بلاغة آية وحديث - الحلقة 48 - (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 48

الآية الكريمة لحلقة هذا اليوم هي قوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾ البقرة) هذه الآية الكريمة فيها معجزة من المعجزات وآية باهرة لرجل رأى قرية بيت المقدس قد خربت وهدّمت وصارت خاوية ونظر إليها من علو جبل فقال: أنّى يحيي هذه الله؟! خرب بيت المقدس واحترق فكيف يحيي الله هذا المكان؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه لم يتغير طعامه ولا شرابه وحماره وعظامه كيف تكسى ولو بعد مائة عام فصارت آية ودليلا على إحياء الله الموتى بعد موتهم وعلى نشورهم بعد مرقدهم. هذا الرجل قيل إنه عُزير وقيل إنه أوريا ابن حلقيا وهو اسم للخضر عليه السلام. قال الطبري رحمه الله وهو شيخ المفسرين: يجوز أن يكون عزيرًا وجائز أن يكون أوريا ولكن هذا ليس من عادات القرآن الكريم ومنهجه أن يذكر الاسم بعينه لأن المقصود ليس الاسم وإنما الإبهام حتى نستفيد من عموم القصة وفائدتها لا أن نركز على الاسم وحسب ولذلك جاء كما يقول البلاغيون التعبير بالاسم الموصول (أو كالذي) عزير، أوريا، فلان، لا يعنينا، هو الذي مر على القرية، الهدف من القصة مرور رجل على القرية إلى آخر ما حصل معه من استبعاد البعث والحياة بعد الموت أما من هو بذاته فلا يعنينا، منهج جميل أن نركز على الفوائد ونترك الأشخاص، أن نركز على المضمون ونترك الشكل لا نجعله هو المعيار والمحتكم الذي نحتكم إليه. هذه الآية الكريمة فيها ما فيها من الوقفات البلاغية:

هناك دقة في التعبير بلفظ (قرية) قال تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) القرية في العموم هي اجتماع السيل، هي اجتماع الناس، هي المكان الذي يجتمع فيه ولذلك ناسب أن يأتي على طريق التضاد المعنوي بمعنى هي قرية اجتماع ومع ذلك صارت خاوية على عروشها، والخلو بمعنى خلا والعروش هي الخيام من بيوت العرب وما يكون من البيوت التي لها حيطان وليس لها أسقف بمعنى أنها خربت تماما وهذا الذي دعا هذا الرجل إلى أن يتساءل فأراد الله أن يعطيه قرينة يراها بعينه وحجة وبرهانًا (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) (ثم) تفيد التراخي وأيّ تراخٍ أكثر من مائة عام يموت فيها الإنسان ثم يُبعث، مائة عام ماتها ثم بعثه الله سبحانه وتعالى والعجيب أن الله أماته أول النهار يعني مثل ما نقول في الضحى، أول الصباح، أول الظهر وبعثه قبيل المغرب أو آخر العصر، على اصفرار الشمس، على غروب الشمس فظن أنه نام أول النهار واستيقظ آخر ولذلك قال (لبثت يومًا أو بعض يوم) جزء من اليوم ما أكملت يومًأ مع أنه أكمل في موته هذا مائة عام فسبحان الله القادر على كل شيء

(فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) اختيار دقيق لمعنى التغيّر(يتسنّه) وفيه آية باهرة أن الطعام والشراب بقي مائة عام لم يتغير دون حافظات أو ثلاجات أو غير ذلك من المخترعات لأن الأمر بيد من يقول كن فيكون، الله سبحانه وتعالى قادر.

ثم قال الله تعالى (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) تكرار الأمر (انظر) ثلاث مرات هنا فيما ما فيه من الدلالة البلاغية العظيمة من حيث الأمر بالنظر بالذات وأيضًا كما يقول البلاغيون ومنهم الباحثة الكريمة الدكتورة زينب بنت عبد اللطيف كردي عندما أشارت إلى مادة النظر المصطفاة في هذه الآية بمعنى الإنسان يتدبر في أمره وعاضدها التكرار في النظر ثلاث مرات كل هذا يدل على أن هذه الاية آية معجزة وهي ما أراده الله تعالى ليثبت البعث والنشور بمعنى أن الذي قدر أن يحييك قادر أن يحيي الموتى وهذا دليل من أدلة وردت في سورة البقرة على إحياء الموتى بعد موتهم وعلى أن الله  قادر على أن ينشر الناس ليوم يقوم فيه الناس لرب العالمين.

بلاغة حديث

إكمال لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل الله العبد الذي نشر له تسعة وتسعين سجلًا من لخطايا وليس له حسنة واحدة فقال الله: هل لك حسنة؟ هل لك عذر؟ قال لا يا رب – يستعطفه بربوبيته أو يقر بربويته الآن وهو قد أقر قبلا بالشهادة - فقال الله تعالى: بلى - وهنا تتجلى الرحمة في أبهى صورها وأحسن مضامينها وأجمل أشكالها - الله الحكم هو الذي يقول للعبد المذنب صاحب التسعة والتسعين سجلًا بلى لك عندنا حسنة، وهذا حوار عظيم جميل يبين الله له حسنته فيقال: "إن لك عندنا حسنة" ولاحظ التعبير الجميل: (إنّ) بالتوكيد وإنّ حرف توكيد وهو يفيد التأكيد المضمون. (لك) التقييد بالجار والمجرور بمعنى أنك أنت المالك لها، لام الملكية، الذي سنقوله لك هو لك الآن، سنخبرك به هو ملكك فافرح به لأنك ستحتاجه اليوم. ثم قال (عندنا) الله أكبر! التقييد بالظرف في كلمة (عندنا) تقييد جاء في أرقى التعابير وأمس الحاجة له، (عندنا) عند من لا يظلم الناس شيئا، (عندنا) عند الحفيظ العليم، (عندنا) عند الملك العدل، (عندنا) عند من يفرح بتوبة عباده، (عندنا) عندما يريد أن يدخلنا الجنة، (عندنا) عند من يدعو إلى دار السلام. عندنا لك حسنة، فقال وما عساها تفعل هذه الحسنة مقابل السجلات؟! حسنة! وزاد في التقييد فقال: واحدة، هي حسنة واحدة ليست سجلات كسجلات الخطايا. فقال الله: بلى، بلى، لا ظلم اليوم عليك. صحيح أنها حسنة وحسنة واحدة لكن لا ظلم اليوم عليك، وإذا قال الله لا ظلم ففعلًا لا ظلم، والنصّ على نفي الظلم بهذا التركيب البليغ وهو لا النافية الجنس (لا ظلم) يعني نفي جنس الظلم تمامًا. لا يوجد أيّ ظلم عليك يا أيها العبد، سنحاكمك وسنزن هذه السجلات التسعة وتسعين مقابل البطاقة الحسنة الواحدة فعندما قال الله (لا ظلم عليك) أيضًا قيّدها بكلمة (عليك) فيها من الراحة لهذا الرجل ما فيها بمعنى أن الظلم منفي عليك نفيًا تامًا وإذا نفى الله الظلم بقي العدل وإذا بقي العدل عند الملك العدل في اليوم العدل فسينجو هذا الرجل كما نتبينه في ختام الحديث في الجلسة المقبلة.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل