نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 20

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

 (20)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية الرابعة من سورة المنافقون عن صفات المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فالآية في بيان صفات المنافقين؛ وهي أنهم لا يفقهون ولا يعقلون مع أن أجسامهم حسنة معجِبة، ولذلك شبههم بالخُشُب المسنّدة، فشبّه هيئة جلوسهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين على الجدار يتحدثون ويبدون الاستماع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شبّه هذه الهيئة بالخُشُب لأنها ذات جسم طويل بيّنٍ في الصورة لكنها خالية من العقل، بعيدة عن الفهم، ولتقارب شكلها مع شكل الإنسان شبّههم الله تعالى بها، ولم يشبههم بالحجارة لفارق الشبه بينهم.

وتأملوا وصف الخُشُب بقوله: ﴿مُّسَنَّدَةٌ﴾، لأن الخُشُب يمكن أن تفيد إذا سُقف بها المكان، لكنها إذا سُندت لم يستفد منها في تلك الحالة، والمنافقون مثل الخُشُب غير المفيدة، ثم إن تشبيههم بها في تلك الحالة إشارة إلى هيئة مقامهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أشرت إليها قبل قليل، بل ربما كانوا يقفون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين إلى الجدار دون جلوس لعدم حرصهم على الاطمئنان عند المصطفى عليه الصلاة والسلام.

أما وصف الخشب مع أنها جمع بقوله: ﴿مُّسَنَّدَةٌ﴾ وهي مفردة، حقها أن يوصف بها المفرد فيقال: خشبة مسندة؛ فالسبب في ذلك أن الجمع إن كان دالًا على الكثرة وصِف بالمفرد، كما هو الحال في هذه الآية، فخُشُب على زنة فُعُل وهي من أوزان جمع الكثرة، ووصفها بالمفرد يدل على الكثرة كذلك. أما الوصف بجمع المؤنث السالم فيدل على القلة، فلو قيل: "خُشُب مسنّدات" لحصل تناقض، فخُشُب تدل على الكثرة، ومسنّدات تدل على القلة، ولذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ (الآية 80)، وفي سورة آل عمران: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (الآية 24) إنهم توقعوا أن يعذبوا أيامًا كثيرة أو قليلة، ومن ثمَّ يُدخلون الجنة.

وفي آية سورة المنافقون تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ فأتى بـ(إذا) التي تدل على تأكيد حصول الرؤية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراهم دائمًا، ولم يأتِ بـ(إن) التي تدل على الاحتمال والشك.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 35 من سورة الأحقاف: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾، خُصت الساعة بأنها من ساعات النهار لا من ساعات الليل، لأن النهار يقصر بسبب التشاغل فيه، أما الليل فإنه يوصف عادة بالطول، وكذلك ساعاته، والمراد في هذه الآية الكريمة تقليل مدة لبثهم في الحياة الدنيا حين يرون العذاب، فشبهها بساعة من النهار تنقضي بسرعة، فالله أكبر ما أجمل هذا البيان وأبلغه!

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 196 من سورة البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فقوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ظاهر الكلام فيه أن كلمة (عشرة) مغنية عن (كاملة)، لأنها إذا لم تكن كاملة فستكون تسعة أو ثامنة ..إلخ، ولذلك فقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ بمعنى فاضلة من كمال الفضل لا من كمال العدد. قال كمال الدين الزملكاني في كتابه "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن": الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، ومن ثَمّ كان قوله: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أحسن من القول: تلك عشرة تامة، إذ التمام في العدد قد علم، وإنما بقي احتمال نقص في صفاتها، ويفترقان أيضًا من جهة أن قولهم (تمَّ) يُشعر بحصول نقص قبل ذلك، و(كَمُل) لا يشعر به، ومن ثمَّ قالوا: "رجل كامل" إذا جمع خصال الخير، ورجل تامّ إذا كان غير ناقص الطول. انتهى كلامه.

وقال الشاعر:

وهل يبلغ البيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمه

وقال الزجاج رحمه الله في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" قال بعضهم: كاملة أي تكمل الثواب، وقال بعضهم: كاملة في البدل من الهدي والذي أراه- والكلام للزجاج- أنه لما قيل: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله عز وجل أن العشرة مفترَضة كلها، فالمعنى المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذُكر من تفرّقها في الحج والرجوع.

 النظرة الرابعة:

 

في قوله تعالى في الآية 115 من سورة الأعراف: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ حيث أكّد السحرة الضمير الراجع إليهم فقالوا: ﴿نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، ولم يؤكدوا الضمير الراجع إلى موسى فقالوا: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ﴾ ولم يقولوا: إما أن تلقي أنت، والسرّ في ذلك والله أعلم أن السحرة أحبوا التقدّم في إلقاء سحرهم لظنّهم أنهم سيأتون بشيء عظيم يسيطرون به على أذهان الحاضرين، ويملكون به عقولهم، مما يتعذر بعده على موسى أن يرفع أثره عنهم، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل