المناجاة والخشوع في الصلاة

المناجاة والخشوع

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 إن من أعظم الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة أن يوقن المصلّي أن صلاته هي مناجاة لربّه جل في علاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن المصلي يناجي ربه فلينظر أحدكم بما يناجي ربه) والمناجاة لا تكون إلا بين محبّ وحبيبه يبثه ما في قلبه. والمناجاة تحتاج إلى تهيئة في المكان وتهيئة للقلب والجوارح.

أما تهيئة المكان فالمناجي يختار مكانًا خاصًا بعيدًا عن كل ما يشغله عن مناجاته حتى لا تنقطع حبال الود بينه وبين محبوبه وكذلك المصلي الذي ينتظر صلاته، مناجاته مع ربه بكل جوارحه يختار لها مكان بعيدا عن الضجيج، بعيدا عن الأولاد وصراخهم وطلباتهم وبعيدا عن أجهزة الاتصال والتواصل، بعيدا عن الطعام والشراب، ألم يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن لا نصلي بحضرة طعام ولا ونحن ندافع الأخبثان؟ لماذا؟ حتى لا يكون هناك أي شيء يعكّر علينا صفو هذه المناجاة والأنس بالله، إنها خلوة برب العباد تحتاج إلى صفاء ذهن وقلب وتفرّغ وابتعاد عن كل صارف.. فلماذا لا نتخذ في بيوتنا محرابًا خاصًا لصلاتنا، هو مكان مناجاتنا لربنا، مكان خاص، بعيد عن كل ما يشغل عن الله، لا فيه صور ولا زينة، حتى سجادة الصلاة تكون خالية من الزخارف التي قد تشغلنا وقد شُغل نبينا صلى الله عليه وسلم بخميصة لها أعلام وقال (إنها ألهتني عن صلاتي)؟

وأما تهيئة القلب فإن المناجي ربه بقلبه وعقله وجوارحه، يفصلها عن الدنيا وما فيها ليتفرغ لهذه المناجاة العظيمة، زكريا عليه السلام ناجى ربه وهو قائم في المحراب بعيدا عن الناس وعن كل صارف، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل يناجي ربه بعد أن تنام العيون وتسكت الأصوات وتهدأ، فللمناجاة مع الله عز وجلّ الملك الرب لذة مغبونٌ من حرم نفسه منها ومغبونٌ من لم يجاهد نفسه أن يتذوق شيئا من حلاوتها..

وحضور القلب والروح والجوارح في هذه المناجاة مرتبط بالهمّة وتابعٌ لها فأنت في حياتك يحضر قلبك لمن تهتم بأمره فإن لم يحضر القلب في الصلاة للمناجاة الراقية مع رب العالمين فهذا لانشغاله واهتمامه بغير محبوبه...ولن تعلو همة أحدنا للإقبال على هذه المناجاة اليومية إلا عندما يمتلئ القلب إيمانًا وتصديقًا وعلماً يقينيًا أن الآخرة خير وأبقى وأن هذه المناجاة وهذه الصلاة هي وسيلة للخير في الدنيا وفي الآخرة التي لها نعمل ونسعى (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)..

الزهد في الدنيا والسعي للآخرة هي أعظم وسيلة تُجبر القلب على الحضور التام لمناجاة الملك سبحانه، فنحن في الصلاة نناجي الخالق الذي خلقنا نعترف له بالربوبية والألوهية ونعترف له أنه الرحمن الرحيم وأنه مالك يوم الدين الذي سيحاسبنا على كل ما قدّمنا في حياتنا وهو الذي بيده هدايتنا فنطلبها منه صادقين لأننا لا شيء بدونها، وبين الثناء على الله وحمده وبين الدعاء والتضرع بين يديه وبين ما هو لله في صلاتنا وما هو لنا تكون المناجاة وما أحلاها وما أعظمها وما أشد وقعها وأثرها على قلوبنا، فمناجاة يصلي فيها القلب مناجاة تعرج به إلى الملأ الأعلى تسمو به وترتفع فيجد طعم لذتها على لسانه حمدا وشكرا وثناء على الله سبحانه أن أذن له بهذه المناجاة اليومية..

بهذا الشعور وبهذه المناجاة ننفصل عن سفاسف الأمور ونرتقي يوميًا قبل أن نعود لحياتنا الدنيا نسعى ونكدح فيها وكأن هذه المناجاة هي حقًا رحلة عروج يومية كما عُرج بنبينا صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة ليكلّف بهذه الصلاة، وكأننا بحاجة ماسة لهذا العروج اليومي لنشرب من النبع السماوي الصافي ما يروي ظمأ قلوبنا وأرواحنا للإيمان الحق واليقين الحق أن صلاتنا هي أساس حياتنا ولا عجب أنها الركن الذي لا يسقط بحال ولا عجب أنها أول ما سُنسأل عنه ولا عجب أنها صلتنا بربنا سبحانه وتعالى ولا عجب أنها الفاصل بين المؤمن والكافر...

يا رب لك الحمد على أن أذنت لنا بمناجاتك فأعنّا على أن نكون أهلًا لها...

يا رب أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن لا تحرمنا لذة مناجاتك والأنس بالوقوف بين يديك ليلا ونهارا...

 

اللهم يا مقلّب القلوب علّق قلوبنا بك وانزع منها كل ما ومن يشغلنا عنك..



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل