بلاغة آية وحديث - الحلقة 42 - (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 42

الآية التي معنا في هذه الحلقة هي قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام في سورة هود عليه السلام (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾ هود) هذه أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الاستجابة لله رغم كل العوائق، الإستجابة لله رغم كل التحديات، الإستجابة لله رغم كل الصعوبات. نوح عليه السلام مكث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، تسعمائة وخمسين سنة يدعو قومه عمره في الدعوة تسعمائة وخمسون عامًا ومع ذلك لما أُمر في الأخير بيّن الله أنه ما آمن معه إلا قليل ولذلك أمره الله أن يصنع الفلك حتى ينجو هو ومن آمن معه حينما يركب معه من كل زوجين اثنين وأهله إلا من كفر أولئك سيتركهم للطوفان. البلاغة جاءت في الصورة البيانية في قوله تعالى (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) هذه الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم وبين محمد ونوح عليهما الصلاة والسلام مئات السنين، قرون كثيرة فصلت بين نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومع ذلك لما نزلت الآية قال الله (وَيَصْنَعُ) ولم يقل (وصنع) فرق بين عبارة يصنع وبين عبارة صنع وهو ما يعبّر عنه البلاغيون بقولهم: التعبير بالمستقبل عن الماضي. يصنع فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال وصنع تدل على الماضي، لماذا عبّر بـ(وَيَصْنَعُ) مع أن القصة حدثت وانتهت؟ هنا كأنك تستحضر شريطًا أو فيلمًا سينمائيا أمامك أو عرضًا حيًا أمامك بالكاميرات وكأنك ترى نوحًا عليه السلام وهو يصنع الفلك (وَيَصْنَعُ) الآن جالس يصنع، الآن يضع الألواح، الآن يضع الدسر، الآن يربط الحبال، الآن يشد الخشب، الآن يحكم الإغلاق كلها نستحضرها من كلمة (يصنع) وكأننا الآن في المصنع نرى نوحًا عليه السلام وهو يصنع الفلك المعهود الذي أمره الله ولذلك جاءت والله أعلم (الفلك) الألف واللام عهدية يعني الفلك المعهود الذي تعرفونه. وفي هذه الأثناء نكمل مسيرة المشاهدة فنرى (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) لاحظوا كلمة (كلما) وكأن القوم يمرون أفواجًا أفواجًا، يأتي قوم ويذهب قوم، يمر أناس في الصباح ويمر أناس في المساء، يمر أناس اليوم يمر أناس غدًا، يمر أناس هذا الأسبوع ويمر أناس الأسبوع القادم وهكذا، كلهم يسخرون من نوح عليه السلام. وإذا قلنا (كلهم) لأن الله تعالى قال (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ) إذا قلنا (كلهم) فلأنهم كثير نوح عليه السلام لم يؤمن معه إلا قليل فالكثير هم الذين لم يؤمنوا، إذن الكثير هم الذين يسخرون، إذن السخرية تتوالى تتوالى على نوح من أناس كثيرين ومع ذلك لا يزيده في دين الله إلا صلابة ورد عليهم الرد المحكم القوي (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) هذا أشد ما قاله له نوح عليه السلام، سيأتي يوم سترون من الذي يسخر. لذلك غدًا في القيامة يضحك المؤمنون وغدًا في القيامة يندم الساخرون الذين كانوا بالمؤمنين يسخرون ولذلك كان ردّ الأنبياء على أقوامهم بهذه الحكمة وهذا الرقي، لم يسبهم ويشتمهم وأيضًا لم يتهور في مواجهتهم وهم أكثر منه عددًا وإنما قام بتنفيذ ما يأمر الله في صناعة الفلك مع أنه كان يصنعها في أرض يبس لا ماء فيها ولا أنهار ولا بحار وهذا هو الذي جعل قومه يسخرون منه كيف يصنع سفينة في هذا المكان!؟ فقال نصبر وسنرى النتيجة.

بلاغة حديث

استكمال حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عن ربه عز وجلّ في صحيح مسلم عن أبي ذر "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا". كلمة (وجعلته) أيضًا جاءت بصيغة الماضي، الله سبحانه وتعالى في هذا الحديث قال أنا يا عبادي جعلت الظلم محرّمًا عليكم، أمر مقدور انتهى، الظلم يا عبادي كل عبادي تراه محرّم عليكم اعلموا أني جعلته وانتهيت، رفعت الأقلام، جفت الصحف، تم الأمر، قضي الأمر، حسمت المسألة، أسدل الستار، الظلم كل الظلم محرّم عليكم يا أيها العباد. قال ابن عبد البر في قوله تعالى في هذا الحديث وابن عبد البر له كتاب اسمه التمهيد فيما في الموطأ من المعاني والأسانيد، موطأ للإمام مالك رحمه الله شرحه ابن عبد البر فقال: الظلم وضع الشيء غير موضعه وأخذه من غير وجهه، أيّ شيء يضعه الإنسان في غير موضعه فهو ظلم وأيّ شيء يأخذه الإنسان من غير حقه فهو ظلم، إذن هذا الظلم محرّم علينا. ابن دقيق العيد عالم جليل له كتاب اسمه شرح الأربعين النووية علّق على ذلك أن المسلم ينبغي له أن لا يظلم أحدًا أبدًا لأنه مربوط بالآية الكريمة (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: 111].

العجيب أن الله سبحانه وتعالى أكّد هذه الجملة عندما قال "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا" نستطيع أن نعمل مطابقة كما يقول علماء البلاغة مطابقة ومقابلة بين الجزء الأول من الحديث عندما قال الله "إني حرمت الظلم على نفسي" انتهى الموضوع، ثم قالو"وجعلته بينكم حرامًا" المفروض ينتهي الموضوع هنا لكنه زاد فقال: فلا تظالموا. هناك لم يقل الله تعالى وهو العلي القدير الحكيم سبحانه إني حرّمت الظلم على نفسي فلن أظلمكم لأن الأمر معروف أنه ما دام الله حرمه على نفسه فلن يظلم فما احتاج أن يقول "فلن أظلمكم" ولما جاء للعباد ومنهم من يظلم ومنهم من يقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله قال الله "وجعلته بينكم حرامًا فلا تظالموا" هذا زيادة في تأكيد النهي عن الظلم كما قال ذلك العلماء الأجلاء رحمهم الله تعالى. قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه للأربعين النووية وجعلته بينكم محرما أي صيّرته بينكم حرامًا، "فلا تظالموا" عطف معنوي يعني بما أنني حرمته على نفسي فالعطف أني جعلته عليكم محرّمًا فلا يظلم بعضكم بعضا فيكون محرمًا عليه بكل وجه من الوجوه. قال ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم قال في قوله "وجعلته بينكم حراما" أن الله سبحانه وتعالى حرمه على العباد ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم وأن يظلم بعضهم بعضًا مع أن أصل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ولذلك أشد الظلم الشرك بالله سبحانه وتعالى، أعظم ظلم هو الشرك قال الله (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13] وأعظم الظلم الشرك لأن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه وجعله إلهًا له وهذا من وضع الشيء في غير موضعه وأكثر ما جاء في القرآن من وعيد الظالمين إنما يقصد به المشركون قال الله تعالى (والكافرون هم الظالمون).

والنوع الثاني من الظلم ظلم العبد لنفسه وأعظمه بعد الشرك الكبائر ثم الصغائر وي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الظلم ظلمات يوم القيامة" وفي الحديث الآخر: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفتله" وقرأ قوله تعالى (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود).

عافانا الله وإياكم أن نظلم أنفسنا أو نظلم غيرنا ممن ولانا الله إياهم أو نظلم أيًّا كان من عباده المسلمين غير المسلمين أو أن نظلم جمادًا بإهانة بيئته أو أن نظلم حيوانًا بتعذيبه.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل