بلاغة آية وحديث - الحلقة 44 - (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 44

الآية معنا هي الآية الحادية والأربعون من سورة النور (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٤١﴾ النور) الآية الكريمة ذكرت أن كل شيء يسبح لله سبحانه وتعالى من في السموات ومن في الأرض، ذكر البلاغيون وقفة جميلة بديعة عند التعبير بكلمة (من) وهو اسم موصول يختص بالعقلاء (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قالوا لماذا قال الله في هذه الآية بالتحديد إن الله يسبّح له (من) مع أن الطير تسبح والجماد يسبح والشجر يسبح والجبال تسبح والبحار تسبح في آية أخرى تدل على أن كل شيء يسبح لله حتى غير العاقل، هذا يسميه البلاغيون "التغليب" أن يغلَّب جانب على جانب آخر فغُلّب في هذه الآية الكريمة جانب العقلاء على غيرهم وقد تكلم الرازي في تفسيره الجميل مفاتح الغيب أو ما يعرف بالتفسير الكبير تكلم لماذا خصّ العقلاء بالتعبير بـ(من) لم يقل الله: يسبح له ما في السموات للعاقل وغير العاقل، قال الرازي: وجه التغليب هنا هو كون العجائب والغرائب تبدو في العاقل أكثر من غيره وذلك لعقل لعاقل ونطقه وفهمه، العاقل يعقل ويفهم وينطق فإذا سبّح الله تأملنا أكثر لأن تسبيحه نابع من عقل ونطق وفهم. يقول ذلك الرازي رحمه الله ومن تابعه من العلماء الأجلاء.

والعجيب أن هذا التغليب الذي غلّب فيه العاقل على غيره ، في آية مشابهة تدخل في متشابه القرآن الكريم غّلب فيه غير العاقل على العاقل عندما قال الله سبحانه وتعالى في الآية الثامنة عشرة من سورة الحج (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿١٨﴾ الحج) هذه الآية تدل على أن العاقل وغير العاقل يسجد لله. في آية النور التي في أول الحلقة ذكرنا قوله (يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ) في آية المائدة قال الله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٢٠﴾) لماذا قال الله في سورة المائدة بالذات (وَمَا فِيهِنَّ) العاقل وغير العاقل ولم يقل (ومن فيهن)؟ قال العلماء هنا لأن سورة المائدة تتحدث في كثير من آياتها عن عيسى عليه السلام واعتقاد النصارى الخاطئ الكاذب الكافر فيه وفي أمه البتول عليها السلام وأن عيسى ثالث ثلاثة كما يقولون بعلامة التثليث قال الله ردا عليهم (وَمَا فِيهِنَّ) بغير العاقل، غلّب غير العاقل ردًا على النصارى الذين يعتقدون إلهية غير الله قال إن الذين يعتقدون إلهية عيسى أو مريم عليه السلام كالبهائم ولذلك غلّبت في آية المائدة جانب غير العاقل (وَمَا فِيهِنَّ) لأن الله تعالى قال في هذه السورة العظيمة قبل ذلك (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦﴾ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧﴾ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨﴾) إذن هذه الآية غلّب فيها غير العاقل لمناسبة أن من يعبد غير الله فكأنه غير عاقل وأما آية النور فغُلّب فيها العاقل لأن العقلاء يفهم منهم التسبيح أكثر من غيرهم.  

بلاغة حديث

 اكمال ما تقدم من حديث مسلم القدسي عن الله سبحانه وتعالى في قوله "يا عبادي" إلى أن قال سبحانه وتعالى: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًأ فاستغفروني  أغفر لكم" الله تعالى سبحان الله العظيم ينادي المذنبين المخطئين باللفظ المحبب وهو غني عنا مع ذلك يقول "يا عبادي" ليس يا عبادي النتقين، ليس يا عبادي أهل التقوى، ليس يا عبادي الأولياء، وإنما قال يا عبادي الذين تخطئون في الليل والنهار، سبحان الله! نخطئ في الليل والنهار وينادينا الله الغفار "يا عبادي" ثم يؤكد لنا الخبر: إنكم أنتم تخطئون واستخدم كما يقول البلاغيون الفعل المضارع (تخطئون) معناه أننا نخطئ ويتجدد الخطأ، نخطئ العصر ثم نخطئ المغرب ثم نخطئ العشاء ثم سامحنا الله وغفر الله لنا نخطئ في البيت ونخطئ خارج البيت، نخطئ في تجمعاتنا ونخطئ في خلطتنا بأصحابنا وأصدقائنا، نخطئ بالليل والنهار، كلها أخطاء! ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى "وأنا أغفر الذنوب جميعا" ولاحظ كيف يتحبب الله إلينا بالبلاغة النبوية العظيمة في الحديث القدسي قال "أغفر الذنوب" بالألف واللام الذنوب تستغرق كل الذنوب، أي ذنب يخطر في بالك اعلم أن الله سبحانه وتعالى يغفره، لكن هناك طلب خفيف: فاستغفروني أغفر لكم. لا تطلب من الولي فلان أن يغفر لك، لا تطلب من النبي أن يتوسل لك الآن وهو ميت أن يغفر بجاه النبي أو نحو ذلك من الكلمات التي لا تصح، قل بالله ربي اغفر لي، يا ربي بحبي لك وحبي لنبيك صلى الله عليه وسلم وطاعتي وفضلك عليّ اغفر لي، اغفر لي لأن الله تعالى يقول مباشرة "فاستغفروني أغفر لكم" هذا هو دين الإسلام الوضوح والمباشرة وعدم الكهنوت الذي هو حاصل والرهبانية التي ابتدعها النصارى وليست من دينهم ولا من ديننا، ولذلك قال الله حتى ذنوب الليل وحتى ذنوب النهار تراني أغفرها جميعًا. والمغفرة هي الستر بمعنى أنني وغيري من المخطئين المذنبين عندما نقترف ذنوبًا كبيرة وكثيرة ونستغفر الله منها فإنها تغفر مثل المغفر الذي يلبسه الإنسان فيغطي ما خلفه كذلك المغفرة ستغطي كل ذنب من الغفور الرحيم غفر الله لنا ولأمهاتنا ولآبائنا وللمسلمين أجمعين. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل