سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة يوسف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة يوسف

محور السورة: العلم والوحي والنبوة في سورة يوسف

إن الحديث عن صلة العلم بالوحي وأن الوحي مصدر من أعظم مصادر العلم وكذلك الحديث عن النبوة وما يلاقيه الأنبياء في سبيل هداية البشر وعن علاقة الوحي بالنبوة هو الدرس الكبير من هذه السورة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها بعضها ببعض.

إن هذه السورة المكية تتكلم عن موضوعات مهمة جدًا هي من صميم عقيدة المسلم التي لا يُسامح في الجهل بها ألا وهي الأدلة على صدق الوحي وأنه مصدر من مصادر العلم والتأكيد على أن القرآن وحيٌ من الله تعالى أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أبرزت الآيات الأولى هذا الموضوع حيث قال الله تعالى في أول سورة يوسف (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾) فمن أين للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف تفاصيل قصة يوسف عليه السلام لولا هذا الوحي الذي أنزله الله عليه وقد تأكد هذا المعنى في آخر فصل من فصول هذه القصة وذلك في قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾)

(الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴿٤﴾ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٥﴾ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦﴾ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴿٧﴾)

وقد اهتمت سورة يوسف عليه السلام كثيرًا ببيان صلة الوحي بالعلم وأن الوحي مصدر من أعظم مصادر العلم والحقيقة فالحقيقة لا تعرف كلها بالعلوم التجريبية وحواس الإنسان المادية ثمة مصدر آخر للحقيقة لا يصل إليه إلا من اختارهم الله تعالى واجتباهم من الأنبياء والمرسلين وهو الوحي المنزل من الله تعالى وسورة يوسف تؤكد هذا المعنى في عدة مواضع منها. فعلم تعبير الرؤيا وعلوم يوسف عليه السلام التي كانت سبب نجاته من السجن وتمكينه في أرض مصر وسلطانها مما علمه الله تعالى ليوسف بواسطة الوحي ولهذا قال يوسف عليه السلام للفتيين السجينين معه (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وكذلك علوم يعقوب عليه السلام التي عبّر بها رؤيا يوسف وبشره باجتباء الله تعالى له منذ صغره عندما قال له (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) إن هذا العلم هو مما علمه الله تعالى ليعقوب عليه السلام لذها قال عليه السلام لبنيه (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ووصفه الله تعالى بقوله (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لأن هذا العلم ينزله الله تعالى على المصطفين من عباده ليكون دليلًا لهم على صدق رسالتهم.

(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٣﴾ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴿٩٤﴾ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴿٩٥﴾ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿٩٧﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ﴿٩٩﴾ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿١٠٠﴾)

وقد نزلت هذه السورة المكية بعد سورة هود في تلك الفترة الحرجة بين عام الحزن الذي مات فيها عمه أبو طالب وخديجة بنت خويلد سندا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين بيعة العقبة الأولى والثانية التي جعل الله فيهما لرسوله وللمؤمنين معه فرجًا ومخرجًا فلا عجب أن تكون سورة يوسف عليه السلام بما احتوته من قصة ذلك الكريم ومن التعقيبات عليها بعد ذلك تسلية وتسرية للنبي صلى الله عليه وسلم ومواساة له وتثبيتًا للمطاردين والمغتربين والموحشين من أصحابه فإذا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان في فترة نزول هذه السورة يعاني من قومه معاناة شديدة فقد كذّبوه وهمّوا بقتله واجترأوا عليه ونكلوا بأصحابه وعذبوهم ففي هذه الظروف القاسية شاءت حكمة الله أن تنزل عليه سورة يوسف مواساة له بأخ كريم هو أحد أفراد قافلة الأنبياء الأطهار وقد لاقى ألوانًا من المحن والابتلاءات فمحنة كيد الإخوة ومحنة الجبّ والخوف والترويع فيه ومحنة الرزق وهو ينتقل من يد إلى يد على غير إرادة منه ولا حماية ولا رعاية من أهله ومحنة امرأة العزيز والنسوة وقبلها محنة الإغراء والشهوة والفتنة وبعدها محنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز ثم محنة الرخاء والسلطان في يديه وهو يتحكم في أقوات الناس وفي رقابهم وفي يديه لقمة الخبز التي تقوتهم ومحنة المشاعر البشرية وهو يلقى إخوته الذين ألقوه في الجب وكانوا السبب الظاهر لهذه الفتن والمحن والابتلاءات وخرج منها كلها متجردًا خالصًا قلبه لربه. فقصة يوسف هي نموذج يعرض المشاق والمصاعب التي لاقاها رسل الله وأنبياؤه الأطهار في سبيل تبليغ كلمة الله سبحانه وتعالى لخلقه وقد أخبر الله تعالى نبيه الكريم في آخر سورة هود عن سبب قصّ أخبار الأنبياء عليهم السلام عليه فقال تعالى (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ هود).

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴿٨٩﴾ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿٩١﴾ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٩٢﴾)

وإن الخاطر ليذهب إلى الإحساس البعيد بالإخراج من مكة إلى دار أخرى يكون فيها النصر والتمكين كما أُخرج يوسف من حضن أبيه ليواجه هذه الابتلاءات كلها ثم لينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين قال تعالى في سورة يوسف (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). وإن ختام السورة يؤكد المعنى ذاته فكل الرسل كُذّبوا وأُوذوا في الله تعالى ولكن الله كتب لهم الغلبة والنصر والتمكين في النهاية. ولما كانت سورة يوسف عليه السلام حديثًأ عن العلم والوحي والنبوة فقد خصصت مشهدا خاصا لعرض دعوة يوسف عليه السلام إلى الله عز وجلّ وذلك عندما التقى بصاحبيه في السجن فرغم كل ظروفه القاسية ومصائبه التي تقصم الظهور يأبى إلا أن يتحدث عن الله عز وجلّ فهو نبي مرسل من الله مكلّف بتبليغ دين الله وقد تكلم يوسف عليه السلام عن إفراد الله بالألوهية فالتوحيد هو رسالة الأنبياء جميعًا وقد رسم بكلماته القليلة الناصعة كل معالم هذا الدين وهذه العقيدة.

(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿٣٥﴾ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٣٧﴾ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٣٨﴾ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٠﴾)

إن البشرية ما شقيت إلا بتعدد الأرباب وتفرّقهم وتوزع العباد بينهم فهذه الأرباب الأرضية التي تغتصب سلطان الله وربوبيته أو يعطيها الجهلة هذا السلطان تحت تأثير الوهم والخرافة والأسطورة إن هذه الأرباب ليست من الربوبية في شيء وليس لها من حقيقة الربوبية شيء فالربوبية لا تكون إلا لله الواحد القهار الذي يخلق ويقهر كل العباد. وهنا يضرب يوسف عليه السلام ضربته الحاسمة فيبيّن لمن ينبغي أن يكون السلطان ولمن ينبغي أن يكون الحكم والطاعة أو بمعنى آخر لمن ينبغي أن تكون العبادة (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). إنها هي هي دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فالوحي الذي نزل على يوسف وعلّمه هو الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وعلّمه ولا عجب فالمصدر واحد والمرسل واحد سبحانه وتعالى. والحقيقة أن حديث يوسف عليه السلام مع صاحبيه في السجن هو درس في الدعوة إلى الله فإننا نلاحظ أن السجينين رأيا منه سلوكًا طيبًا في سجنه فقالا له (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فالداعية يجب أن يتمثل ما يقوله للناس واستثمر يوسف عليه السلام سؤال صاحبيه للحديث عن الله عز وجلّ والحقيقة أنهما لم يسألاه عن ربه إنما سألاه عن رؤيا رأياها فأجابهما عن سؤالهما بعد حديثه عن الله وتعريفه بربه في تلك الكلمات النيرة الحاسمة. وهكذا يجب على الداعية أن يستثمر جموع الناس ليحدثها عن الله قبل كل شيء إذ لا بد من معرفة الآمر قبل الأمر يمتلئ القلب بحبه فيستجيب له ويخضع لكلامه. وقصة يوسف في الدعوة إلى الله والدأب على البلاغ مهما كثرت العوائق مثلا يحتذى ويظهر أن نبوته بدأت مع بلوغه الرشد قال تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾) والحكمة والمعرفة أولى هدايا الله لأنبيائه وقد قال تعالى في لوط عليه السلام (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ) [الأنبياء:74] وقال في موسى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ القصص). ولما كان الحديث عن النبوة هو أحد الدروس الكبيرة في سورة يوسف كان أول مهام النبي الدعوة إلى الله فنحن نلاحظ يوسف عليه السلام بطل قصتنا كان داعية من الطراز الأول فهو داع إلى الله في كل موقف من مواقفه في هذه القصة ففي بيت العزيز عند مراودة المرأة له كان داعية معلّمًا لغيره من الشباب أن يعفّوا عن المعصية ولو توافرت ظروفها لأن الله مطّلع على خلجات القلوب ويوسف عفّ عن معصية الله لأنه رأى برهان ربه وربما كان المقصود ببرهان ربه تلك التربية التي تلقاها على يد أبيه يعقوب عليه السلام فهو ذو علم لأن الله علّمه أو برهان الله هو علمه بالله الذي جعل بين يوسف وبين المعصية سدّا منيعًأ فهو كاد أن يقع في الخطيئة  لولا علمه بالله عز وجلّ فبهذا الموقف كان معلّمًا وداعية إلى الله ثم بعد ذلك هو داعية إلى الله في سجنه والآيات الدالة على ذلك واضحة في السورة ثم كان داعية إلى الله مع إخوته وهو يستصرحهم مرة بعد مرة إلى أن اعترفوا بذنوبهم وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم.

(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٩﴾ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴿٧١﴾ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴿٧٢﴾ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ﴿٧٤﴾ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴿٧٥﴾ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿٧٦﴾ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿٧٧﴾ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٧٨﴾ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴿٧٩﴾ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿٨٠﴾ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴿٨١﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿٨٢﴾)

وبعد أن انتهت القصة جاءت عدة تعقيبات في ختام السورة:

1.      أولها أن الوحي هو الذي عرّف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بهذه القصة فالوحي أحد مصادر العلم.

2.      وثانيها أنه مع كل هذه الحقائق التي أوردتها السورة والتي تؤكد ظاهرة الوحي مما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نرى كثيرًا من الناس يعرضون عن هذه الحقائق وينكرونها.

3.      وثالثها تنزيه النبي عن أي غرض مادي فدعوته لله تعالى أجرها من الله لا من الناس

4.      رابعها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس الطريقة التي يسير عليها في الدعوة إلى الله

خامسها تبشير النبي صلى الله عليه وسلم بأن المحن مهما اشتدت وطال عليها الزمن فإن الفرج آت إن شاء الله

وتختم السورة بسبب إيراد هذه القصة وغيرها في القرآن الكريم إنه العبرة والعظة التي ينتفع بها أولو الألباب والبصائر.

 

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٨﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٠٩﴾ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴿١١٠﴾ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل