دورة الأترجة القرآنية - سورة الكهف -4

دورة الأترجة القرآنية - تفسير سورة الكهف - 4 - د. عصام العويد

 (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)

قال I (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ) أي هؤلاء الفتية بعثهم الله عزّ وجلّ بعد هذه السنوات الطويلة من النوم الذي أشبه الموت، فقال سبحانه وتعالى (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) أي هؤلاء الفتية كل واحد منهم يسأل الآخر وهذا السؤال إنما كان الغرض منه أن يتبينوا قدرة الله عزّ وجلّ وضعفهم وضعف المخلوق عمومًا في علمه وفي قدرته فإنهم لما ظهروا، ظهروا بصورة على غير ما ناموا عليها، كانوا على هيئة ثم ناموا فلما استيقظوا من نومهم إذ كل واحد منهم يرى الآخر على هيئة مختلفة تمامًا عما كانوا عليه حين نومهم. فأصبح الواحد منهم بين أنه نام واستيقظ بعد مدة يسيرة وبين الهيئة التي يراها من جسده، كما ذكرنا من طول أظفاره وشعره ومن تغيّر كثير من الأحوال، فتساءلوا بينهم (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) سأل سائل وعادة ما يكون هؤلاء أسرع الناس إلى الكلام, أسرع الناس إلى المبادرة في السؤال عما ينفع وعما لا ينفع، ولذلك ستلحظ هنا أن الله عزّ وجلّ قسم هؤلاء الفتية إلى ثلاثة أصناف:

# فأما الأول فهم المبادرون بالكلام المستعجلون في السؤال

# وأما الصنف الثاني فهو الذي بادر بالجواب من دون أن يتحقق من علم

# وأما الثالث فهم أهل التؤدة والعلم والحكمة والحلم [S1] والذين أثنى عليهم النبي e كما أثنى على الأشج بن عبد قيس لما قال: إن الله عزّ وجلّ فطرك على خصلتين يحبهما الله ورسوله، وما هما يا رسول الله؟ قال: الحِلْم والأناة، التؤدة في الأمور.

فهنا الأول (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) يسأل، فأجاب المستعجل فقال (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) هذا الصنف الثاني، أما أعلم الناس بما يجب عليه أن يكون الجواب فقالوا (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) أحال العلم في هذه القضية المشكلة إلى الله U لأن هناك أشياء مُلْبِسة فالمدة التي مكثوها يقينًا لا يعرفونها هم الآن والهيئة مختلفة، فقال أعلمهم (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وهنا يأتي ما يسمى عندنا بالكلام المفيد النافع، الكلام عن كم ناموا؟ ومتى استيقظوا؟ هذا الكلام الفائدة منه قليلة وضعيفة. وإنما الفائدة الكبرى أن القوم حينما بعثهم الله عزّ وجلّ من نومتهم هذه قاموا وهم يحتاجون إلى أمور فعاقلهم وعالمهم قالوا دعوا عنكم هذا وإنما ليذهب أحدنا فلينظر إلى طعام يشبعنا من هذا الجوع الذي نشعر به بعد هذا النوم الذي لا ندري عن مداه.

(فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) وهنا يتبين في مسألة أن أهل الدعوة وأهل العلم يجب أن يكون عندهم ما يغنيهم عن الناس فهؤلاء الفتية مع أنهم كانوا في الكهف وهـربوا من قومهم إلا إنهم أخذوا معهم من المال ما إذا احتاجوا يجدون ما يغنيهم عن سؤال غيرهم وهذا ظاهر بيّن في الكتاب والسنة وفي طرائق أهل العلم. ومن ألطف ما يحكى في هذا الباب أن سفيان الثوري رحمه الله وهو زاهد الدنيا الإمام الذي لا يعرف ما بين شرق وغرب في عصره أورع وأزهد منه في هذه الحياة، دخل عليه بعض تلامذته وفي كفيه دراهم يقولون فلما نظرنا فإذ هو يرفع بالدراهم هذه ويقبلها هكذا، يقبلها! قلنا له يا إمام أنت سفيان زاهد ما بين المشرقين، كيف تقبل هذه الدراهم؟ فقال: "دعوني منكم فوالله لولا هذه لتمندل بنا أبناء الملوك" الواحد لا بد أن يأكل، أولاده لا بد أن يلبسوا، لا بد أن يسكن فلا بد من غنى، لا بد من هذا ولذلك نبينا e كان يتعوذ من الفقر. وجاء عن عليّ رضي الله عنه من طرق أنه قال: "لو كان الفقر رجلا لقتلته". ولذلك هنا كانوا قد أغنوا أنفسهم بشيء من المال عندهم, فقال هذا الرجل العالم منهم (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) الوَرِق: الفضة سواء كانت مصكوكة أو تِبْر إلى الآن لم تصك (بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) والأزكى في الطعام هو ما يشمل أمرين:

# أما الأول فهو أن يكون حلالا زكيًّا من جهة أنه حِـلٌّ لمن أراد أن يطعمه

# وأما الثاني هو أن يكون طيبًا مستساغـًا لمن أراد أن يطعمه

والثاني هذا دليل على أن المؤمن لا بأس عليه أن يأكل ما طاب له من هذه الدنيا إذا كان تأكد من الأمر الأول وهو الحِل. فإذا كان حلالاً فلا بأس أن يطعم من الطعام وإن كان طيبـًا، وإن كان لذيذًا، وإن كان لخاصة من الناس فلا بأس عليه بذلك. وقد أكل رسول الله e من الطعام كله من أفخره ومن أدناه، وكذلك أكل صحابة رسول الله e من هذا وذاك، وكذلك الأئمة من بعدهم. فإذا تيقن المرء أنه حلّ فلا بأس عليه أن يطعم منه فالزكاة هنا تشمل أمرين هما ما ذكرت لك.

قال (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ) وهنا حسن عبارة وحسن اختيار للضمائر وهذا من أهم ما يكون للعقلاء وطلاب العلم من الناس. فإنه قال (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) ولم يقل فليأتنا برزق منه لأنه كأنه آثر من معه من صحبته فإنما هو حرص على الطعام لا من أجل نفسه وإنما من أجل من كان معه وهذا من تمام حسن المصاحبة (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ). قال (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي ليأخذ الأمر بشيء من الخفية اللطيفة، حتى لا يتبين وينفضح أمركم. (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) هذا اللطف الخفي أهميته أن لا يشعر أحدًا بحالكم وبمكانكم حتى لا يعتدون عليهم ويكون ذلك سببًا في ردهم إلى دين أبائهم وأجدادهم. وقد قال جمع من أهل العلم أن التاء في قوله (وَلْيَتَلَطَّفْ) هي نصف القرآن وخالف في ذلك ابن عطية رحمه الله، والأمر يسير إنما هذه من مُلَـح العلم كما يقال فإن كان هكذا فهي وإلا فيكون غيرها والأمر راجع إلى أهل عدِّ آيات القرآن وأحرف القرآن فما أثبتوه فهو المثبت ولا أدري هل هذا هو الراجح أو غيره من أقوال أهل العلم.

(إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) هذا من باب التعليل للأمر الذي أمر به وهذا ينبغي أن يكون من أهل الفضل والعلم والرئاسة حينما يأمرون من كان معهم من الزملاء والصحبة إذا كان الأمر يحتاج إلى تعليل وهذا هو غالب الأمور تأمر ابنك بأمر فعلّل تنهاه عن نهي، علّل، حتى يفهم لـِمَ تأمر ولـِمَ تنهى، أما ترك الأمور بلا تعليل يجعل من ذاك المتربي يطيعك في حال صغره وفي حال بساطة ذهنه وإدراكاته، أما إذا كبر قليلاً فإنه لا يسمع منك لأنه لا يدري لـِمَ أمرت ولا يدري لـِمَ نهيت وطريقة القرآن في أكثر أوامره ونواهيه أن يعلل. ولذلك هنا لما أمر هذا الرجل العاقل من بينهم أمر زملاءه وصحبته علّل لِمَ هذا الأمر فقال (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) إن يظهروا على أخباركم وعلى مكانكم وأنكم ما زلتم هنا (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) وهذا أبشع أنواع القتل وهو إشارة إلى ما بين هؤلاء العُبّاد للأوثان وما بين أولئك العُبّاد للرحمن من العداوة والبغضاء بينهم أن الأمر يصل إلى أن يرجموهم بالحجارة وليس أن يقتلوهم أي قتلة. (يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) وهذه في قوله سبحانه (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) عائدة إلى (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) وليست عائدة إلى الجملتين معًا. فإنهم إن قتلوهم رجمًا بالحجارة فإنهم قد أفلحوا لأنهم ماتوا شهداء، وإن كان العاقل لا يريد لنفسه هذه الميتة ولكن لو وقع ذلك في سبيل الله فلا بأس، وهي شهادة يحبها المؤمن لنفسه ولا يسعى لها - أن ينال من الميتة ما يكون على هذه الصورة - ولكن إن حصلت فخير ونور ورجاء أن ينال الشهادة بسببها. فقوله هنا سبحانه وتعالى (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) إنما مرتبط بالجملة الثانية (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) بمعنى أنهم إذا عادوا إلى ملتهم فلن يفلحوا إذاً أبدًا وليس عائدًا إلى قوله (يَرْجُمُوكُمْ) أيضًا.

قال بعد ذلك (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وهنا أيضًا تعليل من الله عزّ وجلّ ليبيّن لنا لِمَ الله أعثر هؤلاء الكفار على أولئك الفتية؟ لِمَ وجدوهم ووقفوا عليهم؟ قال سبحانه وتعالى (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وهو ما يتعلق بالبعث فإنهم قد تيقنوا أن هؤلاء الفتية عاشوا سنوات طوال في هذا الكهف وهم نيام. فإن الذي جرى لما ذهب هذا الفتى من بينهم ليشتري الطعام وأراد أن يخدم زملاءه وأن يتلطف بذلك انفضح أمره من دون أن يقصد هو هذا ولكن الله أراد بحكمة عليّة منه أن ينفضح أمر هؤلاء الفتية قال السلف في هذا: "أنهم علموا حالهم بواحد من اثنين:

# إما بالوَرِق الذي كان معه فإنه كان مصكوكًا باسم الملك الذي كان في زمنهم قبل ثلاث مائة سنة وازدادوا تسعا، فلما نظروا إلى هذه الفضة مصكوكة بصورة وتوقيع ذاك الملك علموا أن هؤلاء هم الفتية الذي كان الناس يتحدثون عنهم فكان الناس يتحدثون عن فتية ذهبوا واختفوا وهؤلاء القوم ممن آمن أي القوم الذين جاء إليهم هذا الفتى ليشتري الطعام كان الله عزّ وجلّ قد هداهم فلما دخل عليهم هذا الفتى وأخرج تلك الوَرِق التي معه وعلموا أنهم فتية كانوا قديمًا آمنوا وأن ذاك الملك كان يطاردهم فكانوا يريدون أن يتشرفوا وأن يرفع الله قدرهم بصحبة هؤلاء الشباب الذين منّ الله عزّ وجلّ عليهم بالهداية في وقت شدّة الكفر فلما اطلعوا على حالهم إما من خلال هذا الورق أنه قد صكّ قديماً

# وإما قالوا بأن الفتى حينما طلب الطعام قالوا أن الفتى حينما طلب الطعام كان قد طلب أنواعًا من الطعام كانت موجودة في ذاك الزمن وليست موجودة في الزمن الذي طلبه، فكان يبحث عنها ويسأل فتعجب الناس إنما هذا كان من خبر ذاك الملك الذي أهلكه الله عزّ وجلّ وأبدل الناس بخير منه. 

المقصود أن القرآن أشار إلى أنهم وقفوا على حالهم بقوله (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) كيف عثروا عليهم؟ السلف تكلموا في هذا، أيها الراجح؟ العلم عند الله وإن كان القول بأن الوَرِق كانت هي الدليل عليهم كأنها أقرب إلى ما يناسب ذكر الله عزّ وجلّ بالنص على هذا – على الوَرِق – فإن النص عليه له دلالة، وقد تكون هذه الدلالة هي أنها سبب معرفة أولئك القوم بحال هؤلاء الفتية.

قال (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) أي ليزدادوا يقينًا هؤلاء الفتية والقوم معًا بأن وعد الله حق أي أن قدرة الله على البعث حق لا شك فيها ولا ريب، والمؤمن وإن كان مؤمنًا بالبعث إلا أن ما يراه من أحوال الخلق تزيده إيمانًا بهذا البعث وهذا مما ينبغي أن يتنبه إليه كل مؤمن يريد أن يزداد إيمانًا، فإنه يحتاج أن يزداد يقينًا بالبعث يومًا بعد يوم بل وساعة بعد ساعة فمتى ما شعر أن إيمانه بالبعث قلّ فليذهب إلى المقابر ليزداد اليقين، فلينظر في الخلق ليزداد اليقين، فلينظر في خلقته في خلقة الكون من حوله. المقصود أنه لا بد أن ينظر في حالٍ تزداد فيها درجات إيمانه بالبعث وأن لا يترك ذلك إلى عوادي السنين فإن عوادي السنين على القلب تجعل القلب مما يورثه غفلة، فلا يتذكر البعث كما يريده الله وإنما يوقن به بذهنه مع عدم حراك ذلك في قلبه والإيمان ليس بالذهن، الإيمان ليس بيقين العقل وإنما الإيمان بما يقرُّ في القلب فإذا كان ذهنيًّا من دون أن ينزل إلى قلب المؤمن فإن هذا حجة عليه لا له، فإذا نزل إلى قلبه كان حجة له لا عليه. 

قال الله عزّ وجلّ بعد ذلك (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) هؤلاء الذين لقوا الفتية كان في قلبهم محبة لأهل الإيمان ولكن كان فيهم جهل بسبب بُعد نور النبوة عنهم، فهم وجدوا هؤلاء الفتية فأرادوا أن يكرموهم وأن يرفعوا من أقدارهم لِما أظهر الله من الآيات على أيديهم فتنازعوا بينهم أمرهم (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا) ماذا نفعل بهؤلاء؟ منهم من قال دعوهم في كهفهم كما أراد الله عزّ وجلّ لهم. ومنهم من قال لا، خذوهم فاقبروهم بمقابر الناس. ومنهم من قال لا، أبنوا عليهم بنيانًا تعظيمًا لهؤلاء. وهذا يدلك على أن المؤمن إذا كان جاهلا فإن جهله قد يرديه، فإن هؤلاء سلكوا سبيلاً من سبل الشرك والكفر بالله عزّ وجلّ بسبب تعظيم هذه القبور والأضرحة ببناء هذه الأضرحة على أولئك الفتية ولكنهم غلبوا كانوا أكثر وأقوى، وكأن الملك كان معهم في هذا. فقال الله عزّ وجلّ (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) فهم حينما اختلفوا اختلفوا في ما ذكرت لك منهم من يقول اتركوهم في كهفهم، ومنهم من يقول اقبروهم كالناس، ومنهم من يقول ابنوا عليهم بنيانًا صكوا عليهم هذا الكهف، ابنوا عليهم بنيانًا معينًا واتركوهم، قالت تلك الفئة الغالبة على أمرها لا، (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) نبني عليهم معبدًا نعبد الله U عنده فهؤلاء هم ينتسبون للإسلام ويؤمنون بأن الله U واحد ولكن الشيطان ركب عليهم بسبب جهلهم فدلّهم على هذا، أن يبنوا المسجد على قبور أولئك الفتية (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا). وطبعًا هذه الوسيلة كانت في بدايتها إنما هي من أجل طاعة الله، بمعنى أن الشيطان لم يأتهم ويقول ابنوا عليهم هذه الأضرحة وتلك المباني زينة، لا، أو يقول ابنوها من أجل الذكرى، لا، وإنما من أجل أن تتذكروا عبادة أولئك الفتية لله فتعبدوا الله عزّ وجلّ عندها بسبب هذه الذكرى. فدخل عليهم من هذا الموطن، من موطن محبتهم لله وعبادتهم لله، ولكن الجهل مصيبة ولذلك وقعوا في مثل هذا. ونبينا e في الأحاديث الصحيحة المتواترة عنه نهى عن البناء على القبور، بل أمر عليـًّا كما صح في صحيح مسلم قال له: لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته أي قبر يكون بنيانه زائد فانقضه واهدمه وتقرّب إلى الله U بتسويته. وهذا هو الواجب على كل القبور أيّاً كانت هذه القبور وإنما تترك بعض القبور من أجل المصلحة فقط لا من أجل أن الله أقرها هكذا، فإن الوحي نزل على نبينا e بهذا سواء كان هذا القبر هو قبره e أو قبور أصحابه أو قبور الأولياء والصالحين فإن الواجب هي أن تهدم هذه المباني على تلك القبور وألا ترفع وألا تكون مساجد. وقد قال النبي e وهو يدعو ربه في آخر أيام حياته صلوات ربي وسلامه عليه: "اللهم لا تجعل قبري وثنـًا يُعبد". ولذلك حينما تقر بعض المباني على بعض القبور ليس من أجل أنها مشروعة، أبدًا، وإنما لأجل مصلحة أعظم فتدافعت عندنا مفسدتان فدُفعت المفسدة الأكبر بالمفسدة الأصغر من أجل هذا فقط.

قال بعد ذلك I (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) سيقولون ثلاثة هذه السين إنما جاءت من هنا لبيان حال الناس، الناس لا يسكتون عما ينفعهم وعما لا ينفعهم، سيتحدثون في كل شيء فقال الله مخبرًا عن حالهم (سَيَقُولُونَ) لا بد أن يتكلموا هؤلاء (ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) إذا كانوا ثلاثة ورابعهم كلبهم ماذا استفدتم؟ لا شيء، ولكن هكذا الناس يحرصون على أن يعرفوا تفاصيل الأمور وهذا ليس بعيب وتنبّه لذلك!! ولذا أذن بالإسرائيليات عندنا في شرعنا إذا لم تخالف ما ثبت عن نبينا e، ولكن لا تكون هي هم وديدن أهل العلم والفضل وإنما تذكر هكذا مُلح في أثناء الحديث فقالوا هنا (ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ). ثم قال I بعد ذلك (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) فعقّب الثلاثة والرابع الكلب وكذلك الخمسة والسادس الكلب بقوله (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) فدلّ على أن ذلك إنما هو من قبيل الرجم الذي لا يصح. ثم قال (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) في هذه الجملة اختلف الأمر عما قبله من جهتين:

# أما الأولى فهي أن الله U جاء بالواو هنا في قوله (وَيَقُولُونَ) وهذه الواو على الصحيح من أقوال النحاة أنها تسمى بالواو الحالية، وهي حال لمبتدأ محذوف وإن كان نكرة إلا أن مسوّغ الابتداء بالنكرة موجود هنا. فهي على الأصح من أقوال المعربين هي [الواو الحالية] ويقرب من الصحة هنا أن تكون هي [واو الصفة]. وسواء كانت هي (الواو الحالية) أو (واو الصفة) هي فائدتها من جهة البلاغة واحدة لا فرق بينهما وهي التأكيد على صحة الحال أو الصفة سيّان هذا أو ذاك, فجاءت الواو هنا لتفيد أن ما بعدها أقرب إلى الحق مما قبلها.

# وأما الأمر الثاني فهو أن الله عزّ وجلّ لم يعقب هذه الجملة بقوله (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) فقال (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) فمنازل العلم هنا ثلاث:

- المنزلة الأولى وهي منزلة أهل الجهل وهم من يتكلمون رجمًا بالغيب

- المنزلة الثانية وهم من يتكلمون بغلبة الظنّ أي يبنون كلامهم على ظن غالب، على قرائن، وهذا جائز في العلم.

- والمنزلة الثالثة هي من يبني علمه على يقين وقد ذكرها الله U في هذه الآية.

فالمنزلة الأولى مذمومة، والثانية مباحة وقد تكون ممدوحة إن لم يأتي يقين أقوى منها فإن من شرع الله عزّ وجلّ في ديننا أن نعمل بغلبة الظن، وأما الثالثة فهي الممدوحة بإطلاق وهي العمل باليقين ما دام أمكن ذلك.

قال الله عزّ وجلّ (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) وهذا هو الأقرب في عدتهم كما قاله ابن عباس قال: "أنا ممن يعلم عدتهم، هم سبعة وثامنهم كلبهم" وسبب ذلك هو ما ذكرت لك من القرائن. ثم قال (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) وهذا هو درجة اليقين، إذا كنت لا تعلم يقينـًا عن عدتهم فقل ربي أعلم بعدتهم (مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فإن بدا لأحد علم فليتكلم، ما بدا له فليُحِل العلم إلى الله فهذه درجة اليقين ولذا قال أهل العلم: "من قال لا أدري فقد أفتى" نعم أفتيت، فتياك أن تقول لا أدري فهذا هو حيز الأمان الذي لا تخرج منه إلا بيقين كامل أو بغلبة ظنّ ظاهرة. قال بعد ذلك (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا) وهنا الله Uيأمر نبيه e بأمرين:

# أما الأول: فهو أنك لا تماري فيهم إلا مراء ظاهرًا (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا) ومعنى المراء الظاهر أي مراء ظاهر في حجته وبراهينه حينما تماري لا تماري إلا في أمر عندك فيه برهان ظاهر واضح فلا تتكلم بأدنى برهان ولا تستدل بأقل ما يكون من الحجة، لا, إنما إذا أردت أن تجادل وتماري فلا بأس ولكن هذا الجدال إنما يكون بالدليل الظاهر هذا الذي أذن الله U به حينما قال (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ) لا تماري في هؤلاء الفتية، أولئك القوم من كفار مكة لا تماري فيهم إلا مراء ظاهرًا، إذا كان عندك حجة ظاهرة فتكلم.

# الأمر الثاني: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا) أي أنك لا تسأل جاهلاً، فإن سؤال الجاهل ليس عذرًا لك عند ربك فإنما تعذر إذا سألت عالمًا سواءً أصاب أو أخطأ (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء:7)..

أما سؤال الجاهل كما يفعل بعض الناس يمشي في الحرم فتحدث له أي قضية فيمسك أي واحد ملتحي أو عليه سيماء الخير (السلام عليكم لو سمحت سؤال) فيسأله، وكيف سألت هذا؟! من أجل مظهره فقط سألت؟! لا تُعْذَر أبدًا لا إن أصاب أو إن أخطأ إنما تسأل من تعرف أنه من أهل العلم، أما أن تسأل من لا تدري أنه من أهل العلم من تجهل أنت حاله أو تعلم جهله، في هذين الحالين لا يجوز لك أن تسأله عن دين الله عزّ وجلّ كما أنك لن تسأل جاهلاً في أي أمر من أمور الدنيا فكذلك لا تسأل من تجهل حاله في أي أمر من أمور الآخرة فإنه من باب أولى. فنهي النبي e أن يسأل كفار مكة وأن يسأل اليهود وأن يسأل النصارى عن مثل هذا (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا) لأنهم من أهل الجهل.

(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا # إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا). هنا جاء التنبيه للنبي e لما أخطأ حينما قال لكفار مكة حرصًا على الدعوة أنا آتيكم بجواب ما سألتم في المسائل الثلاث غدًا فأخر الله الجواب ثم جاء العتب هنا (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) أبدًا (لشيء) وشيء هنا نكرة من أجل العموم (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) أي لأدنى شيء صغر أو كبر لا تقولن سأشرب هذا الماء أو تقولن سأرفع هذه الورقة أو أحرك يدي أو أتكلم، لا تقل في صغير من الأمر فضلا عن جليل إلا أن تعقب ذلك بـ (إن شاء الله)، بمشيئة الله، إذا أذن الله (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا # إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ) لا بد لك من ذلك. والمقصود هنا ما يقع في الغد يعني في الزمن المستقبل لا ما وقع في الماضي، فبعض الناس عجيب يعني مثلا قد توضأ وجاء إلى الصلاة تقول له أنت على وضوء؟ يقول لك إن شاء الله، لا هذا ليس من قبيل هذا. إن شاء الله هذا في ما تأكدت من فعله لا يصلح هنا بمعنى التعليق، إلا إن أردت إن شاء الله تحقيقًا فهذا أمر آخر لكن لفظة "إن شاء الله" التي جاءت هنا إنما يراد بها ما سيقع، أما ما وقع وتيقنت من وقوعه كأن يسألك أحدهم مثلا عن فلان من الناس كيف حاله؟ حي أو متوفي تقول والله إن شاء الله أنه ميت، مات وانتهى ما تقول إن شاء الله إنه ميت فما ينبغي أن يستخدم هذا، ليس هذا من الكلام العربي الفصيح وإن كان له وجه إذا أردنا أن نبرر على طريقة أهل العربية.

قال بعد ذلك (إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ). هنا الله عزّ وجلّ يعاتب عتابـًا جميلاً لطيفـًا نبيه صلوات ربي وسلامه عليه فبعد أن بين له قال (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أنت نسيت أن تقول إن شاء الله فمقابل هذا النسيان أن تذكر الله مقابل ما نسيت، فهنا بحاجة إلى زيادة في الذكر مقابل ما حصل من النقص حين النسيان، فإذا مرّ الواحد منا بحال عصى الله عزّ وجلّ فيه فلا بد أن يقابل هذه المعصية بالحسنات (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (هـود، الآية 114)). إذا جاءتك فترة وقلبك قاسٍ عن ذكر الله فمباشرة إذا تذكرت وأنبت أذكر الله عزّ وجلّ بقدر ما يعـوّض ذاك النقص الذي كان في حال غفلتك، إذا تركت قيام الليل مدة من الزمن عـوّض هذا القيام فيما تستقبل من أيامك، كنت تصوم تركت صيام النفل فتذكرت وأردت أن تصوم عـوّض ما فات، فإن هذا من صنع أهل الإيمان وأهل العلم بالرحمن. وهذا الذي أمر الله U به نبيه e (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) كما نسيت أذكر ربك مقابل ذلك (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) أي أدعو الله عزّ وجلّ في مستقبل أيامك أن يكون حالك خيرًا مما كان قبل ذلك ولذا قال هنا (أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) أقرب من هذا راجعة إلى وعده e للكفار من دون تعليق ذلك بالمشيئة فيقول الله عزّ وجلّ أدع ربك أن يكون حالك من المعرفة بما ينبغي لله أكثر مما كان سابقـًا، تكون أقرب إلى معرفة حق الله وإلى معرفة كمال الأدب مع الله، أدعو الله أن يهديك وأن يزيدك من الإيمان والعلم بالله عزّ وجلّ وكل أحد من الخلق ما زال يحتاج يومـًا بعد يوم إلى مزيد معرفة بربه العلىِّ الجليل الجميل سبحانه وتعالى.

(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) هنا الله عزّ وجلّ أراد أن يريح الناس من هذا الجدال الذي طال في الكتب السماوية قبل تنزّل هذه السورة والناس يختلفون كم مكثوا فأراد الله أن يعطيهم علمـًا بهذا الأمر ويخبرهم أن الله عليم بهذا جلّ وعلا لا يخفى عليه شيء وإن كان ليس مما ينفع الناس نفعًا يتعلق بدينهم وإنما هي زيادة في العلم مَنْ علمها زاد شيئًا من الكمال في علمه، ومن جهله لم ينقص ذلك من قدره شيئًا. قال I (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) أي ثلاث مئة سنة ثم قال (وَازْدَادُوا تِسْعًا) أي ثلاث مئة سنة وتسع سنوات وقد اختلف أهل البلاغة في سبب هذا التركيب لهذا العدد، فإن الله عزّ وجلّ كان قادرًا سبحانه وتعالى أن يقول ( لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنة وتسع سنوات أو ثلاث مائة وتسع سنوات) وهذا أيسر في التركيب ولا شك، فلِمَ قال (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) اختلف أهل البلاغة في هذا كثيرًا وأقرب الأقوال - وإن كان ليس بالمحرر- ولكنه قريب مما يبدو من سياق الآية أن الله عزّ وجلّ أراد أن يشير إلى السنوات القمرية والسنوات الشمسية فإن بين كل سنة شمسية وسنة قمرية مدة من الزمن، فكلما مضت ثلاث وثلاثون سنة قمرية ازدادت سنة شمسية, بمعنى أنه كل أربع وثلاثين سنة قمرية يكون مقابل ذلك ثلاث وثلاثين سنة شمسية، فالسنة الشمسية أزود من السنة القمرية فلذلك أراد الله عزّ وجلّ - ولو حسبتها ستجد هذا - أراد الله عزّ وجلّ إن صحّ ذلك أن ينبه إلى هذين النوعين من الحساب. فالسنة إذا أردت أن تحسبها بالسنة القمرية ستكون ثلاث مائة وتسعة وإذا أردت أن تحسبها بالسنة الشمسية ستكون ثلاث مائة سنة, وهذا ذكره جمع من أهل العلم وهو قريب ليس بالبعيد.

قال بعد ذلك I (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) هذه من صيغ المبالغة، وهي صيغة تعجب ومبالغة بمعنى (أَبْصِرْ بِهِ) أي ما أبصره وما أسمعه!، والمراد هنا أن الله U كامل العلم والبصر والسمع، فله من هذه الصفات أكملها وأجلّها لا يحتفّ بها أي نقص بوجه من الوجوه.

(أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) ما لهؤلاء مع الله U من ولي ناصر لهم ولا يشرك سبحانه وتعالى في حكمه حينما يريد أن يحكم بأمر قدري أو بأمر شرعي لا يشرك سبحانه وتعالى في حكمه أحدًا، وهذه الآية من الآيات التي أطال فيها الإمام الشنقيطي في أضواء البيان في إثبات أن الحكم لا يكون إلا لله، وأن من حكّم غير شرع الله وكان ذلك ديدنـًا له فإن هذا من أمارات كفره وخروجه من الملّة. ومن أراد العودة إلى كلامه فلينظره في أضواء البيان.

قال بعد ذلك (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أمر الله عزّ وجلّ نبيه e أن يعود إلى الكتاب فقال (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) كلماته لا مبدّل لها إلا إن أراد الله U أن ينسخ حكمـًا بحكم فهذا أمر راجع إليه وهو منه وإليه I لا تبديل لأحد لما أثبته هو جلّ وعلا، وإنما الله ينسخ ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.

قال بعد ذلك (وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) ملتحدًا بمعنى ملجأ فلن يجد أحد من الناس أبدًا كائنًا من كان لا ملك ولا رئيس ولا قاهر ولا غني ولا تاجر ولا ضعيف ولا فقير ولا امرأة ولا رجل ولا صغير ولا كبير ولا حيوان ولا نبات ولا حجر ولا جماد لن يجد كل الخلق من دون الله ملتحدًا، كلهم لاجئون ملتجئون صامدون إليه سبحانه وتعالى وكما قال في الآية في سورة الإخلاص (اللَّهُ الصَّمَدُ) أي الذي تصمد إليه الخلائق جميعًا.

قال بعد ذلك (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وقد ذكرت لك أن الفتنة الأولى هي فتنة الدين وهذا أوان ذكر مفتاح النجاة من فتنة الدين فمفتاح النجاة من فتنة الدين هي بالصحبة الصالحة  سواءً كان هذا الذي يطمع في النجاة من أهل العلم، من أهل الدعوة، من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواءً كان من الأفاضل والأخيار، من أهل الصيام والقيام، سواءً كان من عامة الناس، سواءً كان رئيسًا كبيرًا عاقلا زكيًّا مفكرًا عبقريًّا أيًّا كان فلا أحد ينجو إلا بهذا المفتاح. ولذلك أمر الله عزّ وجلّ به نبيه e فلما جاءت فتنة الدين جاء في ختام هذه الفتنة أن قال الله سبحانه وتعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) أنت يا محمد اللهم صلِّ وسلّم عليه، أنت اصبر نفسك (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) فالذي يحتاج إلى هؤلاء هو e وهذا يبيّن لك أن ما يزعمه البعض من أنه ما يحتاج، هو الآن قد تعلّم ووثق بنفسه وأصبح داعية ومؤثرًا في الناس لا خوف عليه أن يندرج في أي مجموعة كانت مع أي صحبة هي على ما هي عليه ليس هذا بصحيح بل هو من أعظم مزالق الشيطان للإنسان. فمهما بلغ الإنسان أن يبلغ أن يكون في درجة سيد ولد عدنان e ومع ذلك يقول الله عزّ وجلّ له إذا أردت أن تنجو من هذه الفتن (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) يا محمد (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) فهذا هو المأمور صلوات ربي وسلامه عليه (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) الغداة هي أول النهار، والعشي هي آخر النهار (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) وهذا هو المقصود. فأي فئة تكون معها سواءً كان في العلم أو في العمل أو كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتبه لا تغترّ بنوع الفئة فإن من الناس من يكون ظاهره العلم، ظاهره الدعوة، ظاهره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظاهره النفقة والصدقة على الأيتام والمساكين، ظاهره الإصلاح بين الناس ولكن لا يريد بذلك وجه الله، قد يجلس هنا يُعلّم والناس يسألونه ويفتيهم ويدرِّسهم ثم تعلم من حاله أنه لا يريد وجه الله، قد تخرج أنت وإياه في دين ولأجل الدين فيما يظهر من الحال وهو لا يريد ولا يبتغي وجه الله، فانتبه!! فإنما الذي تصاحبه وتكون أنت وإياه وترضاه لنفسك خليلا وصاحبًا وحبيبًا هو من علمت أنه إنما يريد بصحبته وبعمله وجه الله، فقال الله عزّ وجلّ (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) إياك ثم إياك أن تنظر في زينة الدنيا وقصورها وزينتها وأموالها وجاهها وأهل الفخر فيها لا تنظر إلى ذلك كله وإنما انظر إلى من يعينك على عبادة ربك (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). فكل من ترك صحبة الأخيار الأفاضل ممن يعينه على طاعة الله مع إخلاص النية فإن مآله إلى هذه الأمور الثلاث: أن يغفل الله قلبه، وأن يجعل الهوى والشهوة هي التي تتحكم فيه، ثم يكون مآله فُرُطـًا في الدنيا وفُرُطـًا في الآخرة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل