بلاغة آية وحديث - الحلقة 46 - (اليوم أكملت لكم دينكم)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 46

الآية الكريمة هي قوله تعالى في سورة المائدة  (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3] هذه الآية الكريمة هي التي قال عنها اليهود لو نزلت علينا معشر يهود لجعلناها عيدًا لنا. هذه الآية التي نزلت في الحج الأكبر عندما حج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين حجة الوداع فيها من الوقفات البلاغية الشيء الكثير:

منها قوله سبحانه وتعالى (اليوم) التقييد بالظرف هنا يحتمل أنه يراد به اليوم الذي نزلت فيه وهو يوم عرفة أو اليوم بمعنى الزمان كما يذكر المفسرون وهو زمن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أن عصر النبي صلى الله عليه وسلم هو عصر اكتمال الشرائع وهو الدين الخاتم ولا يمنع أن يجمع بينهما بأن عصر النبي صلى الله عليه وسلم هو ختام وكمال الأديان كلها ويوم عرفة هو آخر يوم استقرت فيه شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حتى قال المفسرون: لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الأحكام.

وفي قوله تعالى (أكملت) بصيغة المضارع، علماؤنا في البلاغة علماؤنا في العربية الجميلة يتكلمون صيغة الإكمال بورودها بصيغة المضارع (أكملت) الآن أكملت، إذا جاءت بصيغة المضارع (أكملت) أُكمل جاءت بصيغة الماضي المنتهي المستقر بمعنى أن الدين كمل لا مجال فيه للحديث، لا مجال فيه للزيادة الأمر استقر وانتهى على هذا الكمال الرائع الراقي (أكملت). قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في مفرداته في تفسيره لغريب القرآن الكريم أثار تساؤلا جميلا قال: عندما يقول الله سبحانه وتعالى (أكملت) هل معنى ذلك أنه قبل ذلك ديننا لم يكن كاملا قبل يوم عرفة؟ أو تساؤل آخر: إذا قلنا دين محمد صلى الله عليه وسلم هوالمكمل للأديان هل معنى ذلك أن الأديان السابقة شريعة إبراهيم، شريعة موسى، شريعة عيسى عليهم الصلاة والسلام، شرائع الأنبياء كله عليهم الصلاة والسلام قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هل كانت ناقصة؟ والجواب على ذلك أن هذا لا يُعدّ ذمّا لها لأن الكمال يأتي من وجهين: كمال نسبي كما تقول هذا الصبي كامل تقصد أن هذا الغلام الصبي كامل بمواهبه مقارنة بأسنانه من الأولاد الذين في عمره أما إذا قارنت هذا الولد بالرجل الكبير الناضج العاقل الحكيم لا شك أن كمال الصبي أقل وأصغر من كمال الرجل الكبير فكذلك الدين شرائعه كلما نزل حكم فهو كامل ولكنه بالنسبة لوقته هو أكمل الأمور وأكمل الكمالات أما لما كمل الدين تمامًا فهذا هو النهاية في الكمال. وكذلك يقال إن شريعة كل نبي عليهم الصلاة والسلام كانت كاملة في وقتها فلما جاء الإسلام وكمّلها صار الكمال المطلق الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى.

قال جلّ جلاله (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) هنا ثمة ثلاثة وقفات بلاغية فيها:

(أتممت) الله سبحانه وتعالى نسب الإتمام إلى نفسه كما نسب الإكمال، (أتم) وهذا ملحظ جميل في الإسناد إلى الله، إسناد الفعل إلى الله الفاعل الله جلّ جلاله عندما قال (أتممت) يعني المنّة لله، ليس تمام الدين من محمد صلى الله عليه وسلم مهما علا قدره وشرّف، ليس تمام الدين من عالم أو شيخ أو مفتٍ مهما كان شريف علمه وعالي قدره، لا، وإنما تمام الدين من الله.

ثم قال الله (عليكم) أيضًا ذكر (عليكم) بالتقييد بالجار والمجرور فيه ما فيه من من المنة علينا أن التمام عليكم معناه أن هذا التمام خصّكم أنتم يا أيها المؤمنون. ثم قال الله سبحانه وتعالى (نعمتي) يشير علماء البلاغة إلى فنٍ جميلٍ راقٍ هو فن الإضافة عندما يقول الله سبحانه وتعالى (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) النعمة مضافة إلى الله، الله له النعمة وأضافها إليه سبحانه وتعالى إضافة تشريف ورفعة ومع ذلك أتمها علينا نحن، النعمة نعمة الله والتمام علينا نحن. إذن بهذا التركيب البليغ والنظم القرآني الفريد تتجلى بلاغة القرآن الكريم أيّما روعة وأيّما صفاء وأيّما وضوح في جمالها بما اشار الله تعالى إليه.

 قال الله في ختام هذه الآية (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) نلاحظ تكرر صيغة الفعل المضارع: أكملت، أتممت، رضيت، بمعنى أن الأمر لا يحتاج تغيير الأمر لايُنسخ، انتهى الموضوع، حسمت القضية، رفعت الأقلام، جفت الصحف، تمّ الرضى، الله رضي لنا، الراضي هو الله والمرضي به هو الإسلام ، لمن هذا الرضى يا ربنا؟ قال لكم، رضيت لكم أنتم رضيت لكم الإسلام دينا. وهنا هذا الرضى يقول علماؤنا الأجلاء معناه لا يدخله نسخ ولا تغيير ولا نحتاج ابتداع زيادة ركعة في صلاة ولا نحتاج زيادة ما لم يأذن به الله في أمور العبادات ولا نحتاج إكمالًا لديننا لأن الله رضيه لنا على الوجه الذي كان فيه عندما نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم بل إن الله رضي لنا الإسلام حتى علا من قبلنا من شرائع الأولين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقوامهم عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى عمر ومعه نسخة من التوراة قال له لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي. حتى موسى صلى الله عليه وسلم لو كان موجودًا لاتبع النبي صلى الله عليه وسلم.

اصطفاء مادة الرضى هو ختام هذه الوقفة عندما اصطفى الله الرضى نتأمل ونتساءل ونقول: إذا الله سبحانه في جلاله رضي لنا الإسلام ألا نرضاه لأنفسنا شريعة ومنهجًا وحكمًأ وسلوكًا وتحاكمًا رضينا بما رضي لنا ربنا، ولذلك جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً كان حقًا على الله أن يرضيه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يرضينا يوم القيامة ووالدينا ووالديهم والمسلمين وأن يرضى عنا.

بلاغة حديث

اخترت لكم قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وابن حبان وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجلّ يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجلّ مدّ البصر ثم يقول له أوتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر أو حسنة فيبهت الرجل فيقوللا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم اليوم عليك فيقول فتخرج له بطاقة فيقول أحضروه فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقول الله أحضروه فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال إنك لا تُظلم، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء. هذا الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأهل السنن يبين لنا عظيم الحوار الواضح بين الخالق والمخلوق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من أمتي فيه تقييد يعضد ما جاء من أننا خير أمة وأنا أمة مرحومة. ثم فيه تصوير بياني بذكر البعدين الزماني والمكاني عندما قال الله (يوم القيامة) ذكر الزمان وحدده وعندما (على رؤوس الخلائق) ذكر المكان واجتماع الناس.

في قوله (يوم القيامة) تصوير عظيم للأهوال التي تكون يوم القيامة وفي قوله (فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا) النشر هو المد ونشر الأشياء وتفريقها وتوزيعها كما قال تعالى (والناشرات نشرًا) وكما قال تعالى (في رقّ منشور) فنشر السجلات لنا أن نتصور هذه الصورة البيانية البلاغية أن السجلات التسعة والتسعين كل واحد منها مد البصر ومع ذلك تنشر له السجلات التسعة والتسعين كلها أمام عينيه كلها سيئات كلها خطايا كلها ذنوب ليس فيها حسنة واحدة.

 ونلحظ قوله صلى الله عليه وسلم (كل سجل مدّ البصر) لم يقل تنشر له التسعة والتسعين سجلا مدّ البصر حتى لا نفهم أنها بمجمعها تكون مد البصر وإنما كل واحد منها بمدّ البصر كما قال سبحانه وتعالى في قصة يوسف (وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا) [يوسف: 31] كل واحدة بمعنى أن كل امرأة من هذه النسوة أخذت سكينا فكل سجلّ مدّ البصر وهو ما سنتوقف عنده في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل