مقامات المغفرة من الوضوء إلى أذكار ما بعد الصلاة

مقامات المغفرة من الوضوء إلى أذكار ما بعد الصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 من بشارات النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأخرجه مسلم "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" ولأن حديثنا عن الصلاة فسنتأمل في موضوع الصلوات الخمس مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. (والكبائر هي كل معصية توعّد الله تعالى عليها باللعن أو بعذاب أو بعقاب)

من منا لا يُذنب؟ ومن منا لا يُخطئ؟ ومن منا لا يرغب ولا تطمح نفسه أن يغفر الله تعالى ذنوبه كلها دقّها وجُلّها؟ علانيتها وسرّها؟! "كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون" جعلنا الله من التوابين الأوابين في كل حين.

النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى فعندما يبشرنا أن الصلوات الخمس كفارة لما بينهن فهي حقًا كذلك وصدقًا لكن علينا نحن أن نتأمل في هذه البشارة ونتلمس مواطن المغفرة الربانية والرحمة الإلهية حتى نفوز بمغفرة الغفور الغفار سبحانه فينقضي يومنا وقد غفر الله ذنوبنا بعفوه وكرمه وإحسانه.

المقام الأول: الوضوء. رحلة الصلاة تبدأ من استعدادنا لها بالوضوء لأنه مقدمة لها وتهيئة ومنذ هذه اللحظة تبدأ بشائر المغفرة من الغفور، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب". هذه أولى مقامات المغفرة من الغفور ونحن نتهيأ للوقوف بين يديه.

ويأتي المقام الثاني: الدعاء بعد الفراغ من الوضوء كما في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (أخرجه مسلم) فهل تفتح أبواب الجنة الثمانية إلا لمن غفر الله تعالى له؟!

المقام الثالث: الأذان. قال صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه" (أخرجه مسلم في كتاب الصلاة من حديث سعد بن أبي وقاص) فالغفور سبحانه يغفر ذنوب من قال هذه الكلمات مصدّقا بها قلبه عند الأذان. وما بين الأذان والإقامة موطن استجابة دعاء فلنحرص على أن يكون من دعائنا طلب المغفرة من الله جلّ وعلا نستغفره من ذنوب أسرفنا فيها على أنفسنا وجرّاتنا عليها أهواؤنا وشهواتنا.

المقام الرابع: المشي إلى الصلاة. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد، أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح. متفق عليه.وعنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تطهر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة. رواه مسلم.وعن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحداً أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حماراً لتركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله. رواه مسلم.وعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم، فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا. رواه مسلم، وروى البخاري معناه في رواية أنس.وعن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام. متفق عليه.

والله العدل سبحانه لا يحرم المرأة من هذا الفضل فلعله يحتسب لها من الأجر في مشيها إلى مصلّاها في بيتها، في غرفتها ما يحتسبه للماشي إلى الصلاة في المسجد. 

المقام الخامس: دخول المسجد "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" وماذا يتوقع المصلي إذا فتح الله الملك الرحمن الرحيم أبواب رحمته؟! الله اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء.

المقام السادس: انتظار الصلاة. قال صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط. فانتظار الصلاة إضافة لما جاء في الحديث مما يمحو الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات فهنيئًا لمن انتظر الصلاة بعد الصلاة حسيّا ومعنويًا بقلبه ومشاعره وروحه.

المقام السابع: الفاتحة. جاء في رواية مسلم للحديث: "إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي رواية "إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. فقالوا آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" والرواية الأولى لمسلم تشمل المصلي المنفرد أيضًا والمرأة في بيتها لا تُحرم هذا الخير إن شاء الله.

المقام الثامن: الركوع والسجود. قال صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا قام للصلاة أتي بذنوبه كلها فوضعت على عاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه". فكم يا ترى ستسقط من ذنوبنا مع كل ركوع وسجود؟! هل سيبقى من ذنوبنا شيء بعد كل صلاة؟!

وقال صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة" (صحيح الجامع) وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة وحطّ عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة فاستكثروا من السجود" (صحيح الجامع)

فالسجود هو مقام القرب من الله تعالى وهو سبحانه القائل (فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) وهذا أقرب موطن دعاء يقفه المسلم بين يدي ربه فإن استغفره غفر له وإن سأله أعطاه لأنه عز وجلّ أمرنا بالدعاء ووعدنا بالاستجابة (ادعوني أستجب لكم) والسجود هو أكثر المواطن التي يُظهر العبد فيها انكساره وخضوعه وذلّه بين يدي ربه فإن كان مذنبًا فهذا هو الموطن الذي تسكب فيه العبرات وتُعلن فيه التوبة وتستمطر فيه مغفرة الله تعالى وعفوه فلنجتهد فيه حتى نكون من المقبولين المغفور لهم إن شاء الله.

المقام التاسع: بين السجدتين. فهذا موضع استغفار بدليل ما علّمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم من ذكر في هذا الموضع.

المقام العاشر: أذكار بعد الصلاة. علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نستغفر الله ثلاثًا بعد الفراغ من الصلاة ونحن ما زلنا جلوسًا في مصلّانا والرسول صلى الله عليه وسلم لن يدعونا للاستغفار إن لم يُعلمه ربه عز وجلّ أن هذا موطن طلب مغفرة من الغفور سبحانه.

 المقام الحادي عشر: من بداية الصلاة إلى ختامها. وهو استغفار الملائكة التي تشهد صلاتنا فمنذ أن نبدأ بالصلاة إلى أن نسلم في ختامها والملائكة الموكلة بنا تدعو الله أن يغفر لنا ويرحمنا، هذه ملائكة السماء تستمطر لنا مغفرة الغفور سبحانه وهو الذي أمرها بذلك فكيف لا نرجو عفوه ومغفرته وكيف لا نحبّه ونعظّمه وهو سبحانه جل في علاه يفتح لنا أبواب رحمته ومغفرته مشرعة ويدعونا للولوج فيها؟! حقّا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل النار إلا شقيّ!!!

هذه بعض نفحات مغفرة الله عز وجلّ للمصلي تتكرر يوميًا خمس مرات ويمكن لنا أن نستزيد منها فهل يبقى من ذنوبنا شيء إن نحن استحضرنا بصدق هذه المكرمات الربانية والعطايا؟ فأين المتعرضون لنفحاته؟ وأين المستغفرون التائبون المنكسرون على أبوابه؟!

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المستغفرين واجعلنا ممن غفرت لهم ذنوبهم ما بين الصلوات الخمس وفي كل حين يا غفور يا غفار يا تواب يا رحيم...سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ولا حمدناك حق حمدك فاغفر لنا تقصيرنا وإسرافنا في أمرنا وتب علينا وعلى والدينا والمسلمين إنك أنت التواب الرحيم.

 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل