بلاغة آية وحديث - الحلقة 43 - (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 43

الآية في هذه الحلقة هي قوله تعالى في الآية الرابعة والخمسين من سورة التوبة (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾) الآية تتحدث عن فئة بغيضة من فئات المجتمع المندسّة فيه وهي فئة المنافقين - عافانا الله وإياكم من النفاق وأهله – والنفاق هو إظهار أمر غير الذي يبطن ويعتقد، المنافق يظهر أمرًا ويخفي شيئا آخر ولذلك قالوا إن أصل الكلمة من النافوقاء وهو جحر اليربوع  لأنه في الأرض يحفر عدة أبواب جحر يدخل منه وآخر يختبئ فيه وآخر يخرج منه ومنها النافوقاء وهو اسم هذا الجحر فالمنافق يظهر شيئا ويخفي شيئا آخر. والعجيب أن المنافقين يظنون أنهم يخدعون الله والله خادعهم، يمكرون والله الذي يمكر بهم، هم مساكين هم أنفقوا لا نقول المتافقون مثل الكافرين لم ينفقوا، لا، المنافقون أنفقوا ومع ذلك لم تقبل منهم نفقاتهم والسبب قاله الله تعالى هنا (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) هم كفار هم منافقون لا يعتقدون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون بها وكفروا بالله سبحانه وتعالى لكن فرقهم عن الكفار أن الكافرين أعلنوا كفرهم وأما المنافقون فأخفوا كفرهم وأظهروا ما لا يخفون وهذا الفرق بينهم وبين الكفار ومع ذلك لم تقبل منهم نفقاتهم. الله مكر بهم حيث جعلهم ينفقون، في الواقع هم أنفقوا في الواقع قاموا وصلّ,ا في الظاهر مع الناس لكنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى يتكاسلون عن الصلاة ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر لأنها عادة تكون مخفية خاصة قبل الإنارة والكهرباء ونحو ذلك لا يُرون وهم همهم ليس الذي يراهم في السر والعلن، الله تعالى، هم همّهم الناس المسلمون أو الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يعاقبهم على تأخرهم عن الصلاة ولذلك الصلوات الظاهرة كالظهر والعصر والمغرب يأتونها أما صلاة العشاء والفجر يأتونها لكنهم يكرهون ويتثاقلون ولذلك قال (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى).

وهنا تعبير عجيب من بلاغة القرآن الكريم عندما قال (يَأْتُونَ الصَّلَاةَ) عبّر بالفعل المضارع مع أنهم أتوا وانتهوا حتى يستمر والله أعلم الزمن ونراه في كل منافقي كل عصر، كل المنفقين في كل عصر في كل مصر في كل مكان هم كذلك يأتون الصلاة ولكنهم كسالى، إذن هم يأتون ويأتون ويأتون، الفعل متجدد، فعل مضارع ولم يعبر بالماضي لم يقل وأتوا الصلاة ثم جاء التعبير بتعريف الطرفين التعريف في قوله تعالى (هم كسالى) جاءت بالتعبير عن طريق الجملة الاسمية والجملة الاسمية تدل على الاستمرار والدوام كأن الكسل -عافانا الله وإياكم- في الحضور للصلاة صف ملازمة للمنافقين مثلما نقول هم طوال، هم قصار أو هم بيض البشرة أو هم سمر البشرة، هم كسالى كأن هذه الصفة ملازمة لهم ملازمة الخلقة لهم كأنهم مخلوقون مجبولون على الكسل وقت الصلاة. ومثلها قوله تعالى (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) هنا يوجد إثبات ونفي وهنا تضاد عجيب ومقابلة في المعاني بليغ جدا، أثبت الله لهم النفقة ومنع منهم القبول قال (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) معنى الآية أنهم ينفقون حتى لو نفيت (لا ينفقون) استثنى وقال (إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) وأيضًأ التعبير بـ (هم) المبتدأ و (كارهون) الخبر يدل على أن كرههم للنفقة أمر ملازم لهم كملازمة الطول والقصر من صفات الإنسان يعني فلان الذي هو طويل هو دائمًا طويل والمنافق كارهٌ للنفقة هو دائمًا كارهٌ لها ولذلك المسألة ليست بالعمل البدني وإنما هي في عمل القلوب ليس العمل البدني اشترك فيه المنافق وغيره، كلهم صلّوا وكلهم قدموا نفقاتهم لكن عمل القلب يختلف وهنا المحك الحقيقي في أعمال القلوب عندما لم تقبل نفقات المنافقين لكفرهم بالله ورسوله ولكسلهم وقت الصلاة ولكرههم للنفقات وأما الآخرون فأنفقوا فقُبلت وصلّوا فقُبلت جعلنا الله وإياكم ممن تقبل صلواتهم وتقبل عند الله نفقاتهم.

بلاغة حديث

استكمال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في صحيح مسلم، في جزء منه قال صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى: "يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه فاستهدوني أَهْدِكم، يا عبادي! كلكم جائعٌ إلا من أطعمتُه فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوتُه فاستكسوني أكْسُكُم" هذه ثلاثة أمور ترتبت ترتيبًا منطقيًا قدّم الله في الحديث القدسي الأهم على المهم والمهم على الأقل أهمية مع أهمية الجميع. أول أمر مهم هو الهداية بعد الضلال، ولذلك قال الله يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه حتى الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴿٨﴾) حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لولا هداية الله لكان ضالًا، إذن هو صلى الله عليه وسلم يدخل في قول الله "يا عبادي"، كلنا بلا استثناء ضالون لكنهم استهدوني أهدكم، اللهم اهدنا، اللهم اهدنا، اللهم اهدنا. ولذلك جاء في سورة الفاتحة (اهدنا الصراط المستقيم) تتكرر هذه الكلمة سبع عشرة مرة. في ركعات الصلاة الفروضة على الأقل ذون النوافل ودون القرآءة خارج الصلاة. وفي الجملة الأخرى بعد الهداية من الضلال جاء الطعام لأن الإنسان الجائع لا يدري ماذا يفعل كما قال عليه الصلاة والسلام: وأعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع. الإنسان إذا نام وهو جائع، هذا بئس الضجيع. قال الله "كلكم جائعٌ إلا من أطعمتُه فاستطعموني أُطعمكم" لا تستطعموا فلان وفلانة، لا تطلبوا الرزق من عباد الله، افعلوا السبب لكن في الأصل استطعموني، اللهم ارزقنا. ولذلك لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أعظم دعاء يقوله الإنسان قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإنها تحيط بأمر الدنيا والآخرة، إذن طلب الرزق من الله وطلب الاستطعام من الله. ثم قال: " يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوتُه فاستكسوني أكْسُكُم" حتى الكسوة حتى اللباس لو لم ييسره الله سبحانه وتعالى لما تيسر والملاحظ بلاغيًا ما يذكره علماؤنا الأجلاء في بلاغة التكرار، كلمة "يا عبادي" تكررت في بداية الحديث "يا عبادي إني حرمت الظلم" ثم تكررت "يا عبادي كلكم ضال" ثم تكررت "يا عبادي كلكم جائع" ثم تكررت "يا عبادي كلكم عار" تكرار الكلمة يدل على أهميتها وأن الله في علاه يتحنن ويتلطف بالعباد فيناديهم بالنداء المحبب ويضيفهم إلى نفسه سبحانه وتعالى العلية الإلهية ويقول عبادي أنا الذي أملك فاطلبوني، أنا الذي استطيع فاسألوني، أنا الذي أقدر فلا تذهبوا إلى غيري، جعلني الله وإياكم من المتوكلين عليه. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل