سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة هود

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة هود

محور السورة: المسؤولية والجزاء في سورة هود.

إن الكلام عن المسؤولية والجزاء هو الدرس الكبير في هذه السورة العظيمة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها الكثيرة بعضها ببعض فقد بدأت السورة بالكلام عن القرآن الكريم قاعدة الإسلام وبرهان رسالته وسر خلوده وتلقاه النبي ليبلغه إلى الناس كافة فيخرجهم من الشرك إلى التوحيد ومن العوج إلى الاستقامة فالتشبث بالله وحده هو أساس النجاة وبالبلاغ المبين يصبح الإنسان مسؤولا عن تصرفاته أمام الله عز وجلّ ويتحمل جزاء أعماله فالرسول قد بلّغ ما أُنزل إليه وقال للناس (لا تعبدوا إلا الله  وبشير) فانقسم الناس أمام هذا التبليغ إلى قسمين:

أولهما فريق آمن بالله تعالى يرى أن حياته في الدنيا للابتلاء والتكليف وأنه مسؤول عنها أمام الله يوم القيامة فمثاب أو معاقب.

والفريق الثاني كافر بالله تعالى جاحد لفضله وإحسانه سلخ عن نفسه الشعور بأيّ تكليف وأيّ مسؤولية والحياة في نظره لا قيمة لها ولا معنى سوى أنها فرصة يحقق فيها أهواءه ونزواته ثم تنتهي حياته كما انتهت حياة من سبق فإذا ما أُنذر بعذاب من عند الله استعجله زيادة في عناده وتكبره وتأكيدًا لرفضه تكاليف الله ومشكلة الإنسان أنه عبد لحظته الحاضرة وساعته العاجلة وأنه عندما يستنجد بربه لضرّ أصابه لا يكاد يستقبل النجدة المرسلة حتى ينسى ما كان ويجحد يد الرحمن التي أنقذته من محنته التي وقع فيها.

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿٣﴾ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤﴾ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٥﴾ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٦﴾ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٧﴾ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٨﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾)

إن سورة هود جاءت لتعلم هذه الأمة أن الإنسان سيقف بين يدي الله عز وجلّ ويُسأل عما جنت يداه في الدنيا فكل نفس بما كسبت رهينة فتوجهت السورة أولًا بالحديث إلى كفار قريش وبيّنت موقفهم من الرسالة وأكدت لهم أن مصدر القرآن الذي يبلغهم إياه محمد عليه الصلاة والسلام هو الله عز وجلّ وإن ظنوا بأن محمدًا افتراه وأنه من كلام البشر فليأتوا بعشر سورة مثله مفتريات وليدعوا الناس إليها. إن الله أنذرهم بهذا القرآن وبيّن لهم عاقبة مصيرهم في نهاية المطاف إما إلى جنة عرضها السموات والأرض وإما إلى نار جهنم التي أعدت للجاحدين.

(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٨﴾ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿١٩﴾)

ثم يتابع السياق القرآني مسيره في هذه السورة المباركة ليقص علينا قصص أمم سالفة والعبرة من هذا القصص هي تأكيد درس هذه السورة الكبير درس المسؤولية والجزاء والتكليف فالرسل جميعا بلغوا رسالة الله للبشر وبقيت رسالة الله أمانة في أعناق البشر بعد رسلهم فمن ضيّعها ناله سخط الله وعذابه ومن حفظها وعده الله بعيش رغيد في كِلا الدارين. لقد علّمتنا سورة هود من خلال هذا الدرس أن المعصية العابرة لا تدمر المستقبل، إنها تولد لتموت وقد يلحقها من الندم ما يمحو أثرها بل ربما كانت لقاحًا يحصّن من الوقوع في مثيلاتها فنفعت من حيث ضرّت. إن المعاصي التي تهلك الأمم هي التي تستقر في النفس ولا تعبرها تستقر فيها لتكون جزءا منها فتتحول إلى تقليد متّبع أو إلى تشريع قادم فيكون البعد عنها مستغربًا والنهي عنها جريمة!. فتأمل ما جاء في سورة الأعراف عند حديثها عن قوم لوط وتدبر ما قالوه له: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٨٢﴾) لقد أمسى التطهر منكرا والتدنّس مألوفًا.

بدأ السياق بقصة نوح مع قومه حيث بلّغهم رسالة ربهم فأعرضوا وكان نبيهم قد أدّى ما عليه وأصبحوا مسؤولين عن إعراضهم فليتحملوا إذن جزاء جرأتهم على الله عز وجلّ فكان الحكم عليهم بالموت غرقًا بينما نجى الإيمان المؤمنين من هلاك محتّم وتدل قصة نوح مع ابنه الكافر على أن دين الله على امتداد النبوات واختلافها من عهد نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد يؤخر نسب الدم ويقدم نسب الإيمان ويجعل الحب والبغض في الله أساس التواصل أو التقاطع.

ثم يبدأ شوط جديد مع عاد قوم هود عليه السلام الذين رفضوا نبيهم ونفروا منه أشد نفور مع أنه وعدهم وبشرهم بحياة رغيدة وزيادة قوة إلى قوتهم فكان جوابهم كما جاء في سورة هود (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥٣﴾) والذي يسمع هذه الإجابة يحسب القوم أهل حوار عقلي وأنهم إذا شُرح لهم الدليل اتبعوه والقوم لا علاقة لسلوكهم بعقل وأيّ ذكاء ينتظر من عبدة الأصنام؟ هل عبدوا الحجارة عن دليل؟ بل إنه محض العناد والتجبر ولما رأى هود عليه السلام نفسه وحيدًا أمام أناس مكابرين معاندين قال (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٦﴾). وهنا ينتهي دور التبليغ النبوي ليصبح كل إنسان مسؤولًا عن قراره الذي اتخذه قادرًا على تحمل جزاء تفكيره جاءهم العقاب الإلهي وكان شديدًا حاسمًا فإذا العمالقة المغرورون بقواهم تحملهم الريح العقيم وتجلد بهم الأرض بعنف فإذا رؤوسهم تطيح وأبدانهم تبقى كأنهم أعجاز نخل منقعر وأما هود والمؤمنون معه فكان لهم شأن آخر قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٨﴾) إن الأقوياء الفجرة عندما تحق عليهم كلمة الله يصبحون أهون من الذرّ ما تغني عنهم قواهم شيء أمام من بيده ملكوت السماء والأرض.

(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿٥٠﴾ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٥١﴾ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴿٥٢﴾ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥٣﴾ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٦﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴿٥٧﴾ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٨﴾ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٥٩﴾ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴿٦٠﴾)

وتكرر القصة نفسها مع قوم ثمود وقوم مدين وقوم إبراهيم وقوم لوط فما أكثر العِبَر وما أقل الاعتبار! وقد كان كثير من الأنبياء يحذرون قومهم أن تحل بهم عاقبة الذين من قبلهم ولكن ما لجرح بميت إيلام. ثم الله عز وجلّ يقص علينا قصص هذه الأمم ليعتبر الناس ببعضهم وليكون هذا القصص دافعًا للتغيير والتقدم نحو الأمام. إن سورة هود تعلمنا من خلال درسها الكبير أن سلوك الإنسان في حياته ينبع من نظرته إلى الحياة ومدى إدراكه لحكمة خلقه وجوهر وجوده فيها ولا بد للمؤمن بالله تعالى أن يرى الحياة دار اختبار وتكليف وأنه مسؤول عنها أمام الله تعالى لأنه سبحانه وتعالى عليم حكيم يتنزّه عن اللعب والعبث فما خلق الخلق وجعله على هذا النظام المحكم البديع للعبث واللعب وما خلقهم سبحانه إلا بالحق ليؤدّوا رسالة كلفهم بها ويعمروا الأرض بطاعته وعبادته. وإن سنة الله في خلقة واضحة مبينة في سورة هود عليه السلام ودرسها الذي نتلقاه منها يؤكد أن انصراف الناس عن هذه العقيدة وتجاهلهم لهذه الحقيقة هو السبب الرئيسي لكل شقاء وفساد وبغي في الأرض فالحياة من دون مسؤولية حياة فارغة لا تطاق تورث الإنسان الشعور بالإحباط والسآمة وقد تدفعه إما  لليأس والحيرة أو إلى الإجرام والظلم والعدوان لأنه سيصبح إله نفسه شرعه هو لذته وهوى ذاته. وهذا هو واقع أكثر الناس في في ظل الحضارة المادية المعاصرة التي أقيمت على عدم الشعور بالمسؤولية أمام الخالق العظيم وعدم الالتزام بأحكام دينه وشريعته وإن تعريف الناس بمسؤوليتهم أمام خالقهم من أعظم القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم وقلّ أن تمر بنا سورة من سور القرآن الكريم إلا ونرى فيها تقريرًا لهذه المسؤولية أو دعوة للتصديق بها أو ردًا على الجاحدين لها وقد برز هذا الموضوع في سورة هود كموضوع أسأسي لها دارت حوله معظم آياتها فكانت بحق سورة المسؤولية والجزاء.

(وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿٨٩﴾ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿٩٠﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴿٩١﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٩٢﴾ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩٤﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٩٦﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿٩٧﴾ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴿٩٨﴾ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴿٩٩﴾ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴿١٠٠﴾ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾)

وقد كان القصص هو جسم هذه السورة وقد احتلت آياته قسمًا كبيرًا منها لأنها كلها تؤكد درس السورة الكبير: "المسؤولية والجزاء"، فيا ليت الناس يقرأون هذه السورة، سورة هود يتعلمون منها ويعتبرون بالأمم السابقة فقد كانوا أممًا ذات شأن وقوة وحضارة مادية ولكن ما فائدة ذلك إذا توجه لغير الله عز وجلّ بل للبطش والإجرام والاستعلاء على الناس، عندها ستأتي السنة الإلهية لتطوي صفحتهم ولتجعلهم عبرة لغيرهم، لم هذا المصير الأشأم؟! أما كان أهل فكر واعتبار ينذرون ويحذّرون قومهم كما قال تعالى في سورة هود (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾) فما أكثر المشارب والمذاهب التي تفرق بين الناس وتجعل لكل واحد منهم جهة يرتضيها كان الله قادرًا أن يجعلهم غير ذلك ولكن شاءت حكمته أن يدعهم مختارين لأنفسهم ولم يكرههم على شيء وكأن الاختلاف سنة في التكوين البشري إلا من رحم الله. كان ربنا يستطيع أن يخلقنا ملائكة لا تستطيع العصيان أو حيوانات معزولة عن التكليف ولكنه جعلنا بشرًا مختارين نستطيع الهبوط إلى سجين أو الصعود إلى عليين. وإن العبرة البليغة من هذه السورة هي أن يتذكر الإنسان وهو يمارس أنشطة حياته اليومية ليتذكر أن له وقوفًا بين يدي الله عز وجلّ فليُعدّ جوابًا لكل سؤال.

 

(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١١٩﴾ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٢٢﴾ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل