سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة إبراهيم

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة إبراهيم

محور السورة: رسل الله في ميدان الدعوة

إن الحديث عن أداء الرسل لرسالة الله سبحانه وتعالى وتصوير مواقف المعاندين والجاحدين من الناس هو الدرس الكبير في سورة إبراهيم بل هو المحور الذي تدور آيات هذه السورة العظيمة في فلكه. إننا نلاحظ بشكل واضح تكامل سور القرآن الكريم في بيان حقيقة هذا الدين وهذه العقيدة فما أجملته سورة تفصله سورة أخرى وتهيؤ السورة في ختامها مقدمة السورة التي تليها وكنا قد لاحظنا أن سورة الرعد كانت حديثًا عن الله عز وجلّ عن عظيم خلقه وبديع صنعه وأشارت إلى مواقف بعض الأمم من رسلها وسورة إبراهيم تصور المعاناة التي لاقاها رسل الله في ميدان الدعوة من تكذيب وتسفيه وغير ذلك. فإلى سورة إبراهيم عليه السلام لنسمع حديثها حول نعمة إرسال الله للرسل ولنشاهد مواقف الأمم على مر التاريخ من هذه النعمة.

في الحياة الدنيا ظلمات كثيرة ظلمة الجهل وظلمة الغرور وظلمة الإثم وظلمة العصيان وقد أنزل الله كتابه على محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من هذه الظلمات كلها وليعلمهم أن هذه الحياة الدنيا مرحلة إلى ما بعدها وأن الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ضالون وأن الذين يقاومون الوحي ويكرهون العيش في منارة جائرون معوجون ومن قبل محمد صلى الله عليه وسلم أرسل الله موسى لينقذ قومه من ظلمات الذلّ العبودية ويمنّ عليهم بالحرية المطلقة حرية العقل والضمير والحركة والمرح في نعمة الله عز وجلّ عليهم. ولما كان الحديث عن نعم الله هو أحد موضوعات السورة وعلى رأسها نعمة إرسال الرسل فقد طلب موسى من قومه أن يذكروا فضل الله عليهم ويعرفوا حق صاحبه.

(الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿١﴾ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿٣﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٥﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٦﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٨﴾)

والأديان كلها نقلةٌ من الجهل إلى العلم ومن العِوَج إلى الاستقامة والكتاب الذي اختُصّ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مليء بحُزَم من الأشعة التي تمحو العمى وتهدي الطريق وتقود إلى الله تعالى وتعصم من الوقوع في ضروب الجاهليات كلها، ولكن البشر على امتداد العصور يخاصمون الوحي ويكابرون المرسلين ويحاولون البطش بهم ويستغلون ما أوتوا من قوة لفتنة المؤمنين عن الحق لكن المؤمنين يصمدون ويتحملون متوكلين على الله عز وجلّ وقد قال تعالى في سورة إبراهيم على لسانهم (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾).

وإن الحوار الذي تعرضه سورة إبراهيم بين رسل الله عز وجلّ وبين أممهم يؤكد لنا أن إخراج أمة ما من الظلمات إلى النور لا يتم بين عشية وضحاها ولكن يحتاج إلى زمن طويل وقد مكث نبينا صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وعشرين سنة يتعهد العرب بالقرآن الكريم حتى محى بداوتهم وجهالتهم وتخلفهم العلمي والحضاري وأمسوا أهلا لصدارة العالم وقيادته. والقرآن الكريم نقلة فسيحة ثقافيًا وسياسيًا وخُلُقيًا فلما اشتبكوا مع أعداء الله ورجحت كفتهم عن جدارة واستحقوا التمكين في الأرض. نلمح هذه المعاني في سورة إبراهيم عليه السلام كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴿١٤﴾) ويبقى هذا التصادم قائمًأ بين الكفر والإيمان فالكفر يغلب عليه طابع الأنانية فهو لا يريد أن يبرز على الساحة غيره ولا يسمح لأي صوت أن يعلو غير صوته ولا يدع الناس يعيشون في حرية فكرية بل لا بد من إكراههم على ما يراه هو حقًا. ولقد نقل القرآن الكريم هذه الحقيقة الذي اتخذها الكفر شعارًا له على لسان أحد أئمة الكفر إنه فرعون موسى الذي قال لقومه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29] وأما الإيمان فيلاحظ من خلال نبرة صوته على لسان الرسل الكرام في سورة إبراهيم عليه السلام الهدوء والطمأنينة والحرض الشديد على أن يستقيم حال الناس وذلك بسيرهم على الصراط المستقيم الذي فصّل الله على لسان رسله الأطهار طريقة السير عليهو بذلك يضمن لكل الأمم التي أرسلوا إليها سعادة الدارين.

وقد نقلت سورة إبراهيم عليه السلام بعض مشاهد هذه المعركة بين الحق والباطل بأداء فريد من نوعه حيث نقلت كثير من سور القرآن صورة دعوة الرسل أقوامهم إلى الله تعالى فيجيء كل رسول ويقول كلمته ويمضي ثم يجيء رسول آخر وهكذا، كلهم يقولون الكلمة ذاتها ويلقون الردّ ذاته ويصيب المكذبين ما يصيبهم في الدنيا ويُمهَل بعضهم أجل قريب أو إلى أجل يوم الحساب. ولكن السياق في السورة الماضية كان يعرض كل رسول في مشهد كالشريط المتحرك منذ الرسالات الأولى كسورة الأعراف وسورة هود أما في سورة إبراهيم أبي الأنبياء فيُجمع الأنبياء كلهم في صف واحد ويجمع الجاهليون كلهم في صف واحد وتجري المعركة بينهم في الأرض ثم لا تنتهي هنا بل تتابع خطواتها كذلك في يوم الحساب. ونبصر فنشهد أمة الرسل وأمة الجاهلية في صعيد واحد على تباعد الزمان والمكان فالزمان والمكان عَرَضان زائلان أما الحقيقة الكبرى في هذا الكون حقيقة الإيمان والكفر فهي أضخم وأبرز من عرَضي الزمان والمكان.

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٩﴾ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴿١٤﴾ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿١٥﴾ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴿١٧﴾)

في هذه الآيات من سورة إبراهيم تتجمع الأجيال من نوح ويجمع الرسل ويتلاشى الزمان والمكان وتبرز الحقيقة الكبرى حقيقة الرسالة وهي واحدة واعتراضات الجاهلين وهي واحدة وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة وحقيقة خذلان الله للمتجبرين المتكبرين وهي واحدة وحقيقة العذاب الذي سينتظرهم هناك في الآخرة وهو واحد. ويظهر هذا في التماثل بين قول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وحكاية قوله لموسى عليه السلام (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فالظلمات هي نفسها على مر التاريخ والنور هو النور على كرّ الدهور والأيام. ولا تنتهي المعركة هنا بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة حيث يتخلى المتبوعون عن الأتباع ويلقي كل واحد منهم المسؤولية على الآخر ويطالب المستضعفون المتكبرين بوعودهم التي وعدوهم إياها في الدنيا والتي اتبعوهم من أجلها وتركوا هدي ربهم من أجل إرضائهم فيكون جواب المتكبرين هو التبرؤ منهم والتخلي عنهم. ثم يقوم بعد ذلك إمامهم الشيطان ليلقي خطبته الشهيرة فيهم ليعلن هو الآخر برآءته من إضلال الناس وإغوائهم وهو مشهد عجيب تصوره الآيات إنه لم يقع ولكنه سيقع حتمًا لأن الله أخبر به، فليحذر المتكبرون ولينتبه المستضعفون، إن الله أراد الخير بالجميع لذلك حذّرهم من اتّباع الشيطان وصوّره لهم في أبشع صورة عندما يتخلى عن أتباعه وهم في أحرج الأوقات وأصعب الأزمات قال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 6]. وقد أراد الله الخير بالجميع عندما أرسل لهم رسلًا ينيرون لهم الطريق ويخرجونهم من الظلمات إلى النور بإذن الله.

(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴿٢١﴾ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾)

ثم تضرب سورة إبراهيم مثلًا للحق والباطل كما هو الحال في سورة الرعد السابقة فمثل كلمة طيبة كالشجرة الطيبة ثابتة سامقة مثمرة لا تزعزعها الأعاصير ولا تعصف بها رياح الباطل ولا تقوى عليها معاول الطغيان وإن خُيّل للبعض أنها معرّضة للخطر الماحق في بعض الأحيان وهي مثمرة لا ينقطع ثمرها لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنًا بعد آن. إنها كلمة الحق التي جاءت على لسان رسل الله التي تحدثنا عنهم سورة إبراهيم في درسها الكبير وهم في ميدان الدعوة يلاقون ما يلاقون من أقوامهم، ستبقى هذه الشجرة صامدة في وجه الجوائح التي تصيبها لأن أصلها ثابت في أعماق الأرض. وإن الكلمة الخبيثة كلمة الباطل كالشجرة الخبيثة قد تهيج وتتعالى وتتشابك ويُخيّل لبعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى ولكنها تظل نافشة هشة وتظل جدورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض فلا قرار لها ولا بقاء وليس هذا مجرد مثل يُضرب إنما هو الواقع في الحياة ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان.

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴿٢٦﴾ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴿٢٧﴾)

ولما كانت سورة إبراهيم عليه السلام سورة مكية فلا بد فيها من حديث عن الله عز وجلّ وعن نعمه وفضله على خلقه وأولى هذه النعم وأبرزها هو إرسال الأدلّاء الأطهار أشرف الخلق رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يبلغون عن اله عز وجلّ رسالته للبشر.

ثم يأخذ السياق القرآني في سورة إبراهيم في بيان بعض نعم الله سبحانه وتعالى على خلقه يعرضها في مجال الكون ويضعها في إطار من مشاهد الوجود العظيمة كخلق السموات والأرض وتسخير البحار والأنهار والشمس والقمر وهما دائبين وتعاقب الليل والنهار ثم إجابة دعاء السائلين بكل شيء يسألون الله عز وجلّ أن يمنحهم إياه ونعم الله على الإنسان لا يحصيها عادّ إطلاقًا ولكن أين أولئك العقلاء الذي يربطون النعمة بالمنعِم ويردون الفضل لأهله فيكون شكرهم لهذه النعمة استجابة وطواعية لله عز وجلّ؟ فمن كمثل إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء الأوّاه الحليم الذي تعرضه السورة كنموذج عن البشر الشاكر المعترف بفضل الله عليه وهو الذي شكر هذه النعمة استجابة واستسلامًا لله تعالى حتى قال الله عز وجلّ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٢٢﴾ النحل).

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٦﴾ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿٣٨﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٩﴾ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴿٤١﴾)

ثم بعد ذلك يكمل السياق القرآن رحلته مع الذين بدّلوا نعمة الله كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار الذين وقفوا سدًا منيعًا في وجه رسل الله الأطهار وهم يبلّغون كلمة الله للناس وهم الذين كانوا سبب معاناة الرسل مع أقوامهم، اليوم يأتي جزاؤهم وحسابهم. يكمل السياق القرآني رحلته ليكشف عما أُعدّ للكافرين من عذاب وشقاء يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات إنهم كذّبوا الرسل وكفروا بربهم فهاهو السياق في سورة إبراهيم يتوعّدهم بقوله (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤٧﴾) وهذا الذي مرّ معنا في هذه السورة بلاغ للناس ولينذَروا به وكل نفس بما كسبت رهينة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل