سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة الرعد

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الرعد

بين يدي السورة:

سورة الرعد من السور التي تخصصت في موضوع العقيدة وقضاياها وهو موضوع يتكرر في كثير من سور القرآن ولكن هذا الموضوع لم يتكرر عرضه قطّ بطريقة واحدة في كل تلك السور فهو في كل مرة يُعرض بطريقة جديدة ويتناول عرضه مؤثرات وموحيات ذات إيقاع جديد وإيحاء جديد.

اسم السورة

لفتت هذه السورة الأنظار إلى كثير من آيات الله في الكون ومنها الرعد وما يتصل به من برق وصواعق وإنزال المطر من السحاب، قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾). وقد أخبر الله تعالى بأن الرعد بصوته الهادر إنما يسبح الله عز وجلّ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد والصواعق يقول: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. وكان عليه الصلاة والسلام إذا هبت الريح أو سمع صوت الرعد تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه ثم يقول للرعد سبحان من سبحتَ له وللريح "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا".

ما جاء فيها من الحديث

وهي تفسير لبعض آياتها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) قال الدقل والفارسي والحلو والحامض.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي فاتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذا قال والله على ما نقول وكيل، قال هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي، قال: تنام عينه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكّر؟ قال: يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرًا وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كانت أنثى: قالوا: أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه فقال كان يشتكي عرق المساء فلم يجد شيئًأ يلائمه إلا ألبان كذا وكذا يعني الإبل فحرّم لحومها. قالوا صدقت، قالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به يسوق به السحاب حيث أمره الله قالوا فماذا الصوت الذي نسمع؟ قال صوته قالوا صدقت إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا، إن ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل، قالوا جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا؟! لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والمطر لكان فأنزل الله (قل من كان عدوا لجبريل للمؤمنين).

مناسبة السورة لما قبلها

هناك عدة مناسبات بين سورة يوسف عليه السلام وسورة الرعد فقد ختمت الأولى بقوله تعالى واصفًا القرآن الكريم (ما كان حديثا يفترى  يؤمنون) وافتتحت سورة الرعد بقوله تعالى (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١﴾) فختمت الأولى بما افتتحت به الثانية من وصف القرآن الكريم. ولعل أوضح مناسبة بين السورتين أن يقال إن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة يوسف إعراض المشركين وعنادهم مع ما يرون من صفحة هذا الكون من دلائل قدرة الله تعالى، قال تعالى في سورة يوسف (وكأي من آية   معرضون) ثم جاءت بعدها سورة الرعد لتفصّل الحديث عن آيات السماء والأرض فكان الكلام عن دلائل القدرة والوحدانية مفصّلًا في سورة الرعد فالقرآن دليل ناطق يقود إلى الله تعالى والكون دليل صامت يعرّف به. وتمضي سورة الرعد في شرح مظاهر القدرة وسابغ الفضل على نحو لا مثيل له في كتاب مضى أو بقي.

ثم ترسل هذه الأسئلة مشفوعة بأجوبتها الفريدة (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿١٦﴾) وقد أشار يوسف عليه السلام إلى أدلة التوحيد عندما قال لصاحبيه (أأرباب   القهار) ثم فصّل الأدلة بإسهاب في سورة الرعد لم يُذكر في سالفتها.

ومن المناسبات بين السورتين أن الله ذكر في كلا السورتين أخبار الماضين مع رسلهم وأنهم لاقوا منهم ما لاقوا وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وكتب الخزي على الكافرين والنصر لرسله والمؤمنين وفي ذلك تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتثبيت لقلبه. وقد كانت سورة يوسف قد عرضت بعض حقائق العقيدة ولكن بقالب قصصي آخّاذ وجاءت سورة الرعد وأكّدت تلك الحقائق نفسها ولكن بلف النظر إلى كثير من آيات الله في كتاب الكون المفتوح، فإذا استطاع القارئ أن يستنبط حقائق العقيدة من قصة يوسف عليه السلام سيجدها مؤكدة ومفصّلة في سورة الرعد ولكن بطريقة أخرى ومؤثرات جديدة عند ذلك سيكتشف القارئ اتصال السورتين ببعضهما والله أعلم.

إجمال مواضيع السورة

بدأت سورة الرعد بالكلام على قضية الوحي بهذا القرآن الكريم فهو حقٌ نزل من عند الله ولن يكون ما عند الله إلا حقًّا لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بأنه موحى به ولا بالقضايا المترتبة على هذا الوحي من توحيد الله والدينونة له وحده ومن بعث وعمل صالح في الحياة. ثم تبدأ السورة بعرض مظاهر قدرة الله عز وجلّ ودلائل توحيده فتطوف سورة الرعد بالقلب البشري في مجالات وآفاق وأعماق وتعرض عليه الكون في شتى مجالاته الأخّاذة، في السموات المرفوعة بغير عمد وفي الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مسمى وفي الليل يغشاه النهار وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواسي ثابتة وأنهار جارية وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان ينبت في قطَع من الأرض متجاورات ويسقى من ماء واحد وفي البرق يخيف ويُطمِع والرعد يسبح ويحمد والملائكة تخاف وتخشع والصواعق يصيب بها من يشاء والسحاب الثقال والمطر في الوديان والزبد الذي يذهب جفاء ليبقى في الأرض ما ينفع الناس.

(المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٥﴾ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٦﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴿٧﴾ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴿١١﴾ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾)

ثم بعد هذا العرض الهائل المثير يحاول السياق القرآني محاورة المشركين وهو يحمل بين طياته إنكارًا على طريقة تفكيرهم فكيف ينكرون شأن هذا الخالق العظيم؟! أفلم ينظروا إلى خلقه ويدركوا قدرته وعظمته فكيف يشركون معه من لا يملك شيئًا من خصائص الألوهية والربوبية؟! هل عميت بصيرتهم وبصائرهم أم أنهم يعيشون في ظلام دامس فلا يرون معه شيئًا؟! ثم نمضي مع السياق القرآن يضرب مثلًا للحق والباطل للدعوة الباقية والدعوة الذاهبة مع الريح إنه مثلٌ للشر المنتفش المنتفخ والخير الهادئ، إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية وهو يلمّ في طريقه غثاء فيطفو على وجهه في صورة زبد حتى إن الزبد ليحجب الماء في بعض الأحيان هذا الزبد نافش رابٍ منتفش ولكنه بعد ذلك غثاء لا قيمة له والماء من تحته ساكن سالب هادئ ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة وكذلك الأمر نفسه يعاد في صهر المعادن فينشأ زبد مثل زبد الماء من فلزات المعادن التي يذبيونها في النار طلبًا للذهب والفضة ليتحلوا بها أو آنية أو آلة نافعة في الحياة كالحديد والرصاص فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل ولكنه يذهب ويبقى المعدن في نقاء ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة فالباطل يعلو وينتفش ولكنه بعد ذلك زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحًأ لا حقيقة له ولا تماسك فيه والحق يظل هادئا ساكنًا ربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو ضاع أو مات ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصافي ينفع الناس كذلك يضرب الله الأمثال وكذلك يقرر مصائر الاعتقادات ومصائر الأعمال والأقوال.

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿١٤﴾ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴿١٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿١٦﴾ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿١٧﴾ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٨﴾)

ثم تتحدث الآيات في عشر وصايا من استجمعها كان أهلًا للجزاء الأوفى (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾) ثم يبيّن الله عز شأنه حال الأشقياء وما ينتظرهم من العذاب والنكال وقد أتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب على سُنّة القرآن الدائبة المتكررة.

وبعد الكلام على هذين الفريقين الكفار والمؤمنين يبين الله تعالى أنه يبسط الرزق لكل العباد لا علاقة لذلك بإيمان وكفر فربما وسع على الكافر استدراجًا له وربما ضيّق على المؤمن زيادة في أجره فالفت والفقر في الدنيا لا يدلان على شيء بشكل قطعي وإنما حقيقتهما تكون بعد العرض على الله تعالى.

ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن مواقف الكفار على مرّ التاريخ من أنبيائهم ومعجزاتهم التي أيدهم الله بها فإنهم رأوا هذه المعجزات ولم ينتج منها شيء والله سبحانه وتعالى قادر على أن يأتي بما أراده الكفار من معجزات ولكنه ما أراد ذلك فالقرآن وما فيه من إعجاز وتشريع وأخبار هو معجزة هذا الدين الباقية فمن يكفر به ينل جزاءه يوم القيامة في جهنم بينما من آمن به فإنه في جنة أكلها دائم وظلها أعدّها الله للمتقين من عباده.

ثم حثّ الله سبحانه رسوله على القيام بحق الرسالة وحذّره من مخالفة أوامره ثم ختم ذلك بذكر الجواب عن شبهات كانوا يريدونها لابطال نبوته كقولهم إنه كثير الزوجات فجاء الجواب بأن محمدا ليس بدعا من الرسل فكثير من رسل الله كان لهم أزواج وذرية ولم يقدح ذلك في رسالاتهم وكقولهم إنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات التي يطلبونها فيجيبهم القرآن بأن أمر ذلك إلى الله عز وجلّ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وإنما وظيفة الرسل هي البلاغ وما حسابهم فعلى الله عز وجلّ فهو يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.

 

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴿٣٧﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴿٣٨﴾ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴿٣٩﴾ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿٤٠﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤١﴾ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٤٢﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿٤٣﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل