سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة إبراهيم

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة إبراهيم

بين يدي السورة:

سورة إبراهيم سورة مكية بحثت في جانب آخر من جوانب العقيدة وذُكِرت فيها قصة إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء وأبي الأنبياء واهتمت السورة بقضية دعوة الرسل.

اسم السورة:

سميت سورة إبراهيم بهذا الاسم لاشتمالها على جزء من قصة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام ودعائه الله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام وأن يرزق زوجته وابنه اسماعيل الذين أسكنهما في مكة من الثمرات وأن يجعله هو وذريته مقيمي الصلاة.

ما ورد فيها من الحديث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رُطَب فقال: مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال: هي النخلة. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار قال: هي الحنظل. وهو صحيح موقوفًا.

وعن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) قال: في القبر إذا قيل له من ربك وما دينك ومن نبيك؟

وعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) لم يبعث الله نبيًا إلا بلغة قومه، قال قتادة: إن كان عربيًا فعربيًا وإن كان أعجميًا فعجميًا وإن ان سريانيًا فسريانيًا ليبيّن لهم الذي أرسل الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أنا أول الناس سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿٤٨﴾) قلت أين يكون الناس يومئذ؟ قال: على الصراط.

مناسبة السورة لما قبلها:

هذه السورة امتداد لما ذكر في سورة الرعد وتوضيح لما أُجمل فيها فكلٌ منهما تحدث عن القرآن ففي سورة الرعد ذكر تعالى أنه أنزل القرآن حكمًا عربيًا وهنا في سورة إبراهيم صرّح بحكمة ذلك والغاية من تنزيل القرآن وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله، قال تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿١﴾).

وكلٌ من السورتين ذكر فيها تفويض إنزال المعجزات والآيات إلى الله وبإذنه قال تعالى في سورة الرعد (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) وفي سورة إبراهيم ذكر ذلك على لسان الرسل (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

وفي كِلا السورتين ذُكرت الآيات الكونية من رفع السماء ومدّ الأرض وتسخير الشمس والقمر وجعل الرواسي في الأرض وخلق الثمرات المختلفة الطعوم والألوان.

وتعرّضت السورتان لإثبات البعث وضرب الأمثال للحق والباطل والكلام على مكر الكفار ومكرهم وعاقبتهم والأمر بالتوكل على الله تعالى.

إجمال مواضيع السورة:

افتتحت السورة بذكر الغاية التي أُنزل الكتاب من أجلها، إنه أُنزل لإنقاذ البشرية من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الإيمان. والإيمان بالله نور يشرق في القلب فيشرق به الكيان البشري المركب من الطين ومن نفخة روح الله فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة. والإيمان بالله نور تشرق به النفس فترى الطريق واضحة إلى الله لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب ومتى أخذ القرآن مأخذه من النفس سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار فمن آمن بهذا القرآن قطف ثمار إيمانه في الدنيا والآخرة.

ثم يمضي السياق إلى تهديد الكافرين وينذرهم بالويل من عذاب شديد جزاء كفرهم هذه النعمة، نعمة إرسال الرسول بالكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور وهي النعمة التي لا يقوم لها شكر إنسان فكيف بالكفران؟!. ثم وصف الله هؤلاء الكافرين بصفات ثلاث: إنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا لأن تكاليف الإيمان تصطدم مع غاياتهم فلا يصلون إليها في ظل الإيمان فالحل عندهم فضّ الناس عن الاستقامة ليصلوا إلى مآربهم مع أن الحجة قامت عليهم بإرسال الرسل الذين بلّغوهم منهج الله عز وجلّ وكلّموهم بلغتم التي يفهموها ليتبين لهم الأمر واضحًا جليًا ولتقوم عليهم حجة الله عز وجلّ.

(الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿١﴾ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿٣﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤﴾)

وبعد أن بين الله سبحانه أنه أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وأن هذا الإرسال نعمة له ولقومه أتبع ذلك بذكر قصص بعض الأنبياء وتفضيل ما لاقوه من أقوامهم من شديد الأذى والتمرد والعناد لما في ذلك من التسلية له صلى الله عليه وسلم وجميل التأسي بهم وبيان أن المقصود ببعثة الرسل واحد هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور فكما جاء الخطاب في أول السورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الكتاب أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور فكذلك جاء التعبير نفسه لموسى عليهم السلام حيث قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وراح موسى عليه السلام يؤدي رسالته ويذكّر قومه، يذكّرهم بنعمة الله عليهم، نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون وصار موسى يذكّرهم بأيام الله وهي أيام منها ما كان محنة وبلاء ومنها ما كان نعمة وخيرا ويخبرهم بأن النعمة لا بد من شكرها حتى تستمر وإلا تنقطع وتذهب أدراج الرياح.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٥﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٦﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٨﴾)

ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه ولكنه يتوارى عن المشهد لتبرز المعركة الكبرى أمة الأنبياء والكفرة المكذبين بالرسل والرسالات وهذا من بدائع الأداء القرآني، إنه إحياء المشاهد ونقلها من حكاية تروى إلى مشهد مسموع مرئي تتحرك فيه الشخوص وتتجلي فيه السمات والانفعالات حيث يرى القارئ لسورة إبراهيم عليه السلام من خلال الحوار الذي سجلته هذه السورة الجليلة أن الكلام من طرف أعداء الرسل ومكذبيهم مليء بالغطرسة والتكبر والعناد والبعد عن المنطق والمعقولية وخلو الكلام من دليل علمي وتعليل منطقي مقبول بينما يرى في حديث الرسل الكرام مع أقوامهم وفرة العقل والحكمة والدليل على صدق القول وكذلك يلاحظ الحرص منهم صلوات الله عليهم جميعًا على هداية الخلق وإصلاح شأنهم مع الله عز وجلّ ومع الحياة إن لسان حالهم يقول للمدعوين: ألا تتوجهون إلى فاطر السموات والأرض الذي أسبغ عليكم نعمه الظاهرة والباطنة والذي أرسلنا إليكم لنخرجكم من الظلمات إلى النور ألا تتوجهون إليه بالطاعة والعبادة؟! فيجيبهم هؤلاء المتكبرون الجهلة (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) إنهم لا يعبأون بهذه السموات وهذه الأراضين ولا يعبأون بأيّ شيء حولهم يدلّهم على الله تعالى إنما همّهم المحافظة على ميراث آبائهم المليء بالضلالات والترّهات.

وبعد أن يذكر السياق القرآني في سورة إبراهيم الحوار الذي دار بين الرسل وأقوامهم والحجج التي أدلى بها الرسل وقد كان فيها المقنع لمن أراد الله له الهداية والتوفيق ومن كان له قلب يعي به الحكمة وفصل الخطاب ذكر بعد ذلك أن الرسل لما أفحموا أقوامهم لم يجد الكفرة وسيلة إلا استعمال القوة مع أنبيائهم كما هو دأب المحجوج المغلوب في الخصومة فخيّروا رسلهم بين أحد أمرين: إما الخروج من الديار وإما الملة التي عليها الآباء والأجداد فالكفر لا يستطيع التعايش مع الإسلام لأن نور الإيمان يطفئ ظلمته ويلغي وجوده ونور الإيمان ينتشر مهما تكاثفت الحجب وعلت الأسوار لأن الإنسان ابن فطرته التي تعرف الله وتؤمن به فما الحل إذن؟ إنه استعمال القوة والإكراه على ترك المعتقد أو القتل والإيذاء عندها تتدخل القدرة الإلهية لتعمل سنة الله عملها فيوحي الله إلى أنبيائه أن العاقبة لكم وأن الدائرة على أعدائكم. ثم يذكر الله سبحانه وتعالى سبب نصره أولياءه على أعدائه (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴿١٤﴾ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿١٥﴾ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴿١٧﴾)

ثم يتابع السياق القرآني رحلته ليبين لنا حكم أعمال الكافرين التي كان فيها خير، إنه يشبهها برماد أطارته الريح في يوم عاصف لا ينفعهم شيء وإن يوم حسابهم آت لا محالة وإن الذي أنشأ السموات والأرض بلا معين ولا ظهير قادر على أن يفنيهم ويأتي بخلق سواهم وما ذلك على الله بعزيز.

ثم بعد ذلك نرقى إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير القرآن فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين ولقد خاب كل جبار عنيد وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا فالآن نجدهم هناك حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى رواية البشر ورسلها في المشهد الأخير وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين وبين الشيطان والجميع. إن الحوار بين الضعفاء والمستكبرين يفهم منه القارئ لسورة إبراهيم أن كلًا من الفريقين يحاول أن يجعل من الآخر سببًا في ضلاله ليبرر سقوطه في المهلكة والعذاب. وهنا يقف الشيطان خطيبًا متكلمًا يلقي خطبته المشهورة ليبرر لنفسه هو الآخر إنه لم يجبر الناس على الغواية إنه دعاهم إليها فقط وهو اليوم يتخلى عنهم ويكفر بهم فما أجدرها من آيات بالتفكر والقرآءة المستمرة فليقرأها أولئك الذين يتخذون الشيطان وليًا من دون الله عز وجلّ ولينظروا إلى إلههم الذي عبدوه من دون الله كيف يتخلى عنهم في أحرج الأوقات.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٩﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿٢٠﴾ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴿٢١﴾ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾)

ثم يضرب الله مثلًا يبين فيه حال الفريقين السعداء والأشقياء إنه مثل الكلمة الخبيثة والكلمة الطيبة ويوضح الفرق بين الفئتين وبه ألبس المعنويات لباس الحسيات ليكون أوقع في النفس وأتم لدى العقل. ثم يمضي السياق في بيان الأسباب التي أوصلت أهل الشقاء إلى شقائهم إنهم بدلوا نعمة الله كفًرا وأحلوا قومهم دار البوار وجعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله فليكن مصيرهم إلى النار. وقد تحدثت الآيات عن هؤلاء بأسلوب التعجب والإنكار لأن شأن الكفر عجيب إذ كل ما حوله يقول له: آمن بربك، اصطلح مع الله ولكن لا حياة لمن تنادي!!.

ثم يستطرد السياق إلى بيان نعم الله على البشر ويستعرضها في أضخم المشاهد الكونية البارزة من خلق السموات والأرض وإنزال الغيث من السماء وإنبات الثمر من الأرض وتسخير البحار والأنهار والشمس والقمر وإسباغ النعم التي لا تعد ولا تحصى. ثم تعرض الآيات نموذجًا لشكر النعمة متمثلا في شخصية إبراهيم عليه السلام الأواه المنيب إنه النموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر الذي يظلل سمته هذه السورة ويصوره السياق في مشهد خاشع داعيًا شاكرًا لربه سبحانه وتعالى

وتختم السورة بالحديث عن الكفار إنهم ليسوا متروكين عن غفلة ولا إهمال إنما يؤخرهم الله ليوم تشخص فيه الأبصار وأما وعد الله لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.

 

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٢٩﴾ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴿٣٠﴾ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴿٣١﴾ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ﴿٣٢﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴿٣٣﴾ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿٣٤﴾ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٦﴾ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿٣٨﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٩﴾ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴿٤١﴾ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴿٤٢﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل