تفسير سورة المؤمنون - 1- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة المؤمنون والنور و الفرقان - دورة الأترجة القرآنية

لفضيلة الشيخ / د . أحمد بن محمد البريدي 

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

سورة "المؤمنون"هكذا على الحكاية ويجوز أن تقول سورة المؤمنين على الإضافة.هذه السورة مكية، وللسور المكية خصائص تتميز بها عن السور المدنية ومهمتها الكبرى والتي دائماً ما تناقشها هي تقرير توحيد الله تبارك وتعالى وإثبات البعث ويوم القيامة وكل ذلك قد تعرضت له هذه السورة. فنلاحظ أنها قد اشتملت على مواضيع أربعة في الجملة إذ بدأت بتقرير الفلاح للمؤمنين وبيان صفاتهم ثم بدأت بذكر دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق كخلق الإنسان،كابتداء خلقه ونهايته وتسخير ما به حياته وسُبُل عيشه في هذه الحياة الدنيا. ثم بعد ذلك انتقلت إلى الموضوع الثاني حيث انتقلت من تقرير دلائل الإيمان إلى حقائق الإيمان وهي الدعوة التي توافَقَ عليها أنبياء الله دعوة التوحيد ونبذ الشرك. ثم يأتي الموضوع الثالث في هذه السورة وهو الحديث عن تفرّق الناس بعد الرسل وتنازعهم في هذه الحقيقة (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) وخُتمَ هذا المقطع أو هذا الموضوع بقوله تعالى (فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثم يأتي الموضوع الرابع وهو خاتمة السورة إذ توجّه الخطاب إلى النبي e بأن يدفع بالحسنة السيئة ومعنى ذلك أنك ستؤذى يا محمد عندما تُبلِّغ دعوة إخوانك الأنبياء ولم يكن في مكة جهاد ولذلك أُمِرَ بأن يدفع بالسيئة الحسنة وأن يستعيذ بالله من همزات الشياطين لأن الشيطان من أكبر المخذّلين عن الدعوة والمخوّفين للأنبياء وأتباع الرسل. ثم خُتِمَت السورة بتنزيه الله I ونفي الفلاح عن الكافرين.

كما أثبت الفلاح في أولها للمؤمنين عندما قال (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) فبين فاتحة السورة وخاتمتها مناسبة، وأنتم تعلمون أن المناسبات في القرآن أنواع، منها المناسبة بين السور، ومنها المناسبة بين الآيات، ومنها المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وبين مناسبة اللفظة في السياق القرآني. عند تأمل هذه السورة نجد أن هناك تناسب بين أوّلها إذ أثبت الفلاح للمؤمنين وفي خاتمتها نفى الفلاح للكافرين، والمؤمنون المذكورون في أول هذه السورة هم الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهم أهل الإسلام ولقد قرر ابن رجب رحمه الله أن الإيمان حينما يُفْرَد فإنه يدخل فيه الإسلام ويراد به الإسلام كله أما إذا قُرِنَ بغيره كأن يقول (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فإنه يريد به الإيمان العَقَدي القولي الذي وصفه النبي e حينما سأله جبريل فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه.

فالله I هنا قال (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) والفلاح هو الفوز والسعادة أي حصل لهم الفلاح وهم المؤمنون المتّصفون بهذه الصفات: أولها (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ما معنى الخشوع؟ قال ابن عطية رحمه الله في تفسيره: الخشوع هو التطامن وتساكُن الأعضاء والوقار، وهو خشوع القلب ومتى ما خشع القلب ظهر على الجوارح، وقد قيل: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فيظهر الخشوع على الأعضاء حينما يخشع القلب لأن الخشوع محلّه القلب. وللأسف فإن كثيراً من الناس جعل الخشوع خشوع أعضائه وهو في فِكْرِه يسبح في أودية الدنيا المتشعبة. (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) قال ابن عباس: خائفون ساكنون، وقال الحسن البصري رحمه الله: كان خشوعهم في قلوبهم فغضّوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح. والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرّغ قلبه لها واشتغل بها عمّا عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ يكون له نصيب من صفات سيّد الخاشعين الذي قال عن صلاته e: « وجعلت قُرّة عيني في الصلاة ».

واختلف العلماء في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو مكمّلاتها على قولين ورجّح الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" القول الأول وأنه من فرائض الصلاة، ولذلك ينصرف العبد من صلاته فمنهم من تُكتَب له صلاته كاملة ومنهم من يُكتَب له نصفها ومنهم من يُكتَب له ثلثها ومنهم من تُجمَع له كالثوب الخَلِق فتُرَدُّ في وجهه وهذا يدل على أن الخشوع هو روح الصلاة وجوهرها، هو روح الصلاة والجوهر الحقيقي لها وقد جاء في السُنّة أن الخشوع هو أول عِلْمٍ يُرفَع من الناس.

ثم قال الله I (وَالَّذِينَ هُمْ) من هم؟ هم المؤمنون. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) اللغو هو الباطل وهو يشمل الشرك كما قال بعضهم والمعاصي وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل في اللغو أعلاه وهو الشِرك وأدناه مما لا فائدة فيه سواءً كان قولاً أو فعلاً. فاللغو على الصحيح يعمّ جميع ما لا خير فيه. قال السعدي رحمه الله: وإذا كانوا معرضين عن اللغو فإعراضهم عن المُحَرَّم من باب أولى.

ثم قال الله I معدداً صفات المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) اختلف المفسرون في المراد بالزكاة هنا على قولين:

Ø   القول الأول: أن المراد بها الزكاة المعروفة وهي زكاة الأموال

Ø   وقيل أن المراد بذلك زكاة النفس من الشرك والآثام والمعاصي كما قال الله سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) الشمس) وهذا أعمّ إذ السورة مكية والزكاة إنما فُرِضَت في المدينة. وإذا رجّحنا القول الثاني أو قلنا أنه أولى وأعمّ فيدخل فيه القول الأول لأن زكاة الأموال هي من تزكية النفوس.

ثم قال الله I (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، (وَالَّذِينَ هُمْ) من هم؟ المؤمنون. (لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله I من زنى أو لواط ولا يفعلون إلا ما أحلّ الله لهم من زواج أو التسرّي بما ملكت أيمانُهم ومن تعاطى ما أحلّ الله له فلا لوم عليه ولا حَرَج. قال ابن العربي رحمه الله: من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء يقصد الآيات العشر التي هي في صفات المؤمنون يدخل فيه الرجال والنساء يقول ابن العربي: ومن غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملةٌ لهم فإنها عامّة فيهم إلا قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وإنما عُرِفَ حِفْظُ المرأة فَرْجَها من أدلّة أخرى، انتهى. أنا أسأل لماذا ذكر ابن العربي أن الأصل في جميع القرآن أن الخطاب للرجال والنساء إلا ما خصّ الدليل على أنه للرجال أو خصّ الدليل على أنه للنساء، كما أن هذه الآيات العشر في صفات المؤمنين كذلك إلا في حفظ الفرج فإنه خصّ بها الرجال، لماذا خصصنا الرجال هنا؟ لأنه لا يجوز للمرأة أن تستمتع بمملوكها بالإجماع، وبالتالي فهذه الآيات لما استثنى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) قال ابن العربي رحمه الله:إنها خاصة للرجال.هل النساء مأمورات وممدوحات بحِفظ الفروج نعم، لكن من أدلة أخرى كما سيأتينا إن شاء الله في تفسير سورة النور (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) إلى آخر الآية.

(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) وراء ذلك أي وراء هذا الحدّ من الأزواج والإماء (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) أي المعتدون، قال إبن القيم رحمه الله: من لم يحفظ فرجه لم يكن من المُفلحين، وكان من الملومين ومن العادين يعني المعتدين  ففاته الفلاح واستحق اسم العدوان ووقع في اللوم. وقد استدلّ الإمام الشافعي رحمه الله بهذه الآية على تحريم الاستمناء باليد فإن هذا الصنيع خارجٌ عن الاستثناء المذكور في الآية، والاستثناء كما قرره أهل العلم أنه معيار العموم، فلما استثنى شيئين فقط حرُمَ ما لم يُذكَر.

ثم قال الله I (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) قُرِئ (لِأَمَانَاتِهِمْ) بالجمع وقُرئت بالإفراد (لِأَمَانَتِهِمْ) وكلاهما قراءات متواترة. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. قال ابن عطية رحمه الله تعليقاً على هذه الآية: وهذا يعمّ، أي يدخل في هذه الصفة (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) قال: وهذا يعمّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، بمعنى أنه يدخل فيه مراعاة الناس ومواعيدهم وعهودهم. والأمانة أعمّ من العهد فكل عهدٍ أمانة ولا عكس، فهو إذاً من باب عطف الخاص على العام، ومعنى رعاية الأمانة والعهد حِفْظُه والقيام به. قال السعدي رحمه الله: الأمانة تشمل الأمانة التي بين العبد وربِّه أو التي بين العباد فيما بينهم وكذا العهد يشمل العهد الذي بين العهد وربه ويشمل العهد الذي بينه وبين الناس فكل هذا من صفات المؤمنين.

ثم قال الله I (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود سألت النبي e فقلت: يا رسول الله أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال:

« الصلاة على وقتها » وفي رواية عند الحاكم « الصلاة على أوّل وقتها ».

ماذا تلاحظون في صفات المؤمنين؟ أنه افتتح صفات المؤمنين بالصلاة وخَتَمَها بالصلاة، يدلّ هذا على أهميتها وأفضليتها فأثنى عليهم بصفتين، الأولى: الخشوع في أوّل صفاتهم، والثانية: المحافظة عليها في آخر صفاتهم. قال السعدي رحمه الله: فمدحهم بالخشوع بالصلاة وبالمحافظة عليها لأنه لا يتمّ أمرُهم إلا بالأمرين فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع أو على الخشوع من دون محافظة فهو مذمومٌ ناقص.

ما جزاء من امتثل بهذه الصفات؟ قال الله I (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) جاء في الصحيحين أن رسول الله e يقول: « إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجّر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن ». إذاً من امتثل هذه الصفات فهو الوارثُ للفردوس. لماذا سُمِّيَ جزاء المؤمنين في هذه الآيات ودخولهم الجنة واستحقاقهم لها وراثة؟ قالوا جاء في الأحاديث أنه ما من أحدٍ إلا وله منزلان: منزلٌ في الجنة ومنزل في النار فإن مات فدخل النار وَرَثَ أهل الجنة منزله فذلك قوله (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خُلِقوا لعبادة الله تعالى. ويقرر هذا جملة من الأحاديث كقوله e في الحديث الصحيح: « يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى » وفي لفظ لمسلم قال رسول الله e: « إذا كان يوم القيامة، دفع الله لكل مسلم يهودياً أو نصرانياً. فيُقال: هذا فُكاكُك من النار » كما يشهد له جملة من الآيات كقوله تعالى (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) وكقوله تعالى (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فأُطلِق على جزاء المؤمنين ودخولهم الجنة وراثة استشعاراً ومصاحبة لهذا المعنى.

ثم لما قرر الله I صفات المؤمنين وجزائهم قال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) من هو الإنسان؟ اختلف المفسرون فيه على قولين:

Ø   القول الأول: أنه آدم u (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) يعني من صلصال كما قال في آية أخرى (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ).

Ø   القول الثاني: أن المراد به بنو آدم (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) أن المراد بالإنسان هنا بنو آدم ولم يتعرض لأصل الخلق، وإنما تعرض لما استقر عليه الخلق، فالمراد به بنو آدم. ومعنى (سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) أي صفوة الماء كما قال ابن عباس، وقال مجاهد (مِنْ سُلَالَةٍ) من منيّ آدم، يعني أنه خلقنا بني آدم من سلالة من طين أي من آدم الذي سمي طيناً لأنه خُلِق منه.

الفرق بين القولين:

Ø   القول الأول: أن المراد بـ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) آدم، وأن السلالة من طين المراد بها الصلصال من حمإ مسنون كما في آية أخرى.

Ø   القول الثاني: أن المراد بنو آدم وأن السلالة من طين صفوة الماء، وسمي آدم هنا من طين لأنه خلق من طين.

أيهما أقرب؟ القول الأول الصحيح أن المراد بذلك خلق آدم كما تشير إليه آيات أخرى وأنه خُلِقَ من طينز ذلك أن الله I قال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أي خلق أصلكم وهو آدم u من تراب. وقد قال النبي e: "إن الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والخبيث، والطيب، وبين ذلك ".

لعلكم أيها الأخوة تنتبهون معي لأننا الآن قلنا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) وقرّرنا أنه آدم وهناك قول آخر أنه بني آدم. قال الله (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) الهاء هنا أين تعود؟ ثم جعلنا آدم نطفة؟ هل يصح هذا؟! المفسرون هنا في هذه الآية لم يختلفوا على أن المراد به بني آدم لم يختلفوا لكن ما توجيهه؟ على القول الثاني واضح على القول الثاني والذي يقول أن المراد به بنو آدم واضح. لكن على القول الأول (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) أي آدم نطفة، لا، لأنهم هم مُجمِعون أن المراد هنا بنوه وليس المراد آدم وبالتالي فبعض العلماء قال (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) الضمير عائد على جنس الإنسان المذكور (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) أن الضمير عائد على جنس الإنسان ويصِحّ. وقال القرطبي رحمه الله: الضمير عائد إلى بني آدم وإن كان لم يُذكَر لشُهرة الأمر لأنه مشتهر أن بني آدم قد خلقوا من نطفة. قال القرطبي رحمه الله: الضمير عائد إلى بني آدم وإن كان لم يُذكَر لشهرة الأمر فإن المعنى لا يصلُح إلا له. كما قال في آية أخرى (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) أي ضعيف.

ثم قال الله I (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) أي صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صُلْب الرجل وهو ظهره وترائب المرأة وهي عظام صدرها فصار علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) وهي قطعة كالبَضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، أي يستر تلك العظام (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) اختلف المفسرون في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي بعد تكوين خلقه (أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)

فقال بعضهم: هو نفخ الروح فيه، لأنه إذا نفخ فيه الروح كان خلقاً آخر، أولاً كان جماداً ثم الآن أصبح بشراً.

وقيل: خروجه إلى الدنيا لأنه سيكون خلقاً آخر بكل المقاييس فإن الطفل الذي في بطن أمه يختلف جذرياً في حياته وسبل معيشته عن حياته في الدنيا،

وقيل: نبات شعره وخروج أسنانه،

وقيل: كمال شبابه، قال القرطبي رحمه الله: والصحيح أنه عامٌّّّّّّّّّّّّّّّّّ في هذا وفي غيره فيما ذكره المفسرون وفي غيره، أي أنشأناه خلقاً مختلفاً متكاملاً من النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت.

(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) تبارك معناه مطاوّع من "بارك" كأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة وسيأتينا إن شاء الله في تفسير قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ). وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود قول النبي e: « إن أحدكم ليُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك » إلى آخر ذلك،

وهذا من باب تفسير القرآن بالسُنّة.(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أثبت هنا أن غيره يخلق، وفي موضع آخر قال (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) فما الجمع بينهما؟ نقول: إن لفظة الخلق التي هي بمعنى الاختراع والإيجاد مِن عَدَم منفيةٌ عن البشر وهي المُرادَة (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) أما التي هي بمعنى الصنع والتقدير فغيرُ منفيةٍ عن البشر وهي المُرادة بقوله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

 

ثم قال (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ) إشارة إلى النشأة، من العَدَم تصيرون إلى الموت (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) فذكر أحوال الإنسان كلها: عالم الأجنّة، وعالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل