تأملات في حركات الصلاة وتناسبها مع أقوالها

تأملات في حركات الصلاة وتناسبها مع أقوالها

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 ميّز الله تعالى أمة الإسلام بميزات عديدة تجعلها شامة بين الأمم، فميّزها بالقرآن الرسالة الخاتمة الذي أُنزل على الرسول الخاتم وميزها بالقِبلة لبيت الله الحرام وميّزها بلغة القرآن لسان عربي مبين وخصّها بالفاتحة وبآية الكرسي وخصّها بصيام رمضان وخصّها بالصلاة على النحو الذي علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن إذ نقول سمعنا وأطعنا لكل ما أمرنا الله تعالى به وبلّغنا إياه رسولنا عليه الصلاة والسلام لا ضير من أن نتفكر ونتأمل في عباداتنا بقلوبنا حتى نزداد حبّا لها وطاعة للآمر سبحانه ولعلنا نزداد خشوعًا في صلاتنا وتقرّبًا إلى الله عز وجل.

وتأملاتي اليوم في حركات الصلاة وما يرافقها من أقوال في كل حركة التي ما شرعت على هذا النحو إلا لحكمة بالغة من المشرّع سبحانه فلنتأمل معًا لعل الله عز وجلّ يكشف لنا شيئا من أسرارها العظيمة:

رفع اليدين في تكبيرة الإحرام: رفع اليدين بحيث يكون ظاهرهما للخلف دلالة على رمي الدنيا وراء ظهورنا لنقبل بقلوبنا على الله تعالى ونرجو الدار الآخرة. ورفع اليدين مع قول الله أكبر يؤكد هذا المعنى أنه لا يوجد أكبر ولا أقوى من الله جلّ جلاله فلنستشعر هذا الشعور. فحذار أن تُقبل على صلاتك وقد جعلت الدنيا أكبر همّك!!

الوقوف والقيام: القيام حق لله تعالى على العبد هل رأينا سائلا بين يدي ملك من ملوك الأرض يطلب حاجته وهو قاعد أو مستلق أو متكئ؟! هذا مقام وقوفك بين يدي الله في صلاتك فلنستحضر فيه مقامنا بين يديه يوم العرض عليه لعلنا نكون ممن يدنينا إليه ويسدل علينا ستره ويقررنا بذنوبنا ثم يقول عبدي سترتها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك... ويناسب هذا القيام دعاء الاستفتاح وقرآءة الفاتحة التي هي حوار بين المصلي وربّه وقرآءة بعض الآيات بمثابة تلقي لرسالات الله تعالى من خلال القرآن.

النظر إلى موضع السجود من غير التفات يمنة ويسرة: من باب التأدب في حضرة الملك العظيم سبحانه أن لا تجول العيون يمنة ويسرة شاردة عن عظمة المقام التي هي فيه، فالتفاتة العين نتيجة لالتفات القلب عن عظمة من نقف بين يديه. فالسنّة أن لا يجاوز البصر موضع السجود وكأننا ننظر إلى الكعبة قبلة المسلمين التي أُمرنا أن نولي وجوهنا شطرها في الصلاة وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا" (رواه أحمد). أما رفع البصر إلى  في السماء فمنهي عنه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز فالله تعالى لا مكان يحدّه فهو في السماء إله وفي الأرض إله وهو معكم أينما كنتم. ولا تغمض العين في حضرة الملك فهل نغمض أعيننا بحضرة ملك من ملوك الأرض أو مدير أو مسؤول؟! فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج وصفه ربه عز وجل (ما زاغ البصر وما طغى) وهذا من تأدبه عليه الصلاة والسلام في حضرة ربه تعالى ولنا فيه الأسوة الحسنة. وينبغي لنا أن نكون حاضرين بكل حواسّنا ما ظهر منا وما بطن ولنوقن أن كل التفاتة إنما هي محاولة من الشيطان ليختلس من صلاتك فهل نسمح له بسرقة صلاتنا؟!! ولا نطأطئ الرأس إلا بالحد الذي يضع المصلي نظره في موضع سجوده علامة الإجلال والمهابة والتعظيم لله تعالى والمحبة له سبحانه لكن أن تميل رأسك إمالة خارجة عن المألوف فهو ليس من السنّة فالخضوع يكون بطأطأة القلب لا بطأطأة الرأس فلا تتكلف خفض رأسك أو رفعه.

وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى: دلالة على التأدب في حضرة الملك وهذه أكثر هيئة تعطي هذه الدلالة وتجعل العبد يظهر بمظهر المتذلل في حضرة ربه العظيم.

الركوع: أحنِ ظهرك لله وحده، أحنِ قلبك مع ظهرك وأحنِ كلامك بقول: "سبحان ربي العظيم" لتكون معظّمًا لله تعالى الذي يستحق التعظيم وحده دون سواه ولهذا نهينا عن الانحناء لأحد من المخلوقين. وعندما يضع المصلي يديه على ركبتيه يمسك بهما هو الوضع الذي يحصل به استقامة الظهر عند الركوع فيستوي استواء كما كان يفعل نبينا صلى الله عليه وسلم فالركوع ليس مجرد انحناءة بسيطة لا يكاد الظهر يتحرك كما نرى كثيرا من المصلين للأسف، هذا موطن تعظيم وينبغي للمصلي أن تكون هيئته معظّمة لله أيضًا.

الرفع من الركوع: حمدًا لله أن جعل صُلبك يستقيم بعد الركوع ورفعت رأسك حتى استقمت على أكمل هيئة لك، فتحمده بقلبك وبقولك (ربنا ولك الحمد) فيتوافقان في الحمد.

السجود: السجود خاتمة كل ركعة فما أجمل أن يكون الختام في مقام القرب من الله تعالى ومقام الخضوع والتذلل والتسليم المطلق له سبحانه جل في علاه. تهوي إلى الأرض ساجدًا لله من غير أن ترفع اليدين بالتكبير في هذا الموضع لأنهما مستعدتان مع سائر أعضائك للخضوع والسجود بين يدي الله الأعلى. وفي السجود علّمنا نبيّنا أن يكون على الأعضاء السبعة: الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين وينبغي لنا أن نمكّن هذه الأعضاء من الأرض جيدًا وفي هذا دلالة على إيقاظ القلب وتذكير المصلّي بأنه ملتصق بأصله الذي خُلِق منه فكأنك أيها الفرع تُردّ إلى أصلك، فعلامَ التكبر والترفّع؟! والهيئة التي ينبغي أن يكون عليها الساجد من تجافي البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين والعضدين عن الجنبين وتمكين الأعضاء من الأرض لعلها هي الهيئة التي تشرح وصف الله لعباده المؤمنين (خرّوا سجّدا). وهيئة السجود هذه هي الهيئة التي تنفي الكبر عن المصلي، فأطِل في سجودك وادع الله بما تشاء واستحضر فقرك إليه وحاجتك لرحمته ومغفرته واستشعر الرفعة لمقام القرب من ربك..

الجلسة بين السجدتين:والجثو على الركبتين، لما شرع الله لنا أن نسجد سجدتين كان لا بد من فاصل بينهما قريبًا من هيأتهما قريبًا من معاني السجود والتذلل والخضوع فكانت هذه الجلسة اليسيرة بين السجدتين يطلب المصلي فيهما العفو والرحمة والمغفرة من ربه حتى لا يخرج عن معاني السجود.

السجدة الثانية: السجود هو أفضل أركان الصلاة الفعلية ولذلك شرع لنا تكراره أكثر من غيره من الأركان، فسجدة واحدة لا تكفي لإظهار افتقارنا إلى الله وتذللنا بين يديه وخضوعنا له فبعد الجلسة بين السجدتين يعود المصلي ساجدا بين يدي ربّه. وقد قرأت يومًا – غير أني لست متأكدة من صحة المقولة - أن في السجدتين استشعار بقول الله عز وجلّ (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) فكأن السجدة الأولى تحقق قوله تعالى (منها خلقناكم) والثانية تحقق (وفيها نعيدكم) والرفع من السجود يحقق (ومنها نخرجكم تارة أخرى).

جلسة التشهد:من رحمة الله أن جعلنا نجلس بين يديه في ختام الصلاة مثنين عليه نقر له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وندعوه سبحانه وحده لا شريك له ثم نسلم متحللين من الصلاة. وفي الصلوات الثلاثية والرباعي شرع لنا أن نجلس جلسة تشهد بعد تمام الركعتين الأوليين فتكون هذه الجلسة بمثابة راحة للمصلي ليستعيد نشاطه ليقوم بما تبقى من الركعات. ومن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل صلاة النفل والتطوع مثنى مثنى حتى لا يثقل على المصلي كثرة الركعات وطول القيام فيها فخفف عنه فلله الحمد والشكر على نعمه وسعة رحمته وتوليه عباده بلطفه حتى وهم يقيمون عباداتهم له فيا له من رب رحيم لطيف رؤوف ودود سبحانه!

ومن السنّة الجلوس كما ورد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ناصبا رجله اليمنى مفترشا رجله اليسرى في الصلاة الثنائية وفي التشهد الأول من الصلاة الثلاثية والرباعية. وفي جلسة التشهد الأخير في الصلاة الثلاثية والرباعية كان صلى الله عليه وسلم يقعد متورّكًا يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة ويجعل اليسرى تحت فخذه وساقه وينصب اليمنى وربما فرشها أحيانًا. ونحن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: صلوا كما رأيتموني أصلي.

 

رفع السبابة في التشهد وتحريك الإصبع: كان صلى الله عليه وسلم يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلها ويشير بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها. وكان إذا أشار بإصبعه وضع إبهامه على إصبعه الوسطى وتارة كان يحلّق بهما حلقة. وكان صلى الله عليه وسلم يرفع إصبعه يحركها يدعو بها ويقول: لهي أشد على الشيطان من الحديد" ونحن نتأسى به صلى الله عليه وسلم ونستحضر شدة هذه الحركة على الشيطان عند كل تشهّد والشيطان عدونا وأيّ عمل يدحره ويغيظه فنحن نفعله فيخسأ مدحورًا ذليلًا مقهورًا. 

الجلوس بعد الصلاة: ينبغي للمصلي أن لا يستعجل القيام بعد التسليم حتى لا يظنّ ظانّ أنه ضاق صدره من صلاته ويريد الإنصراف منها بسرعة! إن حال المصلي وهو يجلس لأذكار بعد الصلاة ينبغي أن يكون حال المتحسر على انقضاء صلاته وخروجه من حمى الملك العظيم الذي التجأ به وسيعود إلى قلق الدنيا ومشاكلها ومآسيها. وقد ذُكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا سلّم من صلاته وأسرع بالقيام فشدّه عمر وقال له: أليس لك إلى الله حاجة؟! فلا تتعجلوا بالانصراف من صلاتكم واستغفروا الله وأتموا أذكار ما بعد الصلاة وسبحوا الله واحمدوه وكبّروه.

هذه تأملاتي في حركات الصلاة وتناسبها مع أقوالها فإن كانت صوابًا فمن الله وإن كانت غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علم وأعوذ بالله أن أقترف على نفسي سوءا أو أجرّه إلى مسلم.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل