خشوع التعظيم وخشوع التذلل

خشوع التعظيم وخشوع التذلل

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

الطمأنينة والخضوع وحضور القلب الذي نسعى إليه جميعًا في صلاتنا بل وفي سائر عباداتنا لن يتحقق إلا بتحقق أمر هو في غاية الأهمية ألا وهو تعظيم الله تعالى الذي أمرنا بالصلاة أولًا واستدعى لها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج ليكلّفه بها من فوق سبع سموات تكليفًا عظيمًا في المكلِّف ومكان التكليف والمكلَّف به والمبلِّغ. وما محاولاتنا لتعظيم صلاتنا إلا ليكون من باب شكر نعمة الله تعالى العظيم علينا فتعظيم الأمر من تعظيم الآمر ومحبة فعل الأمر دليل على حب الآمر سبحانه وتعالى.

وكم ندّعي تعظيم الله في حياتنا ولكنه للأسف في كثير من الأحيان مجرد كلام نقنع به أنفسنا والآخرين..

الصلاة في حقيقتها كما سائر العبادات موطن تعظيم لله تعالى في كل حركاتها وأركانها وواجباتها بدءًا من تكبيرة الإحرام "الله أكبر" أكبر من حياتنا ومواعيدنا وطعامنا وأصدقائنا وأحاديثنا وجوالاتنا وزياراتنا وأسواقنا...عندما نترك كل ما لدينا بمجرد أن نسمع النداء: الله أكبر نكون قد عظّمنا الله سبحانه وتعالى جل جلاله الذي يدعونا للوقوف بين يديه.

ولو تأملنا في حالنا في صلاتنا أكاد أجزم أننا جميعًا إلا من رحم ربي يغفل عن استشعار عظمة الله في ركن أساسي في الصلاة ألا وهو الركوع! ويمكنني أن أسميه الركن المنسي أو الركن المغبون في الصلاة - إن صحّت التسمية - كم منا من يركع ويردد سبحان رب العظيم ثلاثًا بسرعة البرق ويرفع من الركوع ليخرّ ساجدًا لنيل درجة القرب من الله عز وجلّ في السجود؟ وهذا أمر طيب أن نستشعر معنى السجود لكن ألا نتوقف عند ركن الركوع ونسأل لماذا أُمرنا بالركوع قبل السجود؟ ولماذا لا نخرّ ساجدين مباشرة بعد القرآءة؟!

الركوع هو الركن الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأما الركوع فعظّموا فيه الربّ، إذن هو ركن تعظيم لله بامتياز.

وحتى نستشعر معنى تعظيم الله في الركوع لنسأل أنفسنا لماذا أُمرنا في صلاة الخسوف وصلاة الكسوف أن نركع مرتين ونطيل فيهما؟! إن الله العظيم القادر على تغيير نواميس الكون بهذه الآيات المعجزة لهو إله عظيم يستحق أن نعظّمه على عظيم قدرته وتفرّده في تدبير وتسيير كونه بهذا النظام الدقيق العظيم متى شاء وكيف شاء سبحانه.

والعظيم اسم من أسماء الله الحسنى. وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ما نقوله في الركوع بعد التسبيح باسم الله العظيم فكان يقول: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي خشع لك سمعي وبصري ولحمي وعظمي ودمي وبشري" ولو تدبرنا هذا الدعاء لعلمنا بين يدي من نركع ولاستشعرنا عظمة الخالق الذي نركع له على هذا النحو ونقرّ له أن كل ذرة فينا خاشعة لك يا رب خاضعة لك معظّمة لك تعظيمًا يليق بجلالك. ومما كان يقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً في الركوع: "سبّوحٌ قدوسٌ ربُّ الملائكة والروح" والأدعية في الركوع كثيرة ويمكن الرجوع الى كتب الاذكار للإستزادة منها.

وكما علمتنا سورة الفاتحة أدب الثناء على الله تعالى قبل طلب الهداية، يعلمنا هذا الركن العظيم "الركوع" الثناء على الله العظيم قبل أن نسجد بين يديه ونسبّحه وندعوه بما نشاء ونطلب كل حاجاتنا منه صغيرها وكبيرها.. فلا يليق بمن يريد حاجته من الملك أن يطلبها دون مقدمات وكلما ازدادت حاجته زاد في ثنائه وأطنب فيه...

فهلا تفكّرنا في هذا الترتيب البديع لحركات الصلاة وأركانها وأن كل ركن منها مقصود وله هدف ومعنى ويشكل مع باقي الأركان منظومة رائعة تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم والرحمة وبينهما قرآن يشفع وركوع يرفع وسجود يقرّب ودعاء يُسمع...

إذا تعاملنا مع صلاتنا على أنها روتين وواجب يومي نقوم به فلن نتلذذ بها ولن تزيد في رصيدنا الإيماني ذرّة.. ينبغي أن نتطلع لصلاتنا على أنها لقاء بملك الملوك، رب العالمين، ربنا وخالقنا وهادينا ورازقنا ووكيلنا ووليّنا، نطمئن في كل ركن فيها ونتأمل ونخشع ونعيها بقلوبنا وعقولنا وأرواحنا ونعطي كل ركن حقّه، عندها فقط نرى أثرها في قلوبنا وثمرتها وبركتها في حياتنا لأننا على يقين أنه لا نخرج من حضرة الملك المنعِم الوهاب الجواد إلا بعطيّة وهدية. ولنحذر من أن نكون من أسوأ الناس سرقة كما حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قال يا رسول الله، كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها.

 

سبحان الله العظيم الذي شرّفنا وأكرمنا وأنعم علينا بنعمة الوقوف بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة، اللهم أوزعنا أن نشكر هذا النعمة العظيمة بتحقيق تعظيمك والخضوع لك والتذلل بين يديك والخشوع في حضرتك يا ذا الجلال والإكرام.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل