سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة يونس

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة يونس

من دروس السورة: الحُلوة الخَضِرة

أنزل الله سبحانه وتعالى سورة يونس عليه السلام وضمّ،ها كثيرا من مفردات العقيدة التي يجب على المسلم أن ينعقد قلبه تعالى وهي تأكيد لتلك القواعد التي قررتها سورة الأنعام فكانت سورة يونس امتدادًا لسورة الأنعام ولا عجب من هذا التكرار لأن القرآن الكريم كله تعريف بالله عز وجلّ وحديث عن أوامر الله ومناهيه والعبر والعظات من الأمم السابقة التي عصت ربها أو أطاعته وما جزاء كل أمة من هذه الأمم وما هي سنة الله في خلقه. وقد كان الحديث عن اليوم الآخر أحد مفردات هذه العقيدة وبالتالي سيتطرق السياق القرآني في سورة يونس للحديث عن الدنيا وذمّها وتنبيه الغافلين المغترين بها إلى ما هم فيه من الضياع لأن الدنيا والآخرة ضرّتين لا يستطيع الجمع بينهما إلا إنسان على جانب كبير من الحكمة والفهم وهذا ما لم يتيسر لكثير من الناس.

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴿٧﴾ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٩﴾ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٠﴾)

فإلى سورة يونس وغيرها من سور القرآن نستمع إلى حديثها عن الدنيا. بدأت القصة من ذلك الاحتفال المهيب الذي جرت أحداثه في الملأ الأعلى الاحتفال بالكائن البشري الذي أسكنه الله الجنة وجعلها موطنه الأول ثم شاءت إرادة الله أن يهبطه إلى الأرض ليعمرها وليكون خليفة فيها ولكن الله عز وجلّ حدد له موعدا ليعود إليه في نهاية الحياة ليقيّم له عمله ولذلك خطّ له صراطًا مستقيمًا يسير عليه وأنار له ظلمات الدرب بنور العلم الإلهي بواسطة الأدلّاء من الرسل الكرام وأمدّه بالمدد تلو المدد ليضمن له نعيمًا مقيمًا وراحة سرمدية غير أن كثيرًا من الناس نسوا لقاء الله عز وجلّ ولم يرجوه واطمأنوا إلى الدنيا وارتاحوا لها وآثروا الأدنى على الأعلى وعاشوا فيها كأن لا معاد لهم متكالبين على لذائذها ومتاعها ظانين أن نعيمهم فيها لا يزول ولا يحول فغرّتهم بزيفها وقشورها فأصبحوا وأمسوا راكضين وراء زخرفها وزينتها لاهثين على فتاتها متسابقين على جمعها متخاصمين متعادين من أجلها فكانت الحروب والدماء والأشلاء من أجل إحرازها وكان استغلال الكبار للصغار والأقوياء للضعفاء وعمّت شريعة الغاب في الأرض. وهذا شأن من يقصر نظره على الدنيا ويرتضي بها سكنًا ومنزلًا فهو لا يزال في تدنٍ وخِسّة ولو استمع إلى الله ورسله لرفعه بها ولكنه ضرب الجذور في دار الفناء وأخلد إلى دار لا تصلح أن تكون نهاية المطاف اجتذبه طينها وترابها فغفل عن الآخرة التي هي خير وأبقى.

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴿١٤﴾ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿١٥﴾ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٦﴾ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴿١٧﴾ آل عمران)

قال عليه الصلاة والسلام: ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليمّ فلينظر بم ترجع؟ وقيل إن عيسى عليه السلام رأى الدنيا بصورة عجوز هتماء - أي لا أسنان لها - عليها من كل زينة فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: لا أحصيهم، فقال عيسى: فكلهم مات عنك أو كلهم طلّقك؟ قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى: بؤسًا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد ولا يكونون منك على حذر؟! الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. أفلا يعقل الإنسان أم أن على الأبصار غشاوة؟! أفلم يروا الأرض من حولهم تحدثهم أيامها عن قدرة الله وقوته؟ ألم يروا العذاب الذي حلّ بمن سبقهم من الأمم لما أسرفوا وتثاقلوا إلى الأرض وابتعدوا عن هوى الرب؟ عذابٌ اجتثهم من جذورهم الواهية فقطعها ومزّق علاقتهم بالأرض الخاوية التي سعى إليها من سعى وضيّع عمره في تحصيل فتاتها حتى إذا أدركه الموت ترك ما جمعه لغيره وسُئل عنه في قبره وحوسب عليه. هذه الدنيا الذي يُترك شرع الله من أجل تحصيلها وجمعها حتى يكون جمعها في النهاية هو سبب الشقاء والهلاك فيا للمغبون الذي استبدل دار السلام بدار الفناء!!.

وقد ضرب الله مثلًا للدنيا في سورة يونس تلك السورة التي نتلقى من آياتها هذا الدرس مثلا يبين حقيقتها لأولي الألباب مثلها كمثل أرض سقيت بماء المطر فانتعشت واخضرت وأورقت منها الأشجار وتناثرت حولها الأزهار واستبشر أهلها بها وعظم شأنها في نفوسهم حتى ظنوها خالدة لا تفنى على مرّ الأيام وكرّ الدهور فتعلقت بها نفوسهم واتجهت إليها همتهم وشغلتهم عن الدار الآخرة وعن دار السلام الحقيقية عند ذلك أتاها أمر الله فجعلها حصيدًا كأن لم تغنَ بالأمس فصار نعيمها بؤسًا واخضرارها يبسًا، فيا لخسارة من جعلها مستقره وحجبته عن دار البقاء وجنة الخلد!

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٥﴾ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧﴾ يونس)

وقد كتب الحسن البصري كتابًا إلى عمر بن عبد العزيز يحذّره فيها من فتنة الدنيا فجاء فيه: أما بعد، فإن الدنيا دار ظعن وليست بدار مُقام وإنما أنزل إليها آدم عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركُها والغنى فيها فقرها، تذلّ من أعزّها وتُفقر من جمعها كالسمّ يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فاحذر هذه الدار الغرّارة الخيّالة الخداعة وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، سرورها مشوبٌ بالحزن وصفوها مشوبٌ بالكدر فلو كان الله لم يخبر عنها خبرًا ولم يضرب لها مثلًا لكانت قد أيقظت النائم ونبّهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجلّ عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله قدر ولا وزن ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. ولقد عُرضت على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مفاتيحها وخزائنها فأبى أن يقبلها وكره أن يحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضع مليكه، زواها عن الصالحين اختيارًا وبسطها لأعدائه اغترارًا أيظنّ المفتون بها المقتدر عليها أنه أُكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم  حين شدّ على بطنه الحجر من الجوع؟ والله ما أحد من الناس بُسط عليه في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مُكر به إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه. فبحسبنا منها زاد المسافر لأننا مرتحلون عنها كضيوف أو عابري سبيل فرب متمتع بالدنيا محصل لها صفر اليدين يوم القيامة لا خلاق له فيها يومها يعض على يديه حسرة على ما فوّت على نفسه من حياة الجنة حياة أبعد من الخيال وأحلى من الشهد حياة لم يصفها أحد ولم يطمح إليها فكر مخلوق أبدًا فتتقطع نفسه حسرات ولات ساعة مندمّ ذلك الحال البائس هو حال أهل الدني المرتشفون عبيرها إلى آخر قطرة هذا حالهم يوم الجزاء فما حال من وعى الحقيقة وبحث عندرب الهدى حتى إليه اهتدى واستمع الإنذار وسارع إلى الإلتزام وتواصى وإخوته في المنهج على التمسك والاعتصام وتسابق معهم في سبيل رضى الله. لقد حدثتنا سورة يونس عن بعض نعيمهم في الدار الآخرة إنهم بيض الوجوه مشرّفون مكرّمون عند الله عز وجلّ يجالسهم ربهم سبحانه وتعالى ويكلمهم ويحلّ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٦﴾) إنهم عاشوا في الدنيا فأبصروا النور والجمال وتأملوا الآلآء والسماء ولم يكترثوا بالحجارة والأشواك ولم يلتفتوا إلى تفاهات الدنيا وإغرائها عاشوا كأروع نموذج رباه الله فأحسن نشأته يعيش في الدنيا وقلبه معلّق في الآخرة فكل عمل يعمله إنما يقصد به وجه الله عز وجلّ ويتخذ الدنيا مطية للآخرة ورحم الله من قال:

إن لله عبــادا فُـــطنا       طلقوا الدنيا وخافـوا الفتنا

نظــروا فيهـا فلما علموا      أنها ليـست لـحيّ وطنا

جــعلوها لُجّــة واتخذوا     صالح الأعمـال فيها سُفُنا

وقال صلى الله عليه وسلم: مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها. وقال: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بمَ ترجع. وقد عيّر الله سبحانه وتعالى من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ التوبة) وقال عزّ من قائل (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) [الرعد:26] فهي سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال ضيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل.

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿١٦﴾ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٧﴾ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١٩﴾ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿٢٠﴾ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢١﴾ الحديد)

ثم بعد ذلك لا يفوتنا أن ننبه أن كل ما ذكرناه عن ذمّ الدنيا وذم التكالب عليها واللهث وراء متاعها إنما يخص أولئك الذين يجعلون الدنيا غايتهم ويقصروا نظرهم عن الآخرة فتكون الدنيا ستارا وسدًا تنتهي عندها آمالهم ورغباتهم فإن الله عز وجلّ قد كتب النعيم في الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب وهو سبحانه وتعالى لم يرض أن تكون الدنيا جزاء عباده الصالحين بل أد لهم نزلا عنده يليق بضيافته عز شأنه. إن ذلك كله لا يعني أن لا يعمل المسلم لتحصيل المال وجمعه والتمتع بطيبات الدنيا بل المقصود من كل هذا أن تكون الدنيا في يده ويمنعها من السيطرة على قلبه وفكره فإن المال قوة فيه تقوم الحياة وتعمر الأسواق وتبنى البلاد وبه يقاتل الأعداء وينصر به الدين لذلك سماه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم زينة فنعم المال الصالح للعبد الصالح. إن القرآن يريد أن يسمو بهذه الأمة ويربيها وقد جاءت سورة يونس عليه السلام بكل ما تحمل من عقيدة جاءت لتكون مدرسة يتخرج منها جيل يعرف ربه ويعبده عن بصيرة وعلم يملك الدنيا بيده ولكن تتطلع أشواقه إلى جنة الخل ونعيمها المقيم فيجعل ماله وحياته وعلمه جسرًا يوصله إلى دار السلام التي علمتنا سورة يونس أن الله عز وجلّ يدعو الناس إلى دخولها وذلك بعد أن نبهتنا هذه السورة الجليلة إلى ذلك المثل الذي ضربه الله عز وجلّ للدنيا بأنها تغر أهلها وتخدعهم فيسلمون قيادهم إليها فإذا هي عن قريب خراب ودمار وقد تكرر ذلك في كثير من سور القرآن ليتذكر الناسي ويتنبه الغافل.

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ الكهف)

 

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾ آل عمران)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل