سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة يونس

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة يونس

محور السورة: عقيدة المسلم

إن الحديث عن بعض مفردات العقيدة التي يجب أن يعتقدها المسلم الخاضع لله تعالى هو الدرس الكبير في هذه السورة الجليلة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها الكثيرة بعضها ببعض فما أشبه هذه السورة بسورة الأنعام التي تحدثت عن كثير من قواعد أصول الدين فكأن هذه السورة امتداد لموضوعات سورة الأنعام. وعلى كل حال فإن هاتين السورتين مكيتان وللقرآن المكي جوه الخاص وهدفه المعين الذي يعيّنه موضوعه الأساسي وهو الحديث عن حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية وحقيقة العلاقة بينهما وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه ويتبعوا أمره وشرعه وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش وانحراف والتواء. وإن موضوعات العقيدة تتكرر كثيرًا في القرآن الكريم فلا تكاد تخلو سورة منها لأن القرآن كتاب هداية وتعريف بالله عز وجلّ فإلة سورة يونس نجثوا أمامها ونتلقى درس العقيدة الذي جاءت بها لتؤدي دورها في تربية هذه الأمة.

يبدو أن نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثار تعجب المشركين العرب فاستهل سبحانه سورة يونس بذكر هذا التعجب وردّه ببيان ضرورته للناس ولم يكن إرسال سيدنا محمد أمرًا جديدا على خلاف العادة فقد أرسل الله تعالى كثيرا من الرسل قبله وهو عليه الصلاة والسلام خاتمهم. فأول ما يجب على المسلم اعتقاده هو إيمانه بالله تعالى خالقا موجودا حكيما وبعد ذلك إيمانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته القرآن الكريم، أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا للناس جميعا. وكعادة القرآن المكي يبرهن على وجود الله وعظيم قدرته ووجوب طاعته بلفت أنظار العباد إلى آيات باهرة في هذا الكون الرحيب تدل على دقة صنعة الله سبحانه وتعالى وعجيب حكمته وقدرته لكي يهتدي الخلق إلى الخالق العظيم من خلال نظرهم في جنبات المعمورة.

(الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴿٦﴾)

فأين أولئك الذين لا يرجون لقاء الله يوم القيامة ولا يؤمنون بالبعث والحساب أين هم من الاستدلال على الخالق بالنظر في المخلوقات التي أبددعتها قدرة الله عز وجلّ؟ إن مأواهم النار جميعا بما كانوا يكسبون.

وبعد ذلك يواجه السياق القرآني تحدي المشركين لرسول الله وطلبهم تعجيل العذاب الذي يتوعدهم به ويبين لهم أن تأجيله إلى أجل مسمى هو من حكمة الله ورحمته ويرسم لهم مشهدهم حين يصيبهم الضر فعلا فتتعرى فطرتهم من الركام الجاثم فوقها وتتجه إلى خالقها فإذا ارتفع الضر عاد المسرفون إلى ما كانوا فيه من غفلة ويذكّرهم مصارع الغابرين الذين استخلفوا هم من بعدهم ويلوّح لهم بنفس المصير ويبين لهم أن الحياة الدين إنما هي للابتلاء وبعدها الجزاء فلا بد للمسلم الذي يتلو سورة يونس أن يفهم هذه المعاني ويتدبرها إنها عقيدته التي سيسأله الله عنها يوم القيامة.

(وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢﴾ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿١٣﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾)

ثم يعود السياق القرآني ليتحدث عن مصدر القرآن، إنه من الله عز وجلّ وليس لأحد أن يغيّر فيه أو يبدّل، إنه الكتاب الذي يحمل رسالة الله الخاتمة للإنسان، إنه آخر اتصال بين السماء والأرض، وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وإن المرء الذي يشكّ في مصداقية القرآن أو أنه من عند غير الله غير مسلم فالإيمان بالقرآن على أنه كلام الله الذي يشمل تعاليمه وأوامره للناس أحد أهم مفردات العقيدة لذلك نجد القرآن يؤكد على هذه الحقيقة في سورة يونس وفي غيرها لأنها أصل من أصول هذا الدين، قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء).

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦﴾ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٧﴾ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٨﴾ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٩﴾ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿٢٠﴾)

ثم يخاطب الله سبحانه وتعالى فطرة الإنسان، إنها فطرة تعرف الله وتؤمن به لكنها تنساه في حال الرخاء فإذا ما داهمها الخطر وقفت ببابه واستغاثت به طالبة من جنابه النصر والعون. وكثيرًا ما تؤكد السور المكية وسورة يونس واحدة منها على حديث الفطرة فالله فطر الإنسان على الإيمان به فالله هيأه لعبادته وأرسل له رسلًا برسالات من عنده فاالحالة الطبيعية للإنسان هي الإيمان بالله أما الكفر والإلحاد فهو فساد في الفطرة وخروج عن الحالة الطبيعية فالدنيا حلوة خضرة افتتن بها الناس فنسوا ما ذكروا به من تعاليم الله. لذلك نجد سورة يونس عليه السلام وهي في معرض حديثها عن الدنيا لأتت على ذكر الجنة ونعيمها لكي يعلم المعرض عن مغريات الدنيا المحرمة أن الله سيعوضه دارًا خيرًا منها فيها من النعيم الخالد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وتعرّض سياق سورة يونس في حديثه عن العقيدة لنار جهنم ولبعض مشاهد القيامة أيضًا لكي تتضح الصورة أمام كل ذي بصيرة فيقارن بين الدنيا والآخرة وليقرر قرارًا صحيحًا سليمًا أيهما يُترك من أجل الآخر.

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٢٢﴾ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٣﴾ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٥﴾ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧﴾)

ولما كان الدرس الكبير في سورة يونس هو العقيدة التي يجب على المسلم التمثّل بها كان لا بد من فضل خاص يتحدث عن ربّ العزة سبحانه وتعالى الذي يرزق من السماء والأرض ويملك السمع والأبصار ويخرج الحي ومخرج الميت من الحي إنه الرب الذي يهدي إلى الحق وغيره يدعو إلى الضلال لا يخفى عليه إغماض الجفون ولا لحظ العيون ولا ما استقر في المكنون، يحتاجه كل شيء وهو غني عن كل شيء فمن كانت هذه صفاته استحق أن يتسابق الخلق في مرضاته وأن يفنوا أعمارهم في مرضاته وأن يكون فرحهم برحمته ورضوانه أكبر من فرحهم بما يجمعون في الدنيا. قال تعالى في سورة يونس (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾). ويستغرق الحديث عن الله عز وجلّ قسمًا لا بأس به من هذه السورة ولا عجب من ذلك فإن القرآن يكاد أن يكون كله حديثًا عن الله لأن معرفة الآمِر قبل الأمر تجعل الإنسان يتفانى في طاعة الآمر وأما معرفة الأمر دون الآمر ربما جعلت الإنسان يتفنن في الهروب من تكليفه سبحانه وتعالى.

(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٣﴾ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٣٤﴾ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٥﴾ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٧﴾)

ثم تعرض آيات سورة يونس عليه السلام ثلاثة نماذج من الأمم وذلك بعد حديثها عن الله تعالى إنها أمة نوح عليه السلام وقصة موسى مع قومه وقصة يونس عليه السلام مع قومه، ذلك بأن لله سنّة في خلقه لا تتخلف أبدًا: إن الأمم التي تخضع لسلطان ربها عز وجلّ وتلتصق بالحقّ وتقوم عليه يُكتب لها البقاء والنجاة والفوز بسعادة الدارين، وأما التي تكبّرت وتجبّرت وكفرت بربها لحقها الدمار والخراب لأنها لا تستحق البقاء على وجه الأرض وهي غير جديرة أن يكون لها سيادة أو سلطان على الخلق لأنها ستنشر الفساد والفُحش بين أبناء آدم. فهاهم قوم نوح عليه السلام أغرقهم الله تعالى فلم ينجو منهم أحد إلا من اعتصم بالإيمان وكذلك مضت هذه السنة على بني إسرائيل فأّغرق طغيان الكفر فرعون ذلك الزمان فمات غرقًا وكتب الله لجسده النجاة ليكون عبرة لكل من يراه وأما قوم يونس عليه السلام فقد نجاهم إيمانهم بالله عز وجلّ من العذاب الذي كاد أن يحيق بهم إنهم كفروا في باداية الأمر وأغضبوا نبيهم يونس عليه السلام فتركهم ورحل عن أرضهم ولكنهم راجعوا أنفسهم فاتخذوا قرارًا سليمًا نجاهم من الهلاك المحتّم، إنها سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.

(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٨٨ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩٠﴾ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١﴾ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴿٩٢﴾ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٩٣﴾ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٩٤﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٩٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٩٧﴾ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴿٩٨﴾)

وقد أكدت سورة يونس على أحد مفردات العقيدة في عدة مواضع منها إنه تلازم الإيمان مع العمل الصالح، فلا بد نع الإيمان من عمل صالح، قال تعالى في سورة يونس (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ) وقال (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) وقال (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾) كما أنها تحدثت عن حرية الإنسان في اختياره طريق الخير أو الشر فلا إكراه ولا إجبار على طاعة ولا على معصية. وتختم سورة يونس سورة العقيدة بحشد من قواعد العقيدة التي جاءت هذه السورة لتلقنها لهذه الأمة فمنها: إفراد الله بالعبودية ولو تخلّى الناس عن درب التوحيد وشكّوا فيه وإفراد الله بالدعاء والنفع والضر فإذا مسك الضرّ فلا كاشف له إلا له وإن أرادك بخير فلا رادّ لفضله، إنه هذا الدين وهذه العقيدة الحق الذي نزل من عند الله فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وكل إنسان مسؤول عن نفسه أمام الله عز وجلّ فالرسول ليس موكلًا بالناس يسوقهم إلى الهدى سوقًا إنما هو مبلّغ عن الله عز وجلّ وكل إنسان موكول إلى إرادته.

وختمت السورة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الوحي والصبر حتى يحكم الله عز وجلّ واتباع الوحي هو القاعدة الكبرى في هذه العقيدة والصبر على ذلك مطلوب حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.

 

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٥﴾ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٦﴾ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٠٧﴾ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل