جلسة التشهد والخشوع

جلسة التشهد والخشوع

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 كل أركان الصلاة تحقق لنا الخشوع إن نحن تأملناها وتفكرنا قليلًا في حركتها وفي أذكارها فلنتأمل هذه الأركان بقلوبنا لعلنا ندرك نذرًا يسيرًا من حكمة الله تعالى فيها فتحقق لنا شيئا من الخشوع المنشود..

ولنقف سويًا مع جلسة التشهد (التحيات) التي كم رددنا ما شرع لنا أن نقوله فيها ترديدًا قلّ ما وقر شيء منه في القلب! وهذا لأننا دائمًا في عجلة من أمرنا نريد أن ننتهي من الصلاة ونقوم لنستأنف أشغالنا المعتادة، فنصلي صلاة مستعجل يريد الانصراف لا صلاة مودّع متلذذ بمناجاة ربه..

بعد القيام والركوع والسجود نجلس جلسة التشهد الأخير، بل نجثو لجلسة التشهد الأخير وهي في الصلاة كطواف الوداع للحاج أو المعتمر لأنها تؤذن بقرب انصرافك عن لقاء ربك سبحانه، الأولى تستأذن بالانصراف عن الصلاة والثانية تستأذن بالانصراف عن البيت الحرام قبلة الصلاة...

والجلوس للتشهد فيها لمسة ربانية رحيمة بهذا المصلي الذي أطال الوقوف وأطال الركوع والسجود فأذن له الرحيم أن يختم صلاته جالسًا جاثيًا بين يديه، فهذا حالنا في الجلوس فكيف حالنا مع ما نقوله فيه؟

أذن لنا الملك سبحانه وتعالى أن نثني عليه بأفضل التحيات (التحيات المباركات لله) لله سبحانه الملك الرب العظيم الأعلى

(والصلوات) لله وحده عز وجلّ عبودية وخضوعًا له فهم سبحانه المستحق للعبودية والمستحق للقيام بين يديه في الصلاة راكعين ساجدين خاضعين..

(والطيبات) لله جلّ وعلا فسبحانه طيب لا يقبل إلا طيّبًا، وكلمة التوحيد هي كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين، وكلّ طيب هو له سبحانه وكل طيّب هو منه سبحانه جلّ جلاله.

وبعد تحية الخالق تأتي تحية أعظم الخلق نبينا صلى الله عليه وسلم (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) اعترافًا برسالته واعترافًا بما بذله لتبليغ الرسالة على أتم وجه وتحية له منا نحن إخوانه الذين ما رأيناه ونشتاق له كما يشتاق لنا تحية شكر فقد علّمنا كل أمور ديننا والصلاة أولها "صلوا كما رأيتموني أصلي"..

ولا يغفل المؤمن عن إخوانه فشرع لنا في الصلاة تحية الخلق الصالحين لعلنا نكون في زمرتهم (السلام علينا وعلى عباد الصالحين) فنحن أمة جماعة لا أمة أفراد متفرقين والصلاة جامعة للقلوب والأهداف والمصير.

ثم بعد التحيات يأتي إعلان شهادة الحق، الكلمة الطيبة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) ونستحضر ونحن نقولها في ختام صلاتنا أن تكون هذه الشهادة خاتمة قولنا في الدنيا عند خروج الروح..

وبعد الثناء على الله عز وجلّ والصلاة على رسوله وإعلان شهادة التوحيد يؤذن لنا أن ندعو الله بما نشاء من خيري الدنيا والآخرة كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وفي هذا الدعاء من الخير ما لا يعلمه إلا الله سبحانه فهو الذي يؤتي ويعطي ويهب ويوفق للحسنات في الدنيا والآخرة. والدعاء في هذا الموطن أفضل منه بعد التسليم لأننا ما زلنا في الصلاة "سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أيّ الدعاء أسمع؟ فقال: جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة" ودُبُر الصلاة جزؤها الأخير.

ثم تختم هذه الجلسة الجاثية بين يدي الملك سبحانه وتعالى بالتسليم الذي هو بمثابة طلب الإذن بالإنصراف من هذا اللقاء الذي لولا السعي في الأرض لحاجتنا لما انصرفنا منه أبدًا ولكن تنصرف أجسادنا ولا تنصرف قلوبنا عن ربنا بل تبقى متعلقة بلذة هذا اللقاء منتظرة اللقاء القادم بشوق المحبّ الذي لا يقوى على فراق محبوبه..

والتسليم هو تحية السلام منك أيها المصلي لكل من حضر صلاتك، من الملائكة التي تلهج لك بالدعاء من بداية تكبيرة الإحرام حتى تسلم قائلة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه... وتحية سلام لمن خلفك من المأمومين إن كنت إمامًا..

وكما يتحلل الحاج من إحرامه يتحلل المصلي بالتسليم ولكن ليجلس قليلا في مصلاه يستغفر الله من أي تقصير وقع منه كما شرع للحاج أن يستغفر ويذكر الله كثيرا في أيام التشريق بعد تحلله..

هذه تأملات في جلسة التشهد الأخير لعلنا بالتفكر فيها نحقق شيئا من الخشوع الذي هو مقصدنا جميعا لتكون صلاتنا مناجاة حقيقية ومعراجًا لقلوبنا الغافلة الهائمة في زينة الدنيا ومتاعها...

اللهم نسألك أن تنير بصائرنا حتى نعي كُنه عباداتنا فنقبل عليها بكل الحب والشوق إلى مرضاتك خاشعين طائعين خاضعين فقراء إلى رحمتك يا غني يا حميد..

 اللهم اغفر لنا تقصيرنا وإسرافنا في أمرنا وثبت قلوبنا على طاعتك ونوّرها بنور العلم والإيمان والتقوى يا عزيز يا حكيم يا ذا الجلال والإكرام...

---------------------------------

رويت عدة صيغ للتشهد، منها:
1- (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) وروى هذه الصيغة البخاري ومسلم في صحيحيهما
2- (التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ) وروى هذه الصيغة مسلم في صحيحه.
3- (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) وأخرج هذه الصيغة الإمام مالك في الموطأ والحاكم في المستدرك وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه.
وكلُّها صحيحة، وقد اختار كلَّ صيغة منها بعضُ أهل العلم ولابأس باختيار إحداها، أو التنويع بينها

وذكر الشيخ بن باز رحمه الله صيغة التشهد الأخير:

الرسول - صلى الله عليه وسلم- علمها أصحابه وهي: التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.  هذا في التشهد الأول والثاني ، ..... في الجلوس الأول بعد الثانية وفي الثالثة في المغرب وفي الرابعة في الظهر والعصر والعشاء ، ثم تقول بعدها في التشهد الأخير ، الثالثة في المغرب والرابعة في الظهر والعصر والعشاء وفي صلاة الفجر والجمعة والعيدين والاستسقاء تقول بعد هذا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وإذا فعلت هذا أيضا في التشهد الأول فهو أيضاً مشروع ، مستحب، يعني التشهد الذي بعد الثانية في الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، إذا صليت على الرسول - صلى الله عليه وسلم- كما ذكر ، فهو طيب ومشروع لعموم الأحاديث في ذلك ، لأن الصحابة سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم- قالوا : يا رسول الله، أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ يعني في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56)]. سألوه، قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. هذه الصيغة أكمل الصيغ التي وردت وأتمها، وقد وردت في ألفاظه أخرى أقل وأخصر من هذا، وكلها صحيحة ، إذا أتى بواحد منها المؤمن أو المؤمنة كفى ، ومنها: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. هذه صيغة. وصيغة ثالثة: اللهم صلي على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. صيغة رابعة : اللهم صلي على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما بارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. إذا أتى المؤمن والمؤمنة بواحدة من هذه الصيغات الصحيحة كله طيب، وأكملها الأولى، أكملها وأتمها الأولى: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. في التشهد الأول والثاني ، لكن في الثاني يتعين عند جمع من أهل العلم ، فالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- في الثاني في التشهد الأخير متعينة عند جمع من أهل العلم، فينبغي أن لا تدعه وأن تحافظ عليه، ثم تقول بعد هذا كله في التشهد الأخير الذي بعده السلام تقول بعد ذلك: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال. نعيدها : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال. في آخر الصلاة قبل السلام ، ويستحب الزيادة على هذا: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم- أوصى بذلك- عليه الصلاة والسلام- قبل السلام. دعاء آخر قبل السلام : اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. نعيده: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فغفر لي مغفرة من عندك ورحمني إنك أنت الغفور الرحيم. النبي - صلى الله عليه وسلم- أوصى أبا بكر بهذا الدعاء، وأوصى معاذاً بالدعاء الذي قبله: اللهم أعني على ذكرك .... وهي وصية لجميع المسلمين ، وصيته لواحد وصية للجميع - عليه الصلاة والسلام - ، وكلها سنة ليست واجبة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل