بلاغة آية وحديث - الحلقة 47 - (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 47

الآية المختارة هذا اليوم تكررت في القرآن الكريم أربع مرات ثلاث مرات بلفظها والمرة الرابعة باختلاف يسير قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة الآية 168 وفي سورة البقرة الآية 208 (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) وفي الأنعام 142 (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) وفي سورة النور الآية 21 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). هنا نتساءل ما هذا التركيب الذي تكرر ثلاث مرات بلفظه ثم في المرة الرابعة تغير شيئًا يسيرًا؟ إنها خطوات الشيطان. النهي فيها في الأربع مرات جاء بلفظ النهي الصريح (وَلَا تَتَّبِعُوا) بصيغته العربية المشهورة وهي فعل المضارع المسبق وبلا الناهية لا تفعل كذا، لا تقم، لا تأكل، لا تشرب، لا تسافر، لا تغادر، لا تزعج، (لا تتبعوا) هذا النهي الصريح كما قال علماؤنا في أصول الفقه النهي في الأصل يقتضي التحريم، إذا نهى الله عن أمر وجب اجتنابه  وقد يُحمل على الكراهة وهذا هو النهي والنبي صلى الله عليه وسلم قال (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) إذن اجتناب المنهي عنه هو الواجب في ذلك الموضع والواجب في تلك الحال.

(وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ) لمَ اختيرت خطوات؟ قال السمعاني في تفسيره: اشتقاقها من الخطوة، واحدها خطوة، خطوة خطوات، وهي التي يبقى لها أثر وكأنها والله أعلم اختيرت بدقة هذه اللفظة بلهي كذلك لأن خطوة الشيطان يبقى لها أثر إذا عصى الواحد منا معصية، إذا ارتكب أمرًا محرًما عفا الله عنا وإياكم، غفر الله لنا وإياكم فإنه لها أثر يمحى بالتوبة والاستغفار وتكرار العمل الصالح حتى يمحو ذلك لأنها خطوة لها أثر. وقال العلماء إن اصطفاء كلمة خطوات بصيغة الجمع تفيد التدرج خطوة تلو خطوة، خطوة يخطوها الشيطان ويخطوها بنو آدم المخطئون ثم يتلوها خطوة أخرى حتى لا يرضى الشيطان بعد الصغيرة إلا بالكبيرة، بعد الشبهة إلا بالشهوة، بعد البدعة إلا بالشرك بالله جل جلال الله، إنها خطوات يقود بعضها إلى الخطوة التي هي أكبر منها.

ثم قال الله تعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) بئست الإضافة أن تكون الخطوة مضافة إلى الشيطان ونرضى بها! إن أية معصية ينبغي أن نتركها ما دامت مضافة إلى الشيطان عدونا وعدو أبينا آدم من قبل، هذه خطوة شيطان فكيف يتبعها إنسان مؤمن اذي يرجو رحمة ربه؟! لا شك أنه يحسن به أن يجتنبها ولو قام بها وعملها فإنه ينبغي له أن يتركها لأنه كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

ثم قال الله جوابًا لسؤال ناشيء: لماذا نترك خطوات الشيطان؟ لماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ قال الله (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) ثمّة أربع وقفات بلاغية في هذه الجملة:

1.    (إنه) جاء التأكيد بـ(إنّ) وعلماء العربية يقولون: إذا أردت أن تؤكد أمرًا فابدأه بإنّ المؤكدة (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) لم يقل الله سبحانه وتعالى: فالشيطان لكم عدو مبين، قال (إنه)

2.    ثم إنه قال (لكم) التقييد بالجار والمجرور أيضًأ فيه فائدة بلاغية جميلة بمعنى إن الشيطان عدو قد يقول الإنسان هذا عدو لفلان وفلان وليس عدوًا لي قال الله (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) كل من يخاطب بهذه الآية فالشيطان عدو له ولذلك جاءت كلمة (لكم) في أحسن مواضعها تقييد بالجار والمجرور على أكمل أوجه التعبير.

3.    ثم قال الله (عدو) على وزن فعول وفعول من صيغ المبالغة بمعنى أنه كثير العداوة أو عظيم العداوة وشديدها أو هما معا وهذا هو حال الشيطان هو مكثر لعداوتنا وهو شديد لنا ولو تمكن الشيطان منا لم يجعل لأحد نجاة من الجنة بل لجعلنا جميعًا جلساءه في نار جهنم عياذًا بالله من جهنم عافانا الله وإياكم من جهنم ووالدينا والمسلمين.

4.    ثم قُيّد بالوصف فقال (عَدُوٌّ مُّبِينٌ) وأيضًا كلمة (مبين) فيها من صيغة المبالغة ما فيها وفيها من لفظة الإبانة ما فيها بمعنى أن هذا الشيطان لا تخفى عداوته على ذي بصيرة. كل ذي بصيرة بصير بأن هذا الشيطان عدو لنا فيجب أن نجتنبه وفيه من المبالغة ما فيه.

هذه الآية تكررت أربع مرات في القرآن الكريم، لا شك أن تكرارها يدل على أمر معين، لا شك أن تكرارها يحتاج إلى مزيد من التأمل، لماذا تكررت بهذا العدد؟ لماذا جاءت مقرونة بالأكل (كلوا واشربوا ولا تتبعوا خطوات الشيطان) تساؤلات أطرحها لعلنا نبحثها.

بلاغة حديث

إكمال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة المشهور "إن الله عز وجلّ يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجلّ مدّ البصر ثم يقول له أوتنكر من هذا شيئًا؟" العدل الكامل بأبهى صوره! الله يقرر في محكمة العدل يوم القيامة في المحكمة التي لا ظلم فيها يقول له هل تنكر من هذه التسعة والتسعين سجلا سيئة واحدة؟ سبحانك ربي ما أعدلك! إذا كان السجل الواحد مد البصر والله لا يريد أن يظلم عبده يقول هل تنكر؟ يعطيه الحجة هل تنكر واحدة من هذه السيئات ويعطيه أيضًا الحق في الدفاع عن نفسه (أتنكر من هذه السجلات شيئًا) جاءت (شيئا) نكرة حتى تفيد العموم بمعنى أيّ شيء تنكره تفضل لك الحق في إنكاره لكنه يعلم أنه بين يدي ملك عدل لا يظلِم وأنه بين يدي ملك عالم لا يخفى عليه شيء فلا ينكر هذا المذنب شيئًا من هذه السجلات فيكرر الله عليه تلقينه الحجة فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون؟ أيضًا فيه مظهر عظيم من مظاهر العدل من الله سبحانه وتعالى، هل ظلمك؟ أخبرني إذا كان من يكتب عليك وهم الملائكة إذا كانوا ظلموك فأخبرنا أنت الآن مع الله سبحانه وتعالى يحاكمك ولا ظلم لديه اليوم.

 ثم قال (كتبتي الحافظون) هنا فيه اضافة تشريف وهي إضافة الكتبة إلى الله سبحانه وتعالى بمعنى أن هؤلاء الكتبة الملائكة الكرام هم كتبة ربي. ثم زاد التشريف تشريفًا فقال (الحافظون) قيّده بالوصف بمعنى أنهم حافظون وكأنه استدراج له ليلقّنه الدرس بأنهم حافظون لا يكتبون ما لا يعلمون وأنهم لا يظلمون. ثم عبّر بالاسم الجميل (الحافظون) اسم الفاعل يدل كما في اللغة العربية على الاستمرار نقول رجل طويل، رجل قائم، رجل حافظ بمعنى أن هذا الملك الكريم حافظ لما يكتب حافظ لعمله لا يظلم لا يزيد ولا ينقص فيقول له الله ألك عذر؟ أنت الآن أقررت على نفسك أن كل هذه السجلات كتبت عليك، كل هذه الخطايا أنت اقترفتها، سبحانك يا رب ما أرحمكّ  فيقول ألك عذر؟ ما دام عندك سجلات تسعة وتسعين، كل سجل مد البصر من السيئات هل لك عذر فيقول لا يا رب، فيقول: ألك حسنة؟ حسنة واحدة؟ فيقول لا يا ربي ليس لي ولا حسنة وجاءت حسنة هنا بالتنكير حتى تعم كل حسنة ولو كانت صغيرة فيبهت الرجل يوقع في يده والبهت عافانا الله وإياكم هو الرعب والحيرة بمعنى أن هذا الرجل صار مبهوتًا استولت عليه الحجة فيقول لا يا رب، جوابه جميل حكيم، أنا معترف بالسجلات التي عليّ، أنا لا عذر لي ولا حسنة ولكن يا رب كأنه يستعطفه ويسترحمه بقوله يا رب، وهذا ما سنعرفه إن شاء الله تعالى في وقفاتنا في الحلقات القادمة.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل