بين الأذان والتحيات، رحلة ثناء ودعاء

بين الأذان والتحيات، رحلة ثناء ودعاء

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

الصلاة هذا الموعد اليومي للمؤمن للوقوف بين يدي الملك جلّ وعلا هي من أجلّ النعم التي أنعمها الله تعالى علينا والتي ينبغي لنا أن نؤدي شكرها حقًا ولنؤدي شكرها نحتاج أن نعرف عظم حاجتنا لها وأنها ضرورة لنا كالهواء الذي نتنفسه ولا نقوى على العيش بدونه وهو الروح لقلوبنا، وكلما تأملت في الصلاة ازددت تفكرًا لماذا فرضها الله تعالى علينا أول الأمر خمسين صلاة! من أحب الصلاة واعتبرها حياته سيجد الخمسين صلاة أحلى على قلبه من الماء البارد على الظمأ ولكن رحمة الله بعباده وعلمه بضعفهم البشري خففها إلى خمسة في العدد وبقيت خمسين في الأجر لمن عاشها بقلبه وروحه واستشعر تأثيرها على كيانه وعمله وأخلاقه وتعاملاته..

والصلاة هذه الرحلة العظيمة التي تبدأ من النداء لها إلى التسليم هي رحلة أرضية سماوية، رحلة مناجاة بحق بين المصلي وربه سبحانه وتعالى، رحلة تتقلب بين الثناء على الملك وبين الدعاء من المصلي، يثني على ربه بما يليق بجلاله فيفتح له باب الدعاء فيدعو ثم يخجل من دعائه لنفسه فيعود للثناء على ربه وهكذا حتى تنقضي صلاته وفي قلبه وعد ربه مع آخر تسليمة (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) وكأني بالملائكة الموكلة بالمصلي تتسارع صاعدة إلى السماء حاملة ثناء المصلي على ربه سبحانه وتعالى ودعاءه ثم تعود مسرعة ببشارة من الله تعالى للمصلي أن قد أجسيبت دعواته..

ولنستعرض مقامات الثناء والدعاء في الصلاة:

علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أننا إذا سمعنا المؤذن نقول كما يقول ثم نصلي عليه ثم ندعو وهذه سنن الأذان الخمس:

  1. الترديد مع المؤذن (وكلام الأذان ثناء على الله وإعلان توحيده)
  2. قول رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا وقول (لا حول ولا قوة إلا بالله) عند الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح)
  3. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
  4. سؤال الوسيلة له صلى الله عليه وسلم
  5. يسأل حاجته فالدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردّ

هكذا تبدأ الرحلة مع كل صلاة بهذه المقدمة العظيمة التي تفتح الطريق للقلب الغافل المشغول ليتحضر للقاء ربه..ثم ما أجمل أن يتوضأ الإنسان ويستعد في مصلاه.

  • إقامة الصلاة وتكبيرة الإحرام: ثناء على الله تعالى
  • دعاء الاستفتتاح: ثناء ودعاء
  • الفاتحة: ثناء (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين *إياك نعبد وإياك نستعين) ودعاء (اهدنا الصراط المستقيم)
  • الركوع: ثناء على الله وتعظيم له (سبحان ربي العظيم، سبوح قدوس رب الملائكة والروح)
  • الرفع من الركوع: ثناء على الله (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) وللرفع من الركوع أربع صيغ وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • السجود: ثناء على الله (سبحان ربي الأعلى، سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ودعاء (يدعو المصلي بما شاء من خيري الدنيا والآخرة)
  • الجلوس بين السجدتين: دعاء، ولا بد من طلب المغفرة في هذا الموضع (روى النسائي وابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفر لي"، وروى أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني" ورواه أيضا الترمذي وفيه: "واجبرني" بدل: "وعافني")
  • السجود الثاني: ثناء على الله ودعاء
  • جلسة التشهد: ثناء على الله  ودعاء (فصلت الكلام عنها في رسالة الأمس)

هذه هي صلاتنا اليومية وهذه هي أحوالها تصعد بنا تارة في ثناء لله وتعظيم له وتسبيح وتكبير وحمد ثم تفتح لنا أبواب الدعاء فندعو بما نشاء ونحن الفقراء إلى الله، كم لنا من حاجة نحب أن تقضى ومن مريض نحب شفاءه ومن ولد نرجو برّه وصلاحه ومن مسافر نترقب عودته سالمًا ومن والدين ينتظرون دعاءنا لهم في قبورهم، وكم لنا من حاجة لصلاح قلوبنا وللهداية على صراط الله المستقيم وكم نحتاج لطلب الثبات على الإيمان وكما نحتاج لخيري الدنيا والآخرة وحسنات وأعمال تكتب لنا في موازين الحسنات علّها تمحو ما اقترفنا على أنفسنا من السيئات!! هذه هي فرصتنا لطلب كل حاجاتنا من الملك الذي بيده ملكوت كل شيء وبيده خزائن السموات والأرض الوهاب الجواد الكريم، ما دمنا في الصلاة فنحن في أقرب المواطن لاستجابة الدعاء فلماذا نضيّع على أنفسنا الفرصة مرة تلو المرة ولا نستحضر هذه الحاجة الماسة لنا لهذه الصلاة اليومية والشحنة الإيمانية التي نتعطش لها ونتوق لشيء منها تنير قلوبنا وبصرنا وبصائرنا..

إن بين المصلي وربّه سبحانه وتعالى ستر وحجاب وحتى تكون الصلاة بحق قرة عين للمصلي عليه أن يسعى أن يكون ممن يُرفع الستر بينه وبين ربه وهذا لا يكون إلا لمن أقبل على الله بقلبه في حالة الثناء عليه وأقبل على الله بقلبه في حال دعائه فيدعوه دعاء المضطر الفقير الوجل المشفق الذليل الخائف الخاضع لربه، ولا يُرفع الستر والحجاب إلا لمن استحضر عظمة هذا الوقوف اليومي المتكرر بين يدي الله العظيم المستحق للعبودية المستحق للثناء والحمد والتعظيم والتنزيه الذي لا يُسأل غيره ولا يُرجى إلا ودّه ولا يذلّ ولا يُخضع إلا له سبحانه تقدست أسمائه وصفاته..

 اللهم أطلق ألسنتنا بالثناء عليك يا ذا الجلال والإكرام وأطلق ألسنتنا بالدعاء لك سبحانك والافتقار إليك، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة فلا تردنا خائبين يا حيي يا جواد يا كريم...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل