأنبياء واحد، وملتهم واحدة وهي الدعوة إلى الله وحده لا شريك له. ثم قال I (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) وأنتم مرّ علينا كل واحد يقول (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) والتقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

ثم قال I (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) الزُبُر جمع زبور وهي الكتب إما المنزّلة عليهم تنازعوا فيها أو كتباً ألّفوها وكتبوها لأنفسهم، يحتمل هذا وهذا (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) فتقطعوا أمرهم أي الأمم التي بُعِثَ إليهم الأنبياء وأرسلت إليهم الرسل وأُيدوا بالكتب (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) كل حزب يفرحون بما فيهم من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون.

ثم قال I (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) الغمرة ما عمّهم من الضلال وفعل بهم مَفْعَل الماء الغَمِر بما حصل فيه (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) وهذا تهديد لا توقيت، أي أمهِلهم حتى حين هلاكهم كما قال I (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)، (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).

 

(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) أي أيحسبون هؤلاء أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لأنهم عندنا مقرّبون؟ فإن الله U يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، فإعطاء الدنيا كثرة الأموال والأولاد ليست معياراً لرضا ربك عليك ولا لحبّه لك بخلاف فهمهم السقيم حينما قالوا (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) أن هذا استدراج وإمهال من الله I. قال قتادة حول هذه الآية (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل