بلاغة آية وحديث - الحلقة 45 - (إن يشأ يُذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 45

الآية المختارة في هذا اليوم هي قوله تعالى في سورة النساء (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾) هذه الآية الكريمة اشتملت على أسلوب الشرط في القرآن الكريم (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ)، الشرط هو أن يترتب أمر على أمر آخر إذا شاء الله أذهبكم وأتى بآخرين يكونوا مكانكم والله على ذلك قدير. هذه الآية فيها عدة وقفات بلاغية نأخذها من بحث راق جميل للباحثة الأستاذة وضحى العريفي في حديثها حول الشرط وما يتعلق به في سورة النساء:

تشير الباحثة فيما أشارت إليها التنكير جاء بكلمة آخرين (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ) آخرين هذه تعني كما يقول العلماء: يأتي بناس من أمثالكم من جنسكم أو يأتي بخلق آخر غير الإنس والآية فيها قولان إلا أن الصحيح الذي انتصرت له الباحثة وتدل عليه الآية الكريمة أن الناس لو أذهبهم الله لأتى بأناس مثلهم لأن الآخر لا بد أن يكون من جنس الأمر الذي قبله، تقول العرب: اشتريت ثوبًا وآخر، معنى ذلك اشتريت وثوبًا آخر لكن ما رأيك لو قلت اشتريت ثوبًا وآخر وأنت تقصد به منزلا؟! لا يصلح هذا المثال، يصلح إذا قلنا اشتريت ثوبًا وغيره، غيره يحتمل ساعة، يحتمل قلم، يحتمل بيتًا من غير جنس اللباس وهكذا. إذن فرق بين قولنا اشتريت ثوبًا وآخر وبين قولنا اشتريت ثوبًا وغيره. لما تذهب إلى السوق لقضاء الحاجات تشتري حاجات وأخرى أو تشتري حاجات وغيرها أي من غير ذلك الجنس المذكور. ولذلك الآية فيما ذُكر ولله أعلم كلمة (آخر) مصطفاة بعناية وأن الله يا أيها الناس لو أذهبكم لأتى بأناس آخرين هؤلاء الآخرون هم من جنسكم لأن الدلالة تقتضي ذلك والنصوص القرآنية في ذلك كثيرة قال الله سبحانه وتعالى (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [الرعد: 5] خلق جديد لهم يعني يمكن هناك ناس آخرون يأتون عل منوالهم

وهناك دلالة أخرى وهي أنه ليس من المعقول والله أعلم لاختلاف وجه المقارنة أن يذهب الله بالناس ويأتي بالملائكة مثلًا لأن الملائكة مجبولون على العقل دون الشهوة وأما بنو آدم ففيهم العقل والشهوة معًا ولذلك كلمة آخر لا تنطبق على الملائكة مع الناس كما لا ينطبق البيت وشرابه على أن تقول اشتريت ثوبًا وآخر وأنت تقصد ثوبًا وبيتًا، هنا لا يصلح أن تذهب بالناس وتأتي بالملائكة وإنما هي يذهب الناس ويأتي بأناس آخرين أمثالكم ويستطيع الله أن يهلك الناس ولا يبالي الله قادر على كل شيء ولكنه بنا رحيم، لنا غفور، بنا ستير سبحانه وتعالى.

ثم ختمت الآية ختام بما يسميه العلماء الفاصلة وهي تناسب ما ذكر قبلها عندما قال الله (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) الله قادر أن يذهبكم أيها الناس يعني كل الناس الله قادر أن يذهبهم، أين ممتلكاتهم؟ أين عمائرهم؟ أين أعمالهم؟ أين أشغالهم؟ أين ما يحبون وما يحرثون وما وما وما؟! يذهب بها ربنا وهو على ذلك قدير سبحانه لكنه لم يفعل ذلك رحمة بنا وحكمة منه سبحانه وتعالى لولا لطف الله لذهب من في الأرض جميعًا لكن الله رحمنا مع أنه قادر على ذلك. والآية الكريمة قالت (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) كان في الماضي كأن السياق والله أعلم يقول كان الله قديرًا وانتهت قدرته، لكن لا، ليس هذا المراد تعالى الله، هذا ما يسميه علماء اللغة والبلاغة على وجه الخصوص: الخروج بالماضي عن معناه الحقيقي إلى معنى الإستمرار يعني كان الله ولا يزال على ذلك قديرا، كان في ما مضى ولا يزال ولن يزال قديرًا أن يذهب بالناس ويفعل ما يشاء سبحانه وتعالى لأنه لا مُكره له ولا حاكم معه له الملك وله الحمد سبحانه.

بلاغة حديث

استكمال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجلّ في الحديث القدسي إلى أن قال الله سبحانه وتعالى "يا عبادي" يكرر النداء مرة أخرى، "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفَعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلِ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخركم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" الحديث في هذه المقاطع الثلاثة فيه عدة وقفات بلاغية منها:

تكرار كلمة "يا عبادي" أيّ نداء أحنّ من هذا النداء؟! أن يكرر الله سبحانه وتعالى في موضع حديث واحدة كلمة محببة إلى النفوس "يا عبادي" عدة مرار، إنها لرحمة من الله سبحانه وتعالى.

 

ثم قال أيها العباد لا تغتروا إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني حتى لو فرعون قال يا هامان ابنِ لي صرحًا لعلي أبلغ السموات فاطّلع إلى إله موسى، فرعون كان يظن أنه سيصعد سيصعد إلى يصل إلى السماء فيرى إله موسى ومع ذلك لم ينفعه! النمرود قال أنا أحيي وأميت ولم ينفعه! فلان وفلان من أهل الجبروت الذين قالوا هاتوا الله لنجعله في الحديد لن يضروا الله "لن تبلغوا ضرّي" ليس فقط عبد أو عبدين أو ثلاثة من عباد الله بل كلكم يا عبادي لو اجتمعم كلكم على أن تضروني لن تبلغوا ضرّي وكذلك لو أردتم أن تنفعوني لن تبلغوا نفعي لن تنفعوني! سبحان الله! لماذا نفعل هذ الأعمال؟ وهذه التصرفات والأقوال؟ سيأتي النتيجة في آخر الحديث أما الآن فليس ضرّنا بمقدور عليه لو أراد كل العباد أن يضروا الله لن يستطيعوا ولو أرادوا أن ينفعوه لن ينفعوه ولذلك فصّل الله وقال "يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلِ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا" العلماء يقولون هذا أسلوب مقابلة، أولكم وآخركم، فيه تقابل فيه طباق، إنسكم وجنكم، مقابلة، اجتمع الإنس والجن والأول والآخر وكانوا على قلب واحد ليس أيّ واحد وإنما أتقى واحد منذ تاريخ البشرية هذه التقوى والعبادة والصلاة لن تنفع الله شيئا سبحانك يا رب! إذن هنا نتعبد الله باسمه العظيم الغني الله غني عن عباده حتى لو كانوا على أتقى قلب. ثم لو كان العباد كل العباد إنسهم وجنهم أولهم وآخرهم على أفجر قلب، من نتصور؟ فرعون، النمرود، الكافر فلان، المنافق فلان، اليهودي فلان، الله أعلم، لو افترضنا (لو) الشرطية على أفجر قلب مع ذلك لن يضروا الله شيئًا الله غني عن طاعة المطيع وعن معصية العاصي والله لا يبلغ نفعه أحد فينفعه ولا يبلغ ضرّه أحد فيضره. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل