التأدب مع نعم الله

التأدب مع نعم الله

من تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله

يعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا، بقوله: { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} [ الواقعة: 63 - 64] هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض، فتنمو معك يوماً بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك، وذلّلها لخدمتك، كما قال تعالى: { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [ يس: 72] ما استطعت أنت تسخيرها.
إذن: لو حلَّلْتَ أيَّ نعمة من النعم التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه.
وحتى بعد أن ينمو الزرع ويُزهر أو يُثمر لا تأمن أن تأتيه آفةٌ أو تحلُّ به جائحة فتهلكه؛ لذلك يقول تعالى بعدها: { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [ الواقعة: 65 - 67] كما يقول تعالى: { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم} [ القلم: 17 - 20]وكذلك في قوله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون} [ الواقعة: 68 - 69] هذا الماء الذي تشربونه عَذْباً زلالاً، هل تعرفون كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحاباً تسوقه الريح؟ هل دريْتُم بهذه العملية؟ { لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً..} [ الواقعة: 70] أي: مِلْحاً شديداً لا تنتفعون به.
فحينما يمتنُّ الله على عبيده بأيّ نعمة يُذكِّرهم بما ينقضها، فهي ليست من سَعْيهم، وعليهم أنْ يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلاَّ فَلْيحافظوا عليها هم إنْ كانت من صُنْع أيديهم! وكذلك في مسألة خَلْق الإنسان يوضح سبحانه وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [ الواقعة: 58 - 60] فإنْ كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه الموت.
فذكر سبحانه النعمة في الخَلْق، وما ينقض النعمة في أَصْل الخَلْق.
أما في خَلْق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون} [ الواقعة: 71 - 72]فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطاماً، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجاً، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيِّل الآية بقوله تعالى: { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} [ الواقعة: 73] كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ففي الحديث عن الزرع ولأن للإنسان عملاً فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول: { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً..} [ الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك.
أما في الحديث عن الماء وليس للإنسان دخل في تكوينه فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى: { لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً..} [ الواقعة: 70] دون توكيد؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلاً في هذا الماء الذي ينهمر من السماء.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل