بلاغة آية وحديث - الحلقة 56 - (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 56

آيتنا التي نقف معها اليوم هي قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) الآية الرابعة والستون من سورة النساء. في هذه الآية وقفات بديعة بليغة مع حروف العطف وكيف أدّت دورها تشير إليها الباحثة الكريمة الأستاذة وضحى بنت محمد العريفي مستخرجة ذلك من بحوث المفسرين كالزمخشري في كشّافه وغيره ممن وقف مع هذه الآيات وقفات بلاغية عجيبة.

الآية تقول (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا) ما سر وجود حرف العطف الفاء هنا؟ لماذا الفاء بالذات والله أعلم؟ لماذا لم يقل الله: جاؤوك استغفروا؟ الفاء تفيد الترتيب والتعقيب كأنهم والله أعلم جاؤوا فجلسوا فأخذوا مكانهم فاستغفروا الله، إذن بين المجيء وبين الاستغفار مدة صحيح أنها ليست بالطويلة لكن بينما فاصل إذ ليس المجيء مزامنا للاستغفار موافقا له تماما، وإنما المجيء له وضع. ثم الترتيب مع التعقيب يقتضي أن يكون ثمة وقت للجلوس، للاستئذان، للكلام، لتقديم الندم، لبيان العذر، للاعتذار، فالاستغفار. وهنا فائدة أنّى نقف عليها لولا وجود حرف العطف الفاء (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله).

(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) هنا فائدة بلاغية عظيمة. الآية تقول (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) الآن المخاطَب الرسول صلى الله عليه وسلم وسياق الآية يقول (جَاءُوكَ) فكان مقتضى الكلام في الظاهر أن يقول" جاؤوك فاستغفروا واستغفرت لهم" لكن الله تعالى لم يقل هذه الكلمة وإنما قال (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) هنا البلاغيون أهل البلاغة يقولون فيه فنٌ بلاغي اسمه: التعبير بالظاهر عن المُضمَر أو وقوع الظاهر محل الضمير. كان مقتضى الكلام وسياق الآية يقتضي والله أعلم في غير القرآن الكريم أن نقول: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوكَ فاستغفروا الله واستغفرتَ لهم، لكن لماذا والله أعلم بمراده حوّل الله سبحانه وتعالى الضمير في (استغفرت) إلى ظاهر (استغفر لهم الرسول)؟ حتى يبين والله أعلم أن الاستغفار من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم مقصود لذاته فأن محمدًا الرسول صلى الله عليه وسلم ذو منزلة رفيعة عند الله وإذا استغفر الرسول صلى الله عليه وسلم للمذنِب فإنه مظنّة أن يُغفر له. النبي، الرسول، بمنزلة الرسالة صلى الله عليه وسلم إذا استغفر لإنسان فإنه حريٌ أن يُغفر له قَمِنٌ أن تحصل المغفرة لمن استغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن الفطن منا الذكي الذي يستغل الفرص رجالًا ونساء علينا جميعا أن نبحث عن الأحاديث التي فيها دعاء بالمغفرة من الرسول صلى الله عليه وسلم مترتبة على أعمال صالحة فنعملها أو دعاء منه صلى الله عليه وسلم بالرحمة في أعمال معينة فنعملها مثل قوله صلى الله عليه وسلم للرجال في الحج أو العمرة: رحم الله المحلّقين، رحم الله المحلّقين، رحم الله المحلّقين، رحم الله المقصّرين. وفي حديث آخر يشمل الرجال والنساء قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا" يعني صلى سنة نافلة وليست من السنن الرواتب ولكنه نفلٌ مطلق قبل صلاة العصر. "رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا" هنا دعوة من الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول مستجاب الدعوة، الله تعالى لن يترك محمدًا صلى الله عليه وسلم إلا أن يستجيب له دعوة خاصة أنه هنا سماه الله باسمه الظاهر (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ).

ما جواب الشرط هنا؟ قال (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) الله أكبرّ وجدوا الله توابا ولم يقل تائبا وهنا من بلاغة اختيار اللفظ العجيب في كلمة تواب وهذه صيغة من صيغ المبالغة، لم يقل تائبًا وإنما قال توابًا. التواب كما يقول العلماء يعني كثير التوبة عظيمها فالتواب يدخل فيه الذي يتوب على العبد المذنب، المذنب، المذنب، المذنب، يتوب الله عليه، يتوب الله عليه، وأيضًا الذنب الكبير، الكبير يدخل في توبة الله التواب عليه. ورحيما على وزن فعيل والرحيم أيضًا كثير الرحمة للناس الذين يستغفرون الله وجمع الله تعالى هنا بين المغفرة والرحمة، يغفر الذنوب يسترها لا يُريها أحدًا من الناس حتى لا يراها العبد الذي أذنب فيتألم الله ويرحم الله وإذا رحم الرحمن فأكرِم بتلك المنزلة!.

كانت هذه وقفات بلاغية حول هذه الآية العظيمة (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) نسأل الله أن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين أجمعين.

بلاغة حديث

وقفتنا هذه الحلقة مع الحديث الشريف الذي نستطيع أن نقف معه وقفات بلاغي فهو حديث عجيب حيث أثنى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيما تذكر الباحثة الأستاذة وفاء الشتري في وقفاتها البلاغية حيث تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بردّ عائشة رضي الله في أحد المواقف التي كان فيها جدل وأخذ وردّ بين أمهات المؤمنين فلما انتصرت عائشة بردّها المؤدب الراقي الدقيق العدل قال صلى الله عليه وسلم: إنها ابنة أبي بكر. كلمة مدح عظيمة في حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم "إنها ابنة أبي بكر" يقولها صلى الله عليه وسلم في حديث طويل ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما قالت إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن أرسلن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن لها قولي له أي لأبيك محمد صلى الله عليه وسلم إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ بنية ألست تحبين ما أحبه؟ يرشدها النبي صلى الله عليه وسلم بعتاب خفيف إلى أن تحب عائشة لأن أباها محمدا صلى الله عليه وسلم يحب عائشة، قالت: فخرجت فاطمة رضي الله عنها فذهبت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لهن إنني كلمته في ذلظ فقال لي ما قال فقالت أمهات المؤمنين لفاطمة ارجعي مرة أخرى واطلبي منه أن يعدل فينا في ابنة أبي قحافة، فقالت والله لا أكلمه في ذلك أبدا،. انتهى الموضوع، كلمته مرة وقال لي ألا تحبين ما أحب. فأرسلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها تكلمه في الموضوع وتقول له يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فتكلمت زينب في عائشة وحطّت عليها ووضعت عليها الكلام وشددت عليها قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: وأنا أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه هل يأذن لي بالردّ أم لا حتى عرفت من رشول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يكره أن أنتصر بمعنى لا يكره أن آخذ حقي من زينب بنت جحش رضي الله عنهن جميعًا فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها يعني أعطيتها الكلام بالكلام وأخذت حقي منها بالكلام الفصيح الذي يبين منزلتي عنده وعندئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها ابنة أبي قحافة.

الحديث فيه وقفة بلاغية جميلة قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنها ابنة أبي قحافة " (إنها) بالتوكيد بأداة التوكيد (إنّ) يخبر زينب التي تخاطبه وهو يعلم أنها تعلم أن عائشة بنت أبي قحافة إذن يخبرها من باب التأكيد يعني ابتعدن عن عائشة فإنها صاحبة لسان فصيح قوي في الحق وحسبها أنها ابنة أبي قحافة، أنها ابنة أبي بكر رضي الله عن أبي بكر وأرضاه. وهنا مدح جميل منه صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة بأن ينسبها إلى أبيها وكل فتاة كما قيل كل فتاة بأبيها معجبة فكيف إذا كان أبوه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الذي واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماله ونفسه الذي لو كان محمد صلى الله عليه وسلم متخذ خليلا لاتخذ أبا بكر خليلا، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يبقينّ باب إلا خوخة أبي بكر، أغلقت الأبواب بين البيوت ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا خوخة أبي بكر إكرامًا له. الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركوا لي صاحبي، صدقني إذ كذبني الناس وآواني إذ طردني الناس وأيدني بماله ونفسه رضي الله عنها وأرضاه أو كما أثنى عليه محمد صلى الله عليه وسلم.

 

إذن هذا الحديث بنمط خطابه، باسلوبه، بانتقاء كلماته، بتأكيده بمؤكداته البلاغية يدل دلالة واضحة على مكانة عائشة رضي الله عنها وعلى أدب الني صلى الله عليه وسلم في الاستماع إلى النيل من محبوبته حبيبته زوجته عائشة رضي الله عنها وهو يستمع ويعاتب ابنته فاطمة بالأسلوب الرقيق "أي بنيّة، ألا تحبين ما أحب؟ أنا أحب عائشة فأحبيها". وهنا يستوعب النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بألطف العبارات وبأحسن الألفاظ وبأرقى التعبير فصلى الله وسلم على من آتاه الله الخلق الكريم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل