سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة هود

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة هود

بين يدي السورة

سورة هود عليه السلام من السور المكية التي جاءت لترسيخ العقيدة وقد غلب عليها الطابع القصصي وفيها شبه كبير بسورة الأعراف وقد تميزت بذكر بعض التفاصيل في قصص الأنبياء ما لم يكن في غيرها.

اسم السورة

لم يذكر علماء التفسير لهذه السورة اسمًا غير اسمها وإن كان اسمها ملفت للنظر لأن سورة هود قد اشتملت على ذكر قصص عدد من الأنبياء فما هو السرّ في اختيار اسم نبي الله هود لهذه السورة؟ قال بعض العلماء: إن مقصود هذه السورة هو تبشير المؤمنين بما أعدّ الله لهم من نعيم وإنذار الكافرين وتخويفهم من عذاب يوم الجحيم وقد كانت هذه البشارة والنذارة أوضح ما تكون في قصة هود عليه السلام مع قومه وهم عاد وهم قوم آتاهم الله من نعيم الدنيا والتمكين في الأرض وقوة الجسد ما لم يكن لغيرهم فطغوا وبغوا فأرسل الله لهم هودًا نذيرًا وبشيرًا فكذبوه مغترين بما هم فيه من التمكين فأهلكهم الله عز وجلّ عن بكرة أبيهم وهم من العرب البائدة.

ما ورد فيها من الحديث

هي أحاديث تفسر بعض آياتها وتبين سبب نزولها وفضلها

عن ابن عباس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت، قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كوّرت.

وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يمهل للظالم حتى أخذه لم يفلته ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾)

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴿١٠٥﴾) سألت رسول الله فقلت: يا رسول الله فعلامَ نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كلٌ ميسر لما خلق له.

وعن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلت إن في البيت تمر أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فتقبلتها فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتُب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: أخلفت غازيًا في سبيل الله بمثل هذا؟! حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلًا حتى أوحى الله إليه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾) قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليّ رسول الله فقال أصحابه: يا رسول الله لأهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: بل للناس عامة.

مناسبة السورة لما قبلها

كانت سورة يونس عليه السلام مشتملة على بعض مفردات العقيدة التي أمر الله الناس بها وهذا شأن القرآن المكي بشكل عام فتحدثت عن الوحي والرسالة والتوحيد والقيامة والجنة والنار ثم جاءت سورة هود بعدها لترينا أن الأنبياء تلقوا هذه العقيدة المذكورة في سورة يونس وبلّغوها للناس فقصّت سورة هود علينا موقف الناس في شتى الأمم من هذه العقائد فمنهم شقي ومنهم سعيد. وكانت هذه المناسبة قد مرت معنا في سورة الأنعام وسورة الأعراف فسورة الأنعام سورة العقيدة وأصول الدين وسورة الأعراف هي السورة التي قصّت علينا مواقف الأمم من هذه العقيدة فالمناسبة هي هي تتكرر بين سورة يونس وسورة هود عليهم السلام أجمعين. وهذا التكرار غير مستغرب في كتاب الله لأنه كتاب تعريف بالعقيدة وتعريف بالله عز وجلّ فسورة يونس إذن هي سورة عقيدة وسورة هود سورة تأريخ لمواقف البشر من هذه العقيدة.

وهناك مناسبة أخرى بين سورة يونس وسورة هود عليهما السلام وهي أن سورة يونس ذكرت قصة نوح مع قومه بشكل مجمل فجاءت سورة هود وفصلت هذا الإجمال وتوسعت في قصة نوح مع قومه ما لم تتوسع أي سورة في القرآن الكريم وهذا نوع من المناسبة يذكره علماء التفسير.

وكانت سورة يونس قد ختمت بنفي الشرك واتباع الوحي وافتتحت سورة هود بما ختمت به سورة يونس، قال تعالى في أول سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾)

إجمال مواضيع السورة

تتألف سورة هود عليه السلام من ثلاثة مقاطع:

المقطع الأول من السورة يمثل المقدمة وهي تتضمن عرض الحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية: توحيد الدينونة لله تعالى بلا منازع وعبادة الله وحده بلا شريك واعتقاد في البعث والقيامة للحساب والجزاء على ما كان الناس من عمل وكسب في دار العمل والابتلاء مع تعريف الناس بربهم الحق وصفاته المؤثرة في وجودهم وفي وجود الكون من حولهم. وكذلك تتضمن هذه المقدمة بيانًا لطبيعة الرسالة وطبيعة الرسول كما تتضمن تسلية وترويحًا للرسول صلى الله عليه وسلم في وجه العناد والتكذيب والتحدي والمكابرة التي كان رسول الله يواجهها في تلك الفترة العصيبة من الدعوة في مكة وتتضمن تحدي المشركين بهذا القرآن الذي يكذبون به أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات كما يزعمون هم أن هذا القرآن مفترى وفي هذا التحدث تثبيت للرسول والقلة المؤمنة معه. ومع هذا التحدي تهديد قاصم للمكذبين بما ينتظرهم في الآخة من العذاب الذي يستعجلون به ويكذبون به.

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٣﴾ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٨﴾ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿١٩﴾ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴿٢٠﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢١﴾ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴿٢٢﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٣﴾)

المقطع الثاني من السورة هو مقطع القصص والقصص هو قوام هذه السورة ولكنه لم يجئ فيها مستقلًا إنما جاء مصداقًا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها والتي نصت عليها مقدمة السورة وقد تضمن هذا المقطع جولة في جنبات الأرض وأطواء التاريخ مع قصص الأنبياء يستعرض حركة العقيدة الإسلامية في مواجهة الكفر على مدار القرون. والقصص في سورة هود مفصل بعض الشيء وبخاصة قصة نوح والطوفان. وهو يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة والتي يجيء كل رسول لتقريرها وكأنما المكذبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ. والحقيقة أن قصص الأنبياء تكررت كثيرًا في القرآن الكريم وهذا التكرار له فائدته وله مذاقه فكل سورة تتناول القصة من زاوية تناسب محورها وموضوعها الأساسي التي جاءت من أجله فعلى قارئ هذه القصص أن يتنبه إلى الموضوعات التي تتحدث عنها السورة التي يقرؤها عندها سيجد أن القصص في هذه السورة أكدت موضوعات السورة وعُرضت من نفس الزاوية إنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم فهل من مدّكر!.

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴿٨٤﴾ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٨٥﴾ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴿٨٦﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴿٨٧﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿٨٨﴾ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿٨٩﴾ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿٩٠﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴿٩١﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٩٢﴾ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩٤﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥﴾)

ثم يأتي المقطع الثالث من هذه السورة ويبدأ من نهاية القصص فيها إلى ختامها ويتضمن تعليقات حول القصص السابق ذكره، إنها قصص الأمم الماضية ينذر الله بها هذه الأمة منها من لا تزال آثارها شاخصة تدل على ما حلّّ بهم ومنها ما حُصد كما يحصد الزرع وما الأقوام وما العمران إن هي إلا حقول من الناس كحقول النبات فيها غرس طيب وفيها غرس خبيث ومنها ما ينمو ومنها ما يموت.

ثم يتجه الخطاب في ختام السورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة تثبيتًا لفؤاده ومواساة له عليه الصلاة والسلام والسورة بشكل عام يلفت النظر فيها كثرة الضمائر التي تعود على شخص النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة لأنها نزلت في فترة من أحرج الفترات التي مرت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، إنها نزلت بعد يونس ويونس نزلت بعد الإسراء وفي هذا الوقت مات ابو طالب وخديجة فتجرأ المشركون عليه ما لم يكونوا يستطيعون ذلك من قبل وكان كفار قريش اتخذوا حادثة الإسراء مناسبة للاستهزاء بهذه الدعوة وبرسولها فآذوه ونالوا منه فأنزل الله عز وجلّ هذه السورة مواساة له وتثبيتًا لفؤاده وكأن سياق السورة يقول له: إن موكبًا من الأنبياء والرسل الكرام قبلك قد لاقوا ما تلاقيه من تكذيب وعناد وفجور فاصبر كما صبر هؤلاء الرسل واستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إن عليك إلا البلاغ والله سبحانه وتعالى هو الذي سيتولى حساب الجبابرة والتكبرين فاعبده وتوكل عليه إنه حاضر رقيب شهيد غير غافل عما يعمل الظالمون.

 

(فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤﴾ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴿١٠٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴿١٠٨﴾ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ﴿١٠٩﴾ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿١١٠﴾ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١﴾ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿١١٣﴾ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١١٩﴾ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٢٢﴾ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل